غيّرت التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط وِجهة الرياح بما تشتهي المصالح السياسية لدول الإقليمية، وأنتجت هذه التطورات تغيرات كانت مستبعدة في وقت سابق، وأبرزها التقارب الإيراني – التركي الذي تشهد المنطقة تفاصيله مؤخرًا.

الأزمة الخليجية وتخوفات إسرائيلية، وقضايا أخري تُطرق عند الحديث عن هذا التقارب، الذي توجه في 16 أغسطس (آب) الحالي زيارة رئيس أركان الجيش الإيراني «محمد باقري» لأنقرة لأول مرة منذ الثورة الإيرانية، ليظهر بوضوح خلال هذه الزيارة قدر التنسيق العسكري والأمني المتوجه بشراكات اقتصادية كبيرة بين الدولتين.

العلاقة بين تركيا وإيران.. من التنافس للتقارب

على الرغم من العلاقات الاقتصادية القوية التي تربط بينهما، اشتهرت العلاقة بين تركيا وإيران بالتنافسية التي يضج مضاجعها العديد من الملفات بين الدولتين الإقليميتين الكبيرتين، ويعد الملف الأكثر تأثيرًا في هذه العلاقة، هو ملف سوريا والعراق، إذ خُلق تناقض واضح في الرؤى والمصالح والمواقف، ففي سوريا دعمت إيران النظام السوري بكل قوتها بينما اختارت تركيا دعم المعارضة السورية بكل قوتها أيضًا.

الرئيسين التركي والإيراني

في العام الأخير، سجلت أزمة دبلوماسية بين تركيا وإيران، وإن كان هدفها الظاهر هو تصريحات أدلى بها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ووزير خارجيته، مولود جاويش أوغلو، تتحدث عن سعي إيران لـ«التوسع الفارسي، ونشر التشيّع في سوريا والعراق، وتقويض سلامة دول خليجية»، إلا أنّ عوامل عدة طرأت على المشهد الإقليمي هي من تسببت في تأزم العلاقة بين الطرفين، منها وصول الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» إلى سدة الحكم وإعلانه التخوف كأنقرة من «التغول الإيراني» في المنطقة.

كما لعب التقارب التركي الخليجي في هذه الفترة دورًا في تأزُّم العلاقات، فصعود الملك السعودي «سلمان بن عبد العزيز» لسدة الحكم، خلق تيارًا داخل الأسرة الحاكمة في السعودية لا يعارض التقارب مع تركيا في محاولة للسير على نهج التوافق الضروري والمرحلي خاصة في ملف الأزمتين السورية واليمنية ، كما شهدت العلاقات التركية القطرية تجانس وتناغم في رؤية القضايا الإقليمية، حيال العديد من الأزمات والقضايا التي تشهدها المنطقة.

كما أدَّي تنامي التنافس بين إيران وتركيا لكسب ود روسيا دوره في العلاقة بين الطرفين، إذا أعلنت إيران بوضوح تخوفها من هيمنة موسكو وأنقرة على المشهد الأمني في سوريا، وكانت عمليات «درع الفرات» التي تقوم بها القوات التركية في الشمال السوري، المحطة الأبرز في التخوفات الإيرانية، ولذلك حاولت إيران أكثر من مرة إفشال مساعي تركيا وروسيا في اجتماعات أستانة، وخرقت اتفاقيات وقف إطلاق النار التي كانت تبرم.

قبل عدة أيام، سجّلت زيارة رئيس أركان الجيش الإيراني «محمد باقري» إلى تركيا محطة مهمة في علاقة التقارب بين الطرفين، فهي الأولى من نوعها بعد ثورة 1979 التي يقوم بها مسؤول عسكري إيراني بهذا المستوى إلى أنقرة، ليتضح فيها قدر كبير من التنسيق الأمني والعسكري بين الدولتين، خاصة إزاء الملفين الكردي والسوري.

لقد أصبحت تركيا معنية بالانضمام إلى القوة الإقليمية الجديدة التي تضمُّ الصين وروسيا وإيران، فقد أدركت أن توافقها مع إيران بخصوص ملفات سوريا والعراق وقطر يخلق حالة اصطفاف إقليمية جديدة في المنطقة، تعود على مصالحها بالفائدة، لذلك أصبح التقارب التركي الإيراني، تقارب ازداد مع الوقت «بفضل التهديد المشترك من حزب العمال الكردستاني والتعاون التكتيكي بينهما مع روسيا في المفاوضات السورية في أستانا بكازاخستان»، كما جاء في تحليل لمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية.

«الأكراد».. كلمة السر في التقارب التركي الإيراني

ينظر كل من تركيا وإيران لقضية الأكراد في كلٍّ من سوريا والعراق بحساسية شديدة، تركيا بموقفها الواضح والمعلن دائمًا ترفض تأسيس أي كيان سياسي يحكمه حزب الاتحاد الديمقراطي وأذرعه العسكرية في سوريا، وإيران بالطبع تجمعها المخاوف المشتركة مع تركيا.

متظاهرون أكراد

ترفض كل من إيران وتركيا الاستفتاء المقرر في إقليم كردستان العراق، بل يتجاوز هذا الرفض إلى حد التهديد بعمل مشترك بينهما للتصدي لاستقلال أي كيان كردي، فالدولتان تتوقعان أن يفضي استقلال الإقليم لحث أكراد البلدين على المضي في طريق الاستقلال عن الدولة الأم.

يقول مدير مركز (بيسان) للدارسات العربية والإيرانية، محمد المذحجي أن التقارب الإيراني التركي يدفعه خطر الأكراد الداهم على الأمن القومي للبلدين، ويوضح: «تركيبة إيران السكانية متنوعة قوميًا، والفرس الذين يحكمون البلاد لا يشكلون إلا 30% من إجمالي سكان إيران، وأي تأجيج للملف الكردي في العراق أو سوريا، سيصعِّد من وتيرة مطالب الشعوب والقوميات غير الفارسية في إيران، ومن جانب آخر، يتواجد في تركيا نسبة كبيرة من الأكراد الذين يطالبون بحقوق سياسية وبعضهم يطالبون بالانفصال عن تركيا»، ويؤكد «المذحجي» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» على أنّ: «أنقرة وطهران تحاول إنشاء محور للحفاظ على مصالحها وحوزات نفوذها مقابل المحور المصري السعودي الإماراتي الصاعد في الإقليم وينبغي ألا ننسى المنافسة والصراع بين القوى العظمى للسيطرة على الشرق الأوسط».

الأزمة الخليجية تحقق تقاربًا أكثر بين المحور التركي الإيراني

قادت التطورات الإقليمية في الأعوام الثلاثة الأخيرة، تركيا للوقوف ضد ما تريده غالبية الدول الخليجية، فأحدث ذلك توترًا سياسيًا انعكس سلبًا على العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية لتركيا مع معظم دول الخليج. لكن المستجدات في العام الأخير في سوريا واليمن والعراق، استدعت مزيدًا من التعاون بين تركيا وهذه الدول خاصة المملكة العربية السعودية، بعد صعود الملك «سلمان» كما أسلفنا، لتأتي الأزمة الخليجية وتفضي إلى واقع مغاير، فتركيا التي لم تنتظر طويلًا تدخلت في النزاع الدائر بين دول الخليج، بداية باعتبارها وسيطًا لحل الأزمة ورفض العقوبات على قطر، وليس انتهاء بالاصطفاف إلى جانب قطر بعد بقاء أبواب الأزمة مفتوحة على مصراعيها.

فثمة قواسم مشتركة تجمع تركيا وقطر خاصة في الملف السوري، وتدفع تركيا لتجنح نحو قطر من أجل مواجهة الحلف الخليجي ضدها، أما فيما يتعلق بالتقارب الإيراني القطري، فسرعان ما انتهزت إيران الأزمة الخليجية لإحداث تعاون أكبر في الطاقة والعمليات العسكرية وتجارة المواد الغذائية مع قطر، وفي سبيل مواجهة حظر الأجواء أمام الطائرات القطرية، فتحت إيران مجالها الجوي أمام قطر، ليجتمع هذه العلاقات بين تركيا وقطر وإيران ضد محور المملكة العربية السعودية.

الملك السعودي والرئيس التركي

في المحصلة، تدرك دول الخليج خطورة جعل تركيا حليفًا مقربًا من إيران، ودفعها لتصبح تركيا في خط المصلحة القومية البعيد عن الهوى السعودي، وهناك توقع في حال استمرت الأزمة الخليجية على حالها بحدوث تقارب أكثر بين المحور التركي القطري والإسلام السياسي السني والمحور الإيراني في المنطقة، لتمثل إقامة علاقة أكثر دفئًا بين الدوحة وأنقرة وطهران خروجًا عن القول المعتاد بأن الشرق الأوسط مقسّم بين تحالف سني يقوده السنة في الرياض وتحالف آخر للشيعة تقوده إيران، ويدعم هذا التحالف حرص الصين على أن تكون أكثر انخراطًا في الشرق الأوسط، فتركيا وإيران، من وجهة النظر الصينية تلعب دورًا رياديًا في خطة شي جين بينغ المسماة «حزام واحد.. طريق واحد» التي تتوخى إقامة شبكة جديدة من البني التحتية والنقل تربط الصين بأوروبا وبمناطق واقعة بينهما.

يقول الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية بجامعة قادر هاس في إسطنبول «أحمد قاسم هان» لموقع «ميدل إيست آي»: «من المحتمل أن تتخذ أنقرة هذا الطريق لأنَّها تشعر بأنَّها محاصرةٌ إقليميًّا بسبب التطورات الأخيرة في الخليج والمنطقة بما في ذلك الدعم الأمريكي لوحدات حماية الشعب الكردية في سوريا وفقدان النفوذ التركي في الموصل وأماكن أخرى في العراق».

إسرائيل.. التقارب التركي الإيراني خطرٌ كبير

«إسرائيل ترى في هذه الزيارة تطورًا غير جيد ومثيرًا للإزعاج، فإيران تحاول تقوية تأثيرها في المنطقة، وتبذل جهودًا لفتح ممر بري يربطها بالعراق وسوريا، وانتهاء بحزب الله في لبنان»، هكذا عقب المدير العام السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية «دوري غولد» على الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس أركان الجيش الإيراني، محمد باقري إلى تركيا.

سيدة تركية ترفع لافتة تضامن مع القدس

لقد ظهر القلق الإسرائيلي بوضوح إثر هذه الزيارة، وحدد بالخوف من تعميق العلاقات العسكرية بين إيران وتركيا بعد تتابع الشراكات الاقتصادية الضخمة، والتي ستغري من وجهة النظر الإسرائيلية الأتراك والروس بالمضي قدماً نحو الاندفاع صوب إيران، الأمر الذي يعزز من تأثير طهران في البيئة الإقليمية، خاصة أن إسرائيل تنظر بعين الريبة إلى النفوذ الإيراني المتنامي، والذي قد يكون عجّل من اتفاقية القاعدة العسكرية التركية في قطر، فكلا من قطر وتركيا أبقيتا على الحوار مع طهران، وقد وصل الأمر لدي المدير العام لـ«مركز يروشليم لدراسة الجمهور والدولة»، دوري غولد، باعتبار العلاقات بين تركيا وإيران قد يتمخض عنها «تدشين ممر بري يربط إيران بكل من العراق وسورية ولبنان، بشكل يفضي إلى إحداث تحوّل سلبي على بيئة إسرائيل الإقليمية»، حسب ما نقلت صحيفة «ميكور ريشون» العبرية.

يقول الكاتب في موقع «إن آر جي»، أريئيل كهانا، أنّ: «تركيا وإيران وهما قوتان عسكريتان كبيرتان في المنطقة، انضمتا مؤخرًا إلى قوة عسكرية أكبر منهما ممثلة في روسيا عبر طريق صفقة نفط وغاز طبيعي، فتحسن علاقات طهران وأنقرة يزيد القلق الناتج عن تشكيل هلال شيعي في الشرق الأوسط»، أما الكاتب الإسرائيلي «آساف غيبور» في ذات الموقع فيقول : «أنه رغم أن الثورة التي شهدتها سوريا في السنوات الست الماضية أدت إلى توتر علاقات تركيا وإيران لأن الأولى دعمت الثورة السورية والثاني دعمت النظام، لكن البلدين يعودان حاليًا لتعزيز علاقاتهما».

المصادر

تحميل المزيد