«أيّها العسكر؛ التحقت بالجيش لستة أعوام، وكنت شاهدًا على انقلاب الثاني عشر من أيلول (1980)، لا تجعلوني أعيش ذات الذكريات المؤلمة مرة أخرى».

هذا ما قاله مواطن تركي، رأسه مشتعلٌ بالشيب، ينادي بشجن وألمٍ، لحظة إفشال الشعب انقلاب 15 يوليو (تموز) عام 2016 في تركيا. فلقد عاش الشعب التركي مسيرة عناءٍ مع العسكر، وتاريخًا مليئًا بالانقلابات العسكرية، المباشرة منها، والناعمة، فالجيش التركي كان وما زال يعتقد أنّه حامِ لقيم «الكماليّة»، والوصي على «علمانيّة» الدولة. وشهدت تركيا أربعة انقلابات عسكرية رئيسة، أشدّها كان انقلاب 1980، إذ كانت تركيا تشهد حالة استقطاب مجتمعي كبير، ورغم أنّ أحد إيجابيات تدخل الجيش حينها تقلص العمليات الإرهابية بنسبة 90%، إلّا أنّها جاءت على حساب الناس والمجتمع والحياة السياسية.

بحسب الكاتب سامويل فاينر صاحب كتاب «الرجل الذي على صهوة الخيل»؛ فإنّ هنالك أربع مستويات للتدخل العسكري في الحياة المدنية، الأول: مستوى التأثير؛ أيّ محاولة العسكريين إقناع السلطة المدنية بإحداث تغييرات ما وهو المستوى الذي يوافق دستور البلاد ويعتبر شرعيًا. أما ثاني مستوى: فهو الضغط؛ ويسعى العسكريين بواسطته إقناع السلطة المدنية من خلال التهديد بالعقوبة. وثالثًا: الإزاحة؛ وهي استبدال حكومة مدنية بأخرى عن طريق العنف، وأخيرًا: الإلحاق؛ وهي إزاحة الحكومة المدنية والسيطرة العسكرية الكاملة على المؤسسات المدنية والسياسية.

نسرد لكم في هذا التقرير القصة الكاملة في تركيا، بأهم المحطات الرئيسة فيها، كيف كان، وبأي مبررات كان الجيش التركي يتدخل في المؤسسات المدنية، وكيف استطاعت القوى المدنية تقليص تدخل الجيش ونقلهم من حماة للقيم الكمالية، إلى حماة لحدود الدولة.

العثمانيون يشقّون مسيرة التحديث.. وأتاتورك يلتقط الثمار

عاشت الدولة العثمانية في بداية القرن 17 هزائم عسكرية كثيرة تحت قيادة الجيش الانكشاري، وكشفت هذه الهزائم عن خلل في مؤسسات الدولة. ومع بداية القرن الثامن عشر؛ بدأت عملية التحديث لمؤسسات الدولة العثمانية، وبشكل أساسي مؤسسة الجيش، هياكله، وأدائه، وأشكال تدريبه، وتحديثه على الأنماط الغربية. واعتمد العثمانيون بشكل كبير على النماذج الفرنسية والألمانية. وفي عام 1754؛ استدعى السلطان عبد الحميد الأول، الخبير الفرنسي؛ الكونت دي بونيفال، لطلب الاستشارة في هيكلة الجيش وكيفية إعادة بنائه.

في عام 1789 أسس السلطان سليم الثالث جيشًا أسماه: فرقة النظام الجديد، والذي كان تأسيسه موازيًا للجيش الإنكشاري التقليدي، الذي كان له نفوذٌ كبير في المؤسسات التعليمية والإدارية. وقلّص سليم الثالث دور الإنشكاريين إلى الأدوار عسكرية فقط، وجعل فرقة النظام الجديد تحت سلطته الكاملة، وفرض عليهم النمط الأوروبي الكامل، من التدريبات إلى اللباس العسكري.

خلق التحديث طبقة اجتماعية من الجيش الحديث تحت ما يسميه الدكتور طارق عبد الجليل «الضابط المثقف»، والتي جعلت الجيش يضع السياسة في دائرة اهتمامه. ونشأت جماعة تنظر إلى الغرب وأنماطه العسكرية والسياسية بإعجاب، وكانت إحدى الجمعيات التي تشكلت حينها مجموعة «الاتحاد والترقي»، التي اتخذت لاحقًا موقفًا معارضًا من السلطان عبد الحميد الثاني، وانقلبت عليّه عام 1908، وأعادت العمل بالدستور.

بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية قاد الضابط حينها مصطفى كمال أتاتورك «حركة المقاومة الوطنية» عام 1920، واستطاع تحرير كلٍ من الأناضول وإسطنبول. وخلال معركة التحرير، ومع صعود سمعة أتاتورك باعتباره بطلًا قوميًا، أسس أتاتورك المجلس الوطني العظيم في أنقرة، نظامًا موازيًا لنظام الخليفة العثماني، وعمل أتاتورك على إنشاء جيش مركزي وقويّ، واستطاع إلغاء نظام «السلطنة»، وحولها إلى نظام جمهوري.

أتاتورك وبعض الجنرالات يتفقدون الجيش في حرب التحرير ضد اليونان

تولى أتاتورك رئاسة الجمهورية وقيادة القوات المسلحة، وكان صديقه المخلص، عصمت غينونو، رئيسًا للوزراء، والمشير فوزي جاقمق، رئيسًا لقيادة الأركان العسكرية. واستطاع أتاتورك عام 1923 الفصل بين الجهازين: التشريعي والتنفيذي، بعدما بدأ أتاتورك يلحظ وجود جهات معارضة لسياساته داخل الجيش، فأصدر مجلس النواب في 19 ديسمبر (كانون الأول) 1923 قانونًا بمنع العسكريين من الترشح في الانتخابات المدنية، ليستقيل أصدقاء أتاتورك من «حزب النواب» ويعودوا إلى منصابهم العسكرية، بينما قرر القادة «المعارضون» لأتاتورك الاستقالة من مناصبهم العسكرية والانخراط في السياسة، وأنشأوا حزبًا تحت اسم «حزب الترقي الجمهوري»، الذي أغلق بعد عام من قبل القضاة العسكريين، واتهموا بمعاداة الدولة، وبهذا أصبح الجيش كاملًا تحت سلطة أتاتورك، وهو في منصب رئاسة الجمهورية.

تشكل عام 1933 مجلس يسمى «مجلس الدفاع الأعلى»؛ وترأسه رئيس الوزراء، ورئيس الأركان، وأعضاء مجلس الوزراء، وكان لرئيس الجمهورية الحق في رئاسته متى شاء، وكان مهمة هذا المجلس التنسيق بين السلطة العسكرية والمدنية. ثم أٌصدر عام 1935، قانونًا مفاده أنّ «وظيفة الجيش هي حماية وصون الوطن التركي والجمهورية التركية المعيّنة في الدستور».

حينها أصبحت هيئة الأركان العامة تحت سيطرة أتاتورك الكاملة، وبالتالي العقل السياسي للدولة، داخليًا وخارجيًا؛ وقُلّص دور وزارة الدفاع لتكون أحد التفرعات للأركان العامة، وفيما بعد أصبح وزير الدفاع مسؤولًا عن ميزانية الجيش أمام مجلس النواب، وكانت رئاسة الأركان العامة تعد الموازنة، ويوافق عليها من قبل مجلس النواب بشكل مباشر، ولا تخضع للرقابة البرلمانية. وفي عام 1937 أضيفت الدعائم الستة للفكر الكمالي للدستور، وهم كالتالي: الجمهورية، والشعبوية، والقومية، والدولتيّة، والعلمانية، والثورية.

كان دستور عام 1924 ديمقراطي بمعنى الأغلبية، وليس التعددية الحزبية، فرأي الأغلبية هُنا يُمثّل رأي الأمة التركية، وهو صوتٌ كلي، ولا يمكن تجزئته إلى أحزاب متعددة. ويمثل هذا الرأي السلطة التشريعية، فأيّ شيء يحد من صلاحيات السلطة التشريعية يعتبر تعديًا على الديمقراطية وسيادة الدولة، وبالتالي تعديًا على القيم الكماليّة.

Embed from Getty Images

امرأة تركية تشارك في انتخابات البلدية عام 1930

سنوات الانقلابات ومعاناة الشعب التركي تبدأ

بعد تأسيس الجيش التركي الحامي للقيم الكمالية، بدأ التدخل الحقيقي للجيش في الحياة المدنية، ففي كل انقلاب كان العسكريون يشرِّعون ويقومون بتعديلاتٍ دستورية، ما يزيد من سيطرتهم على المؤسسات المدنية أكثر فأكثر. وكانت للحرب العالمية الثانية أثرها الخاص على تركيا رغم عدم مشاركتها، فقد عانت من تبعاتها الاقتصادية التي زادت فيها نسبة التضخم في السوق التركي بشكل كبير؛ مما اضطرها للتعاون مع الولايات المتحدة والأمم المتحدة للحصول على المساعدات الاقتصادية، وكعادة الولايات المتحدة، لا يمكن الحصول على المساعدات دون شروطٍ مسبقة، وفي هذه الحال كان «الناتو» والديمقراطية الليبرالية.

بعدها بدأت فكرة التعددية الحزبية تأخذ حيزًا من النقاش السياسي، فأنشئ «الحزب الديمقراطي» عام 1946 من قبل أربعة أشخاص كانوا منتمين لـ«الحزب الجمهوري» والمنتقدين لبعض سياساته، منهم جلال بيّار وعدنان مندريس، واستطاعوا الفوز بأغلبية ساحقة عام 1950، ليصبح بيار رئيسًا للجمهورية، ومندريس رئيسًا للوزراء، وبدأوا بتخفيف الضغط على المتدينين وإعطاء مساحة حرية للشعب.

وبدأ مندريس من خلال خطاباته الاستعانة بالشعب في مواجهة العسكر؛ إذ كان يؤكد على أنّ الحارس الحقيقي لتركيا هو الشعب التركي، وذلك من خلال «صناديق الاقتراع». لكنّ مندريس لم يفلح في سعيه، ليبدأ انقلاب يوم 27 مايو (أيار) عام 1960 بقيادة الجنرال جمال جورسيل، معتقلًا قيادات «الحزب الديمقراطي» والحكم عليهم بالسجن المؤبد، إلّا مندريس؛ كان مصيره الإعدام شنقًا.

محاكمة عدنان مندريس يوم 21 أكتوبر 1960

عزز الدستور الذي كُتّب بعد انقلاب عام 1960 ـ والذي كتبته «لجنة الوحدة الوطنية» وكان أعضاؤها من اختيار المؤسسة العسكرية بالطبع ـ من قدرة العسكر على التدخُّل في الحياة المدنية،  وأهم ما جاء فيه هو أنّ يتم اختيار 10 أفراد من مجلس النواب من قبل رئيس الجمهورية (جمال جورسيل آنذاك)، وتختار لجنة الوحدة الوطنية 18 عضوًا، بما فيهم أعضاء مجلس الوزراء. وأنشأ مجلس الأمن القومي في دستور عام 1961 هيئة استشارية مكونة من قادة القوات المسلحة وبعض الوزراء، الذي أعطى المجلس شرعية لوضع سياسات الأمن القومي التركي. ويمكن القول إن انقلاب 1960 كان أول انقلاب عسكريّ مباشر، فتح إمكانيات لانقلابات عدة بعده.

بعد انتشار الفكر الشيوعي في العالم، استطاع الشيوعيون الأتراك البروز في الساحة السياسية التركية، وخصوصًا الجامعات، وكان المبدأ «الثوري» للفكر الكمالي شعلة حركية للطبقة المتعلمة التي كانت تعتقد أنّه يجب عليها قيادة الثورة من الأسفل، أيّ من المجتمع.

وفي هذه الفترة خرج نجم الدين أربكان بـ«حزب النظام الوطني»، الذي كان له قبول في الأرياف وبين الفلاحين؛ ونتج عن هذا التنوع السياسي جدال وحوار فكري، وبدأت تنشأ النوادي الطلابية للمناظرات، وخصوصًا في «جامعة أنقرة». ونتج عن هذه الحالة بعض أحداث العنف. وفي عام 1969 صعد سليمان دميرال بـ«حزب العدالة» ليصبح رئيسًا للوزراء، والذي أغاظ بذلك مجموعة من ضباط الجيش، وكانت تركيا تعيش حالة اقتصادية صعبة، بالإضافة إلى حالة استقطاب كبير في المجتمع.

حينها؛ فرض دميرال ضرائب جديدة ليشعل غضب الناس؛ ما أدى إلى احتقانٍ بينه وبين الجيش. ليقدم الجيش يوم 12 مارس (آذار) عام 1971 مذكرة انقلابية، أجبرت «حزب العدالة» على التنحي، وتشكلت حكومة تكنوقراطية (فوق حزبية) تحت رئاسة نهاد إريم، السياسي الذي استقال من «الحزب الجمهوري» حينها. وتطور مجلس الأمن القومي بعدها ليبدأ بعدها بتقديم الاستشارات للحكومة المنتخبة فيما يخص السياسات الخارجية والداخلية.

العسكريون يقرؤون نفس الكتاب.. 4 تجارب للجيوش مع الثورة والسلطة

«الجمهورية الثالثة».. ما بعد انقلاب 1980

توسعت حالة الاستقطاب في المجتمع التركي، وخلقت هذه الحالة دولة غير مستقرة، اقتصاديًا وسياسيًا، وانتشرت العمليات «الإرهابية» من قبل اليسار واليمين، وخرج إلى الساحة الصراع السني العلوي، والتركي الكردي. وكان الـ«بي كي كي» أو «حزب العمال الكردستاني» الخطر الأمني الأكبر، وحدثت ثلاث مجازر، مجزرة «تقسيم» التي راح ضحيتها 34 شخصًا، ومجزرة «ميراش» قُتل فيها 105، والأخيرة كانت مذبحة «شوروم» (Çorum massacre) التي مات فيها 58 شخصًا.

كل هذه الأوضاع أفزعت المؤسسة العسكرية، فأرسلت تهديدات للحكومة لإيجاد حل قبل أن تضطر للتدخل، ولم تنجح الحكومة الائتلافية في تهدئة الأوضاع المحلية، وذلك بسبب انشغالهم بالصراع الداخلي، فكان بولنت أجاويد يحاول رئاسة «الحزب الجمهوري»، بينما كان سليمان ديميريلي يحاول أن يصبح الرجل الأول في حزبه الديمقراطي.

في يوم 12 سبتمبر (أيلول) 1980 قام الجيش بانقلاب عسكري يعتبر الأعنف في تاريخ تركيا الحديثة. وقام بحلّ الأحزاب السياسية بما في ذلك البرلمان، واعتقل قادة الأحزاب السياسية اليمينية واليسارية، وأعلن حالة الطوارئ. وكان مجلس الأمن القومي هو من أعلن نبأ الانقلاب، وعُيّن رئيس المجلس الجنرال كنعان إيفرين رئيسًا للجمهورية، وكان المجلس يضم أعضاءً عسكريين فقط. وخلال عام من الانقلاب بلغ عدد المعتقلين في السجون 122 ألف و660 معتقلًا.

بعد حل البرلمان وترأس إيفرين، سمح الجيش بتشكل أحزاب سياسية جديدة، بشرط موافقة مجلس الأمن القومي عليهم، وقاد المجلس في هذه الفترة الانتقالية التي استمرت لمدة ثلاث سنوات السلطات التشريعية والقانونية، ومنع الساسة القدماء من العمل السياسي لمدة 10 سنوات.

قوات الجيش في العاصمة التركية أنقرة أثناء انقلاب 1980

شكل مجلس الأمن القومي «الجمعية التأسيسية» لإعداد دستورٍ جديد وعرضه للاستفتاء، وشمل قوانين الأحزاب السياسية، وكانت الجمعية التأسيسية مكونة من مجلس الأمن القومي ومجلس الشورى (الممثل المدني). وقُدّم الدستور للاستفتاء يوم 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1982، وحظي بقبول بنسبة 91%. وكانت المادة 15 في دستور 1982 تنص على أنّ قرارات مجلس الأمن القومي ليست خاضعة للمساءلة الجنائية أو المالية أو القانونية، ولا يمكن الطعن فيها أمام القضاء، وأنّ مجلس الأمن الوطني هو الحامي للدستور، ويحدد المجلس التدابير اللازمة للوطن حول المبادئ الأتاتوركيّة.

بعد استئناف الدستور، سُمح لثلاثة أحزاب بالدخول إلى الانتخابات: «الحزب الديمقراطي الوطني» بقيادة تورجوت سونلاب، والذي كان مدعومًا من الجنرالات والعساكر، و«حزب الشعب» بقيادة نجدت غالب، والذي يمثل الكماليّين في حزبه، و«حزب الوطن الأم» بقيادة تورجوت أوزال، الذي شغل منصب وزير الاقتصاد وعمل على برنامج للإصلاح الاقتصادي. وحصل «حزب الوطن الأم» على نسبة 45% من أصوات الناخبين، وعين أوزال رئيسًا للحكومة.

حظي أوزال على شعبية كبيرة من اليمين، ومن قبل الأحزاب المحظورة، مثل «حزب العدالة» و«حزب السلامة الوطني»، وسعى إلى استعادة الديمقراطية، وإرجاع السياسية إلى أيدي المدنيين، وصعد اسمه بسبب برنامجه الاقتصادي الذي عمل على تحسينات كثيرة.

حكايات من 3 دول.. كيف تستخدم السلطة الخدمة العسكرية كورقة مساومة؟

 

الجيش يتعلم ويقود انقلابًا «ناعمًا» على أربكان

حاول أوزال خلال فترة حكمه أن يقدم طرحًا فكريًا جديدًا يقوم على الإسلام المعتدل، وكان ذلك لمحاولة التصدي لبعض الأفكار الأتاتوكية المتطرفة، كما حاول التصدي لمد ثورة الخميني القادمة من إيران. وسمح أوزال عام 1983، بقيام مؤسسات الأوقاف، وبالتالي بدأ النشاط التعليمي والخيري والديني، ولُقّب أوزال عند بعض الؤرخين بأنّه ثاني أعظم مُحدّث بعد أتاتورك للجمهورية التركية.

ساعد دعم أوزال، لبروز توجهٍ إسلاميّ معتدل، دخول نجم الدين أربكان مرة أخرى إلى الحياة السياسية بعد إيقافه لمدة 10 سنوات. ومن خلال طرح أربكان لبرنامجه السياسي «النظام العادل»، استطاع الفوز بأهم بلديتين في تركيا في انتخابات البلدية عام 1994، وهما إسطنبول وأنقرة. كما فاز «حزب الرفاه» في الانتخابات البرلمانية عام 1995، بنسبة 21% وكسب 158 نائبًا من مجموع 450. وبعد سقوط حكومة مسعود يلماظ متمثلة في «حزب الوطن الأم»، شكّل «حزب الرفاه» حكومة جديدة برئاسة أربكان.

كان صعود حزب إسلاميّ بالنسبة للعسكر خطرًا كبيرًا، لخوفهم من محاولتهم فرض برامج ثقافية وتعليمية لنشر الفكر الإسلامي ومحو الفكر الكمالي، وأخذت المؤسسة العسكرية مراقبة نشاط «حزب الرفاه» وظاهرة الإسلام السياسي عمومًا من خلال تفعيل مجموعة «العمل الغربية»، وكان هدفها جمع المعلومات اللازمة حول ظاهرة الإسلام السياسي في المجتمع التركي، من خلال متابعة جمع معلومات شخصيات تقود هذه الظاهرة، ومنصات إعلامية، ومؤسسات الوقف والنقابات التابعة.

لم يكن وضع تركيا الحالي يسمح بانقلاب عسكري مباشر، فاضطر العسكر لعمل انقلاب ناعم، عرف أيضًا انقلاب «ما بعد حداثي»، وذلك من خلال فرض مجلس الأمن القومي برنامجًا عمل عليه مجموعة العمل الغربية ووحدة تسمى «وحدة إدارة الأزمات» والتي عملت على إنتاج تقارير لدراسة الظاهرة الإسلامية في المجتمع التركي، وأسباب صعودها، وقدم بعد ذلك إلى الحكومة قرارات تنفيذية، حيث أصبح أربكان منوطًا بتنفيذ هذه القرارات التي تجعل أربكان يلتزم قانونيًا بالتصدي للمؤسسات الإسلامية في المجتمع التركي بمختلف جوانبها.

حاول أربكان اتخاذ سياسات تكسبه بعض الوقت لعدم تنفيذ هذه القرارات الصادرة من مجلس الأمن القومي، إلا أنّه بعد حملة إعلامية كبيرة شنت ضده، وطلب شريكته طانصو تشيللر تسليمها رئاسة الوزراء، وكان تسليم رئاسة الوزراء حينها يتطلب تغيير الحكومة، قدّم أربكان استقالته مؤملًا من الرئيس تعيين تشيللر، إلّا أنّه عيّن مسعود يلماز رئيس «حزب الوطن الأم» لتشكيل الحكومة، وبهذا اعتبر انقلابًا ناعمًا على حكومة أربكان.

«حزب العدالة والتنمية».. بداية الالتفاف على الجيش

أسس رجيب طيب أردوغان مع رفقائه عام 2001 حزب «العدالة والتنمية»، وخاض فيه انتخابات عام 2002؛ ليخرج منها بأغلبية ساحقة، واستطاع تشكيل حكومته بنفسه، واستطاع من خلال توليفة ذات مرجعية إسلامية تتبنى قيم الديمقراطية والليبرالية، وتحترم علمانية الدولة من تقديم صيغة مرضية للمجتمع التركي، الذي كان يعيش صراعات وانقسامًا مجتمعيًا خلال العقود الماضية. وجاء الحزب ضمن سياق دولي أوسع، وهي ما بعد أحداث 11 سبتمبر، ورغبة الولايات المتحدة في إيجاد مشروعٍ إسلاميّ وسطي مقابل «القاعدة».

كان من أحد البرامج لـ«حزب العدالة والتنمية» الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي، والذي من خلاله تحقق المعادلة الصعبة، وهي إرضاء الطرفين: الشعب والنخبة؛ الشعب لأجل تحسنٍ اقتصادي كبير، والنخبة التركية من حيث إنها مطلبٌ قومي أتاتوركيّ. وكان البرنامج شوكةً في حلق العسكر لا بد منّها، حيث إنّ الانضمام للاتحاد الأوروبي يتطلب تطبيق معايير «كوبنهاجن»، والتي أحدها هي الفصل الدستوري بين المؤسسة العسكرية والمدنية.

وبما أنّ الانضمام للاتحاد الأوروبي مطلبٌ قومي أصيل، فلا يمكن للعسكر معارضته، وبالتالي قام مختصون في القانون بصياغة بعض الاقتراحات القانونية التي تتناسب مع معايير «كوبنهاجن»، وكان الاتحاد الأوروبي قد قدم مذكرة مفادها إعادة تشكيل مجلس الأمن القومي دستوريًا على أساس أنّ يكون هيئة استشارية، وكان أردوغان قد استغل هذه المذكرة، وقام باقتراح تعديلات دستورية، وأهمها كانت المواد التي لها علاقة بتحييد المؤسسة العسكرية عن المؤسسات المدنية من خلال إنهاء هيمنة مجلس الأمن القومي، وتخفيض صلاحياته التنفيذية، وإلغاء القانون الذي يستوجب تعيين الأمين العام للمجلس من قبل القوات المسلحة، وغيرها من التعديلات القانونية لصلاحيات المجلس في المؤسسات المدنية.

رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك ورئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو في بروكسيل 2016

في عام 2001 جرت تعديلات دستورية لإضافة وزير العدل ونائبي رئيس الوزراء؛ لينضما لعضوية مجلس الأمن القومي؛ مما زاد من نسبة المدنيين داخل المجلس. وجرى تعديلٌ عام 2004 يلغي عضوية الجنرال العسكري داخل مجلس إدارة المجلس الأعلى للتعليم. وخلاصة القول هُنا: إنّه في هذه السنوات استطاع «العدالة والتنمية» من جعل مجلس الأمن القومي مؤسسة مدنية، وجعل النفقات الأمنية تحت مراقبة مدنية، كما استطاع أيضًا عزل المؤسسة العسكرية عن المنصات الإعلامية والتعليمية.

كان ترشح عبد الله غول لمنصب رئاسة الجمهورية عام 2007 ثقيلًا على الجيش، إذ نشر بيانٌ من رئاسة الأركان يوم 27 أبريل (نيسان) يعبر فيه عن تخوفه الشديد على مستقبل العلمانية والجمهورية، وعبر أردوغان بصراحة عن استيائه العام من البيان، ونادى المؤسسة العسكرية بعدم التدخل في الشؤون السياسية. وبالفعل سحبت رئاسة الأركان بيانها، وأصدرت الحكومة قرارًا بمنع العسكريين من الإدلاء بأي تصريحٍ مكتوبٍ أو شفوي يتعلق بالشؤون السياسية للدولة. وفي عام 2010 ضمنت تعديلات دستورية مفادها مقاضاة العسكر في محاكم مدنية، ومنها استطاعت المحكمة مقاضاة بعض القادة العسكريين لانقلاب عام 1980.

جاءت هذه المحاكمة في فترة كانت قضايا حقوق الإنسان والأقليّات ذات تأثير كبير على الرأي العام، ولم يكن هذا في صالح العساكر الانقلابيين؛ إذ تحول موقف العسكر من الهجوم للدفاع على اعتداءاتهم المدنية، وعليه فقدوا كثيرًا من ثقة الناس وشرعيتهم في الدولة.

وبحسب الباحث في العلاقات المدنية العسكرية التركية هشام وهاب، فإن: «العامل الأكبر في نجاح حزب العدالة والتنمية في تقليل هيمنة الجيش على الاقتصاد، هو ارتفاع معدل النمو الاقتصادي بنسبة 7.5%؛ ما أدى إلى جذب العديد من الاستثمارات الخارجية»، ويضيف:« أضعف صعود الليبراليين والمناصرين للإسلام السياسي مثل حركة جولن مكانة الكماليين في أجهزة الدولة». وكان الجيش يستمد شرعية تدخله في السياسة الداخلية من المادة 35، وفي يوليو (تموز) 2013، عُدلت هذه المادة بتحديدٍ أكثر لمهمة الجيش بحماية الأراضي التركية من أي خطرٍ أو تهديد «خارجيّ».

«الانقلاب الفاشل».. نهاية الالتفاف وبداية عهدٍ جديد

كانت ليلة 15 يوليو 2016، ليلة عصيبة على الشعب التركي، فبعد إعلان الانقلاب العسكري الذي اجتاح المدن الكبرى والحدود التركية؛ كان لعصر الإنترنت لمسته الخاصة في إنهاء انقلاب عسكري مباشر؛ فبعد أن حاصر العسكريون محطات الإعلام الأساسية للدولة، استطاعت مذيعة «سي إن إن تُرك» الاتصال بالرئيس التركي من خلال تطبيق الـ«فيس تايم».

الذي دعا فيه أردوغان، شعبه للنزول والدفاع عن الديمقراطية، وقد أشعل نداؤه ذكريات الشعب مع الانقلابات العسكرية، إذ انتفضت أعداد كبيرة ونزلوا للاشتباك المباشر مع الجيش في الشوارع، دفاعًا عن حقوقهم. ومات ضحية هذا الانقلاب 250 مواطنًا تركيًا، علاوة على وقوع جرحى وإصابة الكثير، واستطاع الشعب إفشال الانقلاب العسكري، الذي أُلبس غطاءً «جولنيًا» بشكل كامل؛ أيّ أنّ الانقلاب الفاشل كان من تخطيط «جماعة فتح الله جولن» المنفي في الولايات المتحدة.

استغل «حزب العدالة والتنمية» فشل الانقلاب، وأعلن الرئيس التركي حالة الطوارئ، واعتقل ما يقارب 3 آلاف عسكري، و55 لواء عسكري، مع إقالة لخمسة جنرالات. ومع النظام الرئاسي الذي صوت عليه الشعب التركي يوم 24 يونيو (حزيران) 2017، أعلن الرئيس أردوغان يوم تنصيبه، بأنّ رئاسة الأركان ستخضع لسلطة وزارة الدفاع، بما فيها القوات البحرية، والبرية، والجوية. وبهذا؛أصبح وزير الدفاع الرجل الأول في عملية صنع القرارات الأمنية، بما فيها ذلك عملية التجنيد، والتصنيع، والمؤسسات التعليمية والعسكرية، والميزانية. كما أصبح منصب سكرتارية مجلس الأمن القومي منصبًا مدنيًّا، وسلمت مهام هذا المجلس لمجلس الأمن والسياسة الخارجية، الذي يعتبر أحد المجالس الاستشارية التسعة التابعة للرئيس.

كانت آخر التطورات التي لها رمزية كبيرة في السياسة التركية أيضًا، تعيين الجنرال السابق هولوسي عكار وزيرًا للدفاع، ولأول مرة في تاريخ تركيا، يتم تعيين ضابط عسكري غير متقاعد لمنصب مدني، إذ كان عكار رئيسًا سابقًا للقوات البحرية، والرئيس رقم 29 لهيئة الأركان العامة. وفي أيام انقلاب 15 يوليو 2016، احتجز عكار من قبل القوات المسلحة التركية في «قاعدة أكينشي» الجوية في أنقرة؛ وذلك بسبب رفضه للتوقيع على الأحكام العرفية.

ويمكن القول إن أردوغان أعتمد في سياسته تجاه العسكر نزع الطابع «الأمني» عن القضايا التي يدعي الجيش حمايتها؛ مبررًا بذلك تدخله في السياسة الداخلية. ولكنّ بعد أحداث الربيع العربي وانقلاب يوليو ولتقوية أركان النظام الرئاسي، يلاحظ توجه أردوغان إلى اعتماد الخطاب الأمني عند الحديث في القضايا السياسية، كما أنّ هناك تحولًا كبيرًا في توجه «حزب العدالة والتنمية» من التوجه الليبرالي المحافظ إلى القومية المحافظة؛ فهل نشهد تطورًا للعلاقات المدنية العسكرية في الفترة القادمة؟

التاريخ والواقع والمستقبل.. ملف «ساسة بوست» الشامل عن محاولة الانقلاب العسكري في تركيا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد