«المناطق الآمنة التي أنشأناها في سوريا هي الأكثر سلامًا مقارنة ببقية المناطق في البلاد»، هذا ما قاله الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عام 2019، وذلك عقب عملية «نبع السلام» التي نفذتها تركيا شمال شرق سوريا، وسيطرت فيها على مساحات واسعة من ريفي الرقة والحسكة، ولكن ماذا يقول الواقع اليوم في هذه المناطق؟

شنت تركيا ثلاث عمليات عسكرية شمال سوريا، أطلق على الأولى عملية «درع الفرات» واستهدفت «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، أما الثانية فكانت «غصن الزيتون»، والأخيرة كانت «نبع السلام»، واستهدفت قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، والتي يمثل حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي عمودها الفقري.

هناك عملية رابعة شنتها تركيا ضد النظام السوري وأطلق عليها اسم «درع الربيع» في محافظة إدلب، هذه المنطقة لا تعد ضمن النفوذ التركي الكامل؛ إذ تقع ضمن نفوذ هيئة تحرير الشام المصنفة على قوائم «الإرهاب» الدولية.

وفي الواقع، تعد إدلب أكثر أمنًا من مناطق تركيا الثلاثة، فما السبب وراء ذلك؟ وما الصعوبات التي تمنع تركيا من ضبط مناطق نفوذها؟

نفوذ تركي.. ولكن

تخضع مناطق النفوذ التركية سابقة الذكر بشكل كامل لسيطرة أنقرة، ولا يمكن للجيش الوطني السوري أو أحد فصائله التفرد بها، بل لا يمكن للنظام السوري التعدي على هذه المناطق إلا بضربات استفزازية، مثل التي نفذتها روسيا وأدت لمقتل عدد من عناصر الجيش الوطني والمدنيين.

ومن المستبعد أن تنفذ أيٌّ من الدول التي تدخلت في الأزمة السورية، أمريكا وروسيا وإيران، أي هجوم واسع على هذه المناطق؛ إذ تتجنب هذه الدول بوضوح الدخول في حرب قد تضر بمصالحها التي تحاول تثبيتها، فلكل دولة خطها الأحمر في سوريا.

Embed from Getty Images

جنود أتراك على الحدود التركية السورية.

ومن ناحية أخرى، جاءت تركيا لهذه المناطق ولا يبدو أنها تنوي الرحيل قريبًا؛ إذ عملت على بناء المشافي والمدارس، وفتحت فيها فروعًا للبريد التركي «PTT»، وشجعت على التعامل بالليرة التركية، كما أن البضاعة التركية من المواد الغذائية والصناعية موجودة بكثرة في تلك المناطق، وقد شيدت مقرات وقواعد عسكرية، فيها آلاف الجنود، بالإضافة للعربات والمدرعات والدبابات والعتاد العسكري المختلف، والتي لا يمكن تحديد عددها بدقَّة لعدم وجود إحصاءات رسمية. وفي ضوء هذا الوجود القوي، لا يبدو أن تركيا تخطط للانسحاب من هذه المناطق قريبًا.

ورغم حضور الجيش التركي في هذه المناطق، فإنها تشهد توترات أمنية مستمرة، لا تقتصر على تفجيرات من «قسد» و«داعش»، بل سببها الاقتتال الفصائلي، وانتشار القتل والخطف والاغتيالات والسرقة، وأحيانًا الاعتداء على الحريات والاعتقال والتعذيب، وغالبًا ما تقف وراء هذه الأعمال فصائل تابعة للجيش الوطني السوري.

لم تحاول أنقرة تصحيح الوضع الأمني في مناطق نفوذها، ولا يبدو أنه من أولوياتها في هذه اللحظة، وقد تجد نفسها في وقت لاحق ملزمة بتنفيذ التزاماتها كونها المسؤولة والمسيطرة على هذه المناطق، ولكنها ربما تجد الوضع آنذاك معقدًا للغاية.

الجيش الوطني «الفصائلي» السوري

قد يخطر في بال القارئ أن «الجيش الوطني السوري» هو جيش موحد يخضع لقيادة واحدة فقط، ولكنه في الحقيقة مظلة تجمع عددًا من فصائل الجيش السوري الحر، وتوحدت تحت هذا المسمى شكليًّا فقط، ولكن ما تزال أسماء الفصائل هي المسيطرة على المشهد العام في المناطق المذكورة.

من المفترض أن يتبع الجيش الوطني السوري للحكومة السورية المؤقتة، ويكون وزير الدفاع فيها هو الذي يعطي الأوامر ويقود هذا الجيش، ويعمل على تطويره، ولكن الواقع مختلف. فالحكومة المؤقتة وجميع وزرائها موجودون في تركيا ومكاتبهم هناك، ويأتون لزيارة سوريا ولكن لا يعملون منها. ولكن النفوذ الحقيقي في أيدي قادة الفصائل.

Embed from Getty Images

عناصر من الشرطة العسكرية التابعة للجيش الوطني السوري في مدينة الباب بريف حلب.

هذا التوزيع الواسع للسلطة جعل الهوة كبيرة بين مكونات الجيش الوطني، واستفرد عدد منها بالسيطرة على مدن وبلدات ومقرات وحواجز، وأيضًا معابر، فذلك الفصيل فتح بين مناطقه ومناطق سيطرة الأسد أو قسد معبرًا تجاريًّا، وآخر سرق أراضي زراعية واستولى على عدد من المنازل في المنطقة التي تخضع لحكمه، وفصيل آخر اعتقل وعذب مخالفيه، وآخر استحوذ على ممتلكات المهجرين، وغيرها الكثير من المظالم، وتسعى بعض الفصائل لتوسيع دائرة سيطرتها بشنِّ هجمات على مواقع تتبع لفصائل أخرى.

وهكذا تحوَّلت هذه المناطق لساحة صراع بين الفصائل المنشغلة بالاقتتال بينها بدلًا من حماية المدنيين ومناطقهم من هجمات النظام أو هجمات «قسد» و«داعش»، ووسَّعت بعض الفصائل نفوذها للحد الذي قد يصعِّب على تركيا مهمة تطويعها أو التخلص منها.

تضييق على الحريات

لم يكن من السهل أخذ روايات عدد من النشطاء في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني السوري للحديث عن الوضع العام في تلك المناطق. حاولنا في «ساسة بوست» التواصل مع ثلاثة من النشطاء في المنطقة، وطلبوا عدم ذكر أسمائهم حفاظًا على سلامتهم، متخوفين من الملاحقة الأمنية.

اعتقلت فصائل الجيش الوطني عددًا من النشطاء والإعلاميين بسبب منشورات على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، تضمنت انتقادات للسياسات التي تنتهجها هذه الفصائل في المنطقة، وتعرض بعضهم للتعذيب، والإخفاء القسري، وللتهديد أيضًا بالاغتيال والقتل، حسب ما أكد لنا نشطاء تعرضوا «للتهديد المباشر».

Embed from Getty Images

جنود من عناصر الجيش الوطني السوري في مدينة رأس العين بريف الحسكة.

هذا التضييق على الحريات يذكِّر بممارسات النظام السوري من ملاحقة المعارضين واعتقالهم، وتعرضهم للتعذيب والقتل أو التهديد به.

«النموذج الجولاني».. لماذا لن تعيش مناطق النفوذ التركي بأمان؟

يُنظِّر عدد من النشطاء «للنموذج الجولاني»، نسبة لأبو محمود الجولاني، قائد هيئة تحرير الشام المسيطرة على إدلب، وأنه النموذج الأمثل لتصبح مناطق النفوذ التركي آمنة، فما هذا النموذج؟

قاد الجولاني جبهة النصرة، ثم جبهة فتحة الشام، وأخيرًا هيئة تحرير الشام، وفي مسيرته قاتل 30 فصيلًا إسلاميًّا وتابعًا للجيش الحر وتخلص منهم، وعمل على تقوية الجناح الأمني في هيئة تحرير الشام، وأصبح الجناح القوة الضاربة لمنع العمليات التفجيرية ووقف الاغتيالات، لتصبح إدلب آمنةً مقارنةً بمناطق النفوذ التركي.

عربي

منذ 8 شهور
من الحاكم الفعلي لإدلب الآن.. «هيئة تحرير الشام» أم تركيا؟

يعتقد بعض النشطاء الذين تواصلنا معهم أن فكرة توحيد القيادة العسكرية هي الحل الأمثل لتنفيذه في مناطق النفوذ التركي، لتنسِّق مع الأتراك مثلما تفعل الهيئة في إدلب، ولكن الواقع في هذه المناطق بعيد تمامًا حتى اللحظة.

موقف تركيا ليس واحدًا من كل الفصائل، خاصةً التي رفضت إرسال مقاتلين إلى ليبيا وأذربيجان، أو التي صوَّر عناصرها مقاطع يمثِّلون فيها بجثث مقاتلين تابعين لـ«قسد»، وأخرى نفذت سرقات وعمليات قتل وتعذيب، ولكن تركيا تتعامل معها حصرًا وفق مصالحها وأولوياتها المتمثلة بمحاربة «قسد».

ولكن العقبة الحقيقية أمام تنفيذ هذا الحل تكمن في وجود فصائل قوية ومتجذرة، ولها نفوذ في العديد من المدن والبلدات، ومواجهتها قد تكون مكلفة.

لا حل واحد سحري وسهل للوضع الأمني في مناطق النفوذ التركي، فهل سنشهد تصاعدًا في حالات الاقتتال الداخلي؟ أم ستسعى تركيا بسياسة موحَّدة في الفترة القادمة؟

المصادر

تحميل المزيد