بينما يعلن وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو في أبريل الماضي أنَّ العلاقات بين تركيا وإسرائيل ستشهد تطبيعًا إيجابيًا قريبًا دون أن يحدد زمنًا، بشروطٍ ثلاثة تضعها تركيا، أحدها رفع الحصار عن قطاع غزة، جاءت العملية العسكرية على غزة في يوليو السابق بما لم يكن في الحسبان، والعلاقات التي كانت ستعود تدريجيًا يبدو أنها ستواجه صعوبات أكبر بعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، صعوبات لن يترتب عليها بالطبع ـ حسب محللين ـ قطع كامل للعلاقات القوية بين البلدين.

رجب طيب أردوغان ينتقد إسرائيل وينسحب من منتدي دافوس 2009 وكانت هذه بداية التوترات في العلاقات بين البلدين

فيما يلي نتعرض للعلاقات الثنائية المتبادلة بين البلدين، ونرصد مستقبلها. وبالطبع يجب التفريق بين تركيا ما قبل حزب العدالة والتنمية وما بعد وصول الحزب للحكم حيث تغيرت ملامح السياسة الخارجية كثيرًا.

إطلالة على تاريخ العلاقات

بينما كانت إسرائيل تستحث خطاها بين الدول العربية التي صارت عدوتها لأول وهلة، كانت تركيا هي الحليف الأول لإسرائيل حيث تم الاعتراف الرسمي بالكيان الإسرائيلي عام 1949 من قبل تركيا، فكانت تركيا أول دولة إسلامية تعترف بها قبل اعتراف شاه إيران بها (تم سحب هذا الاعتراف فور نجاح الثورة الإسلامية 1979).

استمرت العلاقات قوية بين البلدين، لتكتمل بعلاقات اقتصادية ودبلوماسية وحتى شراكة عسكرية ومخابراتية، تأثرت بعد وصول العدالة والتنمية للحكم بالتأكيد لكنها لم تنتهِ بل شهدت أحيانًا أوقات قوة.

علاقات اقتصادية قوية

بلغت الصادرات التركية إلى إسرائيل عام 2008 حوالي 1,53 مليار دولار. بينما يتواجد حوالي 250 شركة إسرائيلية تعمل في الأراضي التركية، كما أن هناك أكثر من 580 شركة تركية داخل إسرائيل.

في العام 2000 وقع البلدان اتفاقية التجارة الحرة التركية ـ الإسرائيلية وكانت الاتفاقية الأولى التي توقعها إسرائيل مع بلد ذي أكثرية مسلمة. وتبلغ الصادرات الإسرائيلية السنوية إلى تركيا ـ حسب احصاءات ـ 1,5 مليار دولار، والواردات منها مليار دولار.

حسب تقرير مركز الإحصاء في تركيا للتجارة الخارجية التركية لعام 2014 كانت التجارة بين تركيا وإسرائيل في الأشهر الستة الأولى مقارنة بالأشهر الستة الأولى لعام 2013 تشهد تزايدًا بنسبة 24.9 %. فقد وصل مقدار الصادرات إلى إسرائيل 265 مليون دولار، كما أن مجموع حجم التجارة بين البلدين وصل إلى مليار و617 مليون دولار وهذا يعني أن حكومة العدالة تستورد من إسرائيل ستة أضعاف ما تصدر لها.

علاقات عسكرية واستخباراتية

تمتد العلاقات الاستخباراتية والأمنية بين البلدين إلى زمن بعيد، حسب كتاب “حروب إسرائيل السرية” فإن الموساد كان يعمل من الأراضي التركية للتسلل إلى المناطق العراقية الكردية من أجل تغذية الشعور الكردي الاستقلالي لتأليب الأكراد على عراق صدام حسين. وذلك بهدف إشغال الجيش العراقي في عمليات عسكرية داخلية لمنعه من المشاركة في إنشاء جبهة شرقية بالاشتراك مع سوريا والأردن.

“عندما قامت تركيا بغزو قبرص عام 1978 ونفذت عقوبات أمريكية ـ أوروبية على تركيا كانت إسرائيل هي المنقذ الوحيد للدولة التركية بقيامها بتحديث الجيش التركي”

أثناء تدريبات مشتركة بين البلدين عام 2009

في العام 2008 بلغت مشتريات تركيا من إسرائيل في مجال التسليح والتحديث والصيانة أكثر من 1,07مليار دولار لتصبح إسرائيل بذلك أكبر شريك عسكري ومورد أسلحة إلى الدولة التركية.

“بالتعاون مع الموساد استطاعت تركيا القبض على زعيم حزب العمال الكردستاني في تركيا عبدالله أوجلان، في كينيا عام 1999”

يعود آخر تعاون عسكري بين البلدين إلى العام الماضي حيث زودت شركة إسرائيلية تركيا بمعدات عسكرية، منها أجهزة إلكترونية بقيمة 100مليون دولار لأربع طائرات تركية مزودة بنظام الإنذار والمراقبة.

قادة بحرية الدول الثلاث (تركيا، إسرائيل، أمريكا)

مستقبل العلاقات التركية الإسرائيلية

من المعلوم أن رئيس الوزراء التركي اتخذ عدة مواقف مناهضة للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، مؤخرًا أعلنت تركيا وقطر عن مبادرتهما لوقف الاعتداء الإسرائيلي على قطاع غزة. بالطبع تتأثر العلاقات بين تركيا وإسرائيل بموقف تركيا المناهض لإسرائيل تجاه سياساتها مع قطاع غزة لكنَّ هذه العلاقات تتجاذبها آراء المحللين السياسسين من حيث استمراريتها أو تأثرها السلبي أو حتى إنهائها تمامًا.

حسب بعض المحللين فإن الجرح الحادث في العلاقات بين البلدين لن يندمل مستقبلاً، خصوصًا بعد توجه أردوغان بسياسته الخارجية نحو البلاد العربية وقيام علاقات قوية مع بعضها، كذلك علاقته القوية مع إيران، إضافة إلى نقطة لا يجوز إغفالها حيث تبنت إسرائيل موقفًا محافظًا بعد وصول أردوغان الحكم بسبب خلفيته الإسلامية التي عمل بها في شبابه، وهو موقف لا زال محط النظر من قبل إسرائيل.

رئيس الوراء التركي رجب طيب أردوغان  

تحليلات أخرى تؤكد أن العلاقات بين البلدين لا زالت قوية كما هي، بل إنها زادت خلال العشر سنوات التي حكم فيها أردوغان عن غيرها من فترات العلاقات بين البلدين. وبالنسبة للخلاف السياسي والتصريحات الهجومية أحيانًا من قبل مسؤولي الدولتين فإنها ليست سوى خلافات سياسية ظاهرية لن تنفد إلى العلاقات الاقتصادية والعسكرية المتينة جدًا.

مهما كان من آراء المحللين والمعلقين السياسيين، فإن المؤكد أن تركيا تتخذ موقفًا مناهضًا لإسرائيل يترجم في مواقف تبدو جزئية، كحرمان إسرائيل من بعض المناورات العسكرية في الأناضول أو سحب السفير، ومن المؤكد أيضًا أن العلاقات الاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية بين البلدين لا زالت قوية بل ومن الممكن وصفها بالـ”تحالف” كما صرح وزير الدفاع التركي العام الماضي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد