3,537

أنا مندهش مثل السوق

كان هذا التعليق الفوري لإنان ديمير، كبير الاقتصاديين الأوروبيين، بشركة «نومورا» الدولية، وذلك بعد مفاجأة من العيار الثقيل فجرها البنك المركزي التركي على خلاف توقعات الجميع، اليوم الخميس، برفع أسعار الفائدة الرئيسة إلى مستوى قياسي، وذلك بواقع 625 نقطة أساس، وبالرغم من أن التوقعات كانت تتجه نحو رفع الفائدة، إلا أن أغلب الخبراء كانوا يتوقعون أن تتراوح الزيادة ما بين 225 : 325 نقطة أساس، وهي الأرقام التي تجاوزها المركزي كثيرًا.

قرار المركزي آثار دهشة الجميع بلا استثناء؛ إذ إن ديمير الذي كان يطالب المركزي قبل هذا القرار برفع السعر بواقع 575 نقطة أساس، لم يكن يتوقع أن يستجيب المركزي ويقترب من توقعاته على الأقل، بينما فينيكس كالين، الخبير الاستراتيجي في الأسواق الناشئة، الذي طالب بالأمس برفع المعدل إلى 24%، وتوقع أن يكون قرار المركزي أقل بـ50% من طلبه، عبر عن سعادته اليوم وارتباكه في نفس الوقت من قرار البنك المفاجئ.

السؤال الآن، ما الذي حدث؟ وما هو تأثير قرار رفع الفائدة بهذه القوة؟ وما هي التوقعات المستقبلية؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه خلال هذا التقرير.

1- ما هي تفاصيل قرار البنك المركزي التركي؟

في خطوة تهدف لدعم الليرة التركية، والحد من ارتفاع التضخم، قرر البنك المركزي التركي رفع سعر الفائدة إلى 24%، وذلك من 17.75%، بينما قرر البنك رفع سعر إعادة الشراء (ريبو) لأجل أسبوع إلى 24%، وبهذا القرار يكون المركزي قد رفع أسعار الفائدة بنسبة 11.25% في أقل من خمسة أشهر.

Embed from Getty Images

تشديد البنك لسياسته النقدية يأتي في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار ضعف الليرة والقلق من تباطؤ اقتصادي، إلا أن البنك المركزي قال في بيانه: إنه «قرر تطبيق سياسة نقدية مشددة بقوة لدعم استقرار الأسعار»، مؤكدًا أن البنك قد يشدد السياسة النقدية أكثر – رفع الفائدة – إذا اقتضت الضرورة، وذلك في اتجاه واضح من المركزي لدعم العملة المحلية.

2- هل أثبت المركزي التركي استقلاليته برفع الفائدة؟

ربما تكون أبرز النتائج الإيجابية التي يمكن أن نتحدث عنها حول قرار البنك المركزي التركي بهذا الرفع القياسي لأسعار الفائدة: أنه سيهدئ من مخاوف المستثمرين من تأثير الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على السياسة النقدية، ويؤكد استقلالية البنك بعيدًا عن وجهة نظر الرئيس التركي، ويوضح الرسم البيان التالي مسار رفع الفائدة منذ 2010 وحتى الآن، وهو ما يكشف أنه ربما رغم معارضة أردوغان، إلا أن البنك مستمر في قراراته المستقلة.

ويرى محللون أن رفع الفائدة قد يرسل رسالة مفادها استقلال المركزي التركي، حيث تم الرفع – وبنسبة كبيرة – بالرغم من رفض الرئيس التركي، إلا أنه من المتوقع استمرار آثار التدخلات السابقة في إلقاء ظلالها على الموقف، في الفترة القادمة.

المركزي مستقل.. لكنني ما زلت أعارض

كان هذا تصريح لأردوغان قبل دقائق قليلة من قرار المركزي، مؤكدًا أن البنك المركزي التركي مستقل، واتخذ قراره بشأن سعر الفائدة بنفسه، إلا أنه قال إن موقفه المعارض لرفع أسعار الفائدة ما زال دون تغيير، بينما مارس أردوغان هوايته في انتقاد سياسة رفع تكلفة الاقتراض؛ إذ قال إن بنوك خاصة رفعت أسعار الفائدة بنسبة تصل إلى 50%، مطالبًا اتحاد التجار بدعم القطاع الخاص بإعادة هيكلة الديون.

وكثيرًا ما كانت المخاوف بشأن تدخل الحكومة في السياسة النقدية لخفض سعر الفائدة، أحد أبرز أسباب تراجع العملة التركية، خاصة أن سوق العملات من أكثر الأسواق حساسية للأوضاع السياسية، فالرئيس التركي يقود صراع طويلًا مع البنك المركزي حول سعر الفائدة، وهذا الصراع دائر منذ أكثر عدة سنوات.

وتتلخص وجهة نظر أردوغان بأنه يرغب في خفض تكلفة الاقتراض لتعزيز الاستثمار وتحفيز الاقتصاد، بالإضافة إلى تمكين الشركات التركية المديونة من سداد ديونها بتكلفة أقل، لكن هذه الرغبة تثير قلق المستثمرين في ظل ارتفاع التضخم، لكن بلا شك من الصعب الحديث حول هذا الأمر كثيرًا الآن بعد القرار الأخير الذي قد يزيل تمامًا الشكوك حول استقلالية المركزي.

3- كيف استقبلت الليرة قرار المركزي التركي؟

تلقت الليرة التركية دعمًا كبيرًا من قرار المركزي برفع الفائدة؛ إذ ارتفعت إلى 6.01 ليرة للدولار بعد القرار مباشرة، وذلك من 6.4176 قبل القرار، كما هبط أيضًا سعر صرف اليورو من 7.49 ليرة إلى 7.0077 ليرة، وبهذا يكون الدولار قد خسر نحو 3% أمام الليرة، بينما فقد اليورو 2.7% من قيمته أمام العملة التركية بحلول الساعة 14:20 بالتوقيت المحلي و(11:20 جرينتش)، إلا أن مسار هبوط الدولار لم يتواصل كثيرًا؛ فقد ارتفع قليلًا خلال جلسة اليوم، كما يوضح الرسم البياني التالي للسعر خلال كتابة هذا التقرير.

مؤشر الليرة مقابل الدولار – ماركت ووتس

ويرى محللون أن أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الليرة يمكن أن تواصل هبوطها، في تشديد البنك المركزي لسياسته النقدية، وكانت الليرة قد خسرت نحو 40% من قيمتها مقابل الدولار منذ بداية العام الجاري، في رحلة هبوط سريعة متأثرة بالصراع السياسي التركي الأمريكي الذي تسبب في فرض الأخيرة عقوبات اقتصادية على أنقرة، ونالت هذه العقوبات من العملة المحلية.

من جانبها انخفضت تكلفة التأمين على الديون التركية 34 نقطة أساس إلى أدنى مستوياتها منذ منتصف أغسطس (آب)، في تأثير مباشر إيجابي لرفع أسعار الفائدة، بينما تراجعت عقود مبادلة مخاطر الائتمان لأجل خمس سنوات إلى 475 نقطة أساس، فيما زادت السندات الدولارية بمختلف آجالها في أعقاب قرار المركزي التركي الذي تجاوز توقعات السوق، بما يشير إلى فوائد كبيرة ستعود على الليرة خلال الأيام القادمة.

4- هل انتهت أزمة الليرة في تركيا بعد رفع الفائدة؟

لا شك أن قرار البنك المركزي اليوم وتأكيده على نيته تشديد السياسة النقدية أكثر إذا اقتضت الضرورة، يدعم الليرة بشكل كبير، لكن أيضًا يجب أن نشير إلى أنه في الواقع لا يمكن وصف الوضع الاقتصادي الحالي لتركيا بأية حال من الأحوال سوى بأنه وضع صعب، فالبلاد في فترة حرجة وشديدة الحساسية، ربما سيتحسن وضع الليرة في المستقبل المنظور، إلا أن أغلب التحليلات أن الأزمة لن تنتهي بهذه السرعة.

فلا زال العجز في ميزان المعاملات الجارية بالبلاد يرتفع، إذ سجل في مايو (أيار) الماضي نحو 5.885 مليار دولار، وذلك مرتفعًا عن توقعات المحللين، بعد أن سجل في أبريل (نيسان) نحو 5.452 مليار دولار، بينما وصل في عام 2017 إلى 47.1 مليار دولار، بالإضافة إلى أن أزمة الديون التي تواجهها تركيا مازالت لم تظهر ملامح حلول حقيقية لها في الأجل القصير؛ وهو ما يجعل الحديث عن انتهاء أزمة الليرة ربما يكون مبكرًا.

5- كيف سيتأثر الاستثمار والتضخم بالقرار؟

يرى محمد عبد الحكيم، رئيس قسم البحوث بشركة فيصل لتداول الأوراق المالية، أن القرار برفع الفائدة له تأثير سلبي على الاقتصاد التركي والمناخ الاستثماري في البلاد؛ إذ يوضح أن الديون الخارجية في تركيا تتركز معظمها في القطاع الخاص، وبالتالي ستكون الشركات التركية أكبر المتضررين من قرار رفع الفائدة، مشيرًا إلى أن هذا لا ينفي أيضًا الضرر بالكلية عن الحكومة، إلا أنه يؤكد أن الشركات ستكون أكثر تضررًا؛ حيث ستتحمل أعباء خدمة دين إضافية.

ويقول عبد الحكيم خلال حديثة لـ«ساسة بوست» أن رفع أسعار الفائدة المفاجئ أمر سلبي بالنسبة للاستثمار، حيث العوائد على الاستثمار المباشر قد لا تجاري الفائدة على أدوات الدين، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التمويل الفجائية، والتي لم يسبق الترتيب لها، وحساب هوامش الربحية، آخذًا في الاعتبار تكاليف التمويل العالية، الأمر الذي سيؤثر سلبًا بالطبع على ربحية الشركات ومعدلات النمو الحقيقية.

Embed from Getty Images

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

وأضاف رئيس قسم البحوث بشركة فيصل لتداول الأوراق المالية: الليرة ستكون أقوى بلا شك في ظل أسعار فائدة مرتفعة، لكن هل هذا هو المطلوب للاستثمار؟ لا أعتقد، لكن في النهاية الأمر اضطراري لتهدئة معدلات التضخم، ولجذب استثمارات في أدوات الدين لسد العجز في الميزان التجاري؛ فهو أمر مفيد على المدى القصير، لكن لا يوجد جدوى من استمراره على المدى الطويل.

بالنسبة للتضخم، فقد أظهرت بيانات رسمية صادرة عن معهد الإحصاء التركي، في 3 سبتمبر الجاري، أن معدل التضخم في ارتفع إلى 17.9% على أساس سنوي في أغسطس الماضي، وهو أعلى مستوى في نحو 15 عامًا؛ فقد قفزت الأسعار بنسبة 2.3% مقارنة مع الشهر السابق عليه، لكن قرار المركزي من المنتظر أن يكبح جماح التضخم خلال الأشهر القادمة.

6- كيف ستتأثر الشركات التركية بهذا القرار؟

ربما تكون الشركات التركية التي تتراكم عليها كثير من الديون هي أهم المتأثرين سلبًا بقرار المركزي، فبحسب تقديرات جيه بي مورجان فإن أزمة الديون التركية الحالية هي أزمة قصيرة الأجل وتحتاج إلى حل سريع؛ إذ كشف البنك في تقرير حديث صدر في 29 أغسطس الماضي عن أن حجم الدين الخارجي التركي الذي يحل أجل استحقاقه في سنة حتى يوليو (تموز) 2019، وصل إلى 179 مليار دولار، أي ما يعادل نحو ربع الناتج الاقتصادي للبلاد.

وكشف التقرير عن أن معظم الديون، مستحقه على القطاع الخاص، وخاصة البنوك، بينما المستحق على الحكومة فقط 4.3 مليار دولار فقط، ومع رفع الفائدة ستتزايد الضغوط على الشركات التركية؛ وذلك بسبب القفزة الكبيرة في تكلفة الاقتراض، والتي تعد أكبر الأزمات التي تواجه البلاد حاليًا.

7- هل تنتهي حرب وكالات التصنيف مع تركيا بعد القرار؟

شهدت السنوات الماضية صراعات كبيرة بين تركيا ومؤسسات التصنيف الائتمانية، كان العنصر الأساسي في الصراع هو تدخل الحكومة في السياسة النقدية، لكن بعد القرار القوي من المركزي، فمن المفترض أن تتحسن نظرة وكالات التصنيف للوضع الاقتصادي التركي.

Embed from Getty Images

وكان برات ألبيرق، وزير المالية التركي، قد قال مؤخرًا: «إن وكالات التصنيف الائتماني الدولية تبذل جهودًا حثيثة لإيجاد رأي متشائم بشأن بنوك تركيا، وذلك في آخر حلقات مسلسل الصراع التركي مع هذه المؤسسات، والذي بدأ خلال السنوات القليلة الماضية؛ إذ سبق أن اتهم أردوغان وكالة (موديز) للتصنيف الائتماني في 29 سبتمبر 2016 أنها تعمل وفق دوافع سياسية، وذلك بعد أن خفضت الوكالة تصنيف تركيا إلى (عالي المخاطر)».

وفي 31 أغسطس الماضي وصف أردوغان وكالات التصنيف الائتماني بأنهم «دجالون ومبتزون»، كما حث الأتراك على عدم الاكتراث لتقييمات تلك الوكالات، ولكن ربما نشهد الفترة القادمة رؤية أكثر إيجابية بالنسبة لتركيا من جانب هذه المؤسسات.

8- مصر والأرجنتين.. هل ستتحرك الأسواق الناشئة لمجاراة تركيا؟

في جانب لا يمكن عدم الحديث عنه بعد رفع الفائدة التركية بهذه النسبة التي ربما تكون صادمة لكثير من الأسواق الناشئة، وعلى رأس هذه الأسواق كلٌّ من مصر والأرجنتين، إذ يؤكد محللون أن المركزي التركي بهذا القرار يضع البنوك المركزية في الدول الناشئة في موقف حرج، وقد يضطر العديد منهم لرفع الفائدة لمجاراة التنافسية على أدوات الدين التي تحتاج إليها هذه الدول.

وتعتمد برامج الإصلاح الاقتصادي في كلٍّ من مصر والأرجنتين على جذب الكثير من أدوات الدين لدعم استقرار العملة المحلية، ولكن مع قرار المركزي التركي ستكون الليرة أكثر جاذبية من الجنيه المصري والبيزو الأرجنتيني، أي أننا قد نشهد عزوف المستثمرين عن هذه الأسواق لتتجه إلى تركيا؛ مما يعني أن هذه الدول، خاصة البنك المركزي المصري، الذي سيعقد اجتماع لجنة السياسات النقدية نهاية الشهر الجاري، قد يتجه إلى رفع الفائدة لمواكبة التغيرات التركية، بعدما كانت التوقعات تشير إلى تثبيت سعر الفائدة.