«صبرنا له حدود، لا يمكن أن نلتزم الصمت إزاء التحرشات التي تقوم بها التنظيمات الإرهابية تجاه أراضينا انطلاقًا من الأراضي السورية».

إن تهديدات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السابقة التي قالها خلال مراسم افتتاح طريق سريع بين مدينتي إسطنبول وإزمير بدت هذه المرة أكثر جدية مما سبقها من تهديدات استمرت على مدى عام ونصف.

إذ تريد تركيا أن تتخلص من «عدوها اللدود»، «وحدات حماية الشعب» الكردية التي تعتبرها امتدادًا لـ«حزب العمال الكردستاني (PKK)»، الحزب الذي يخوض صراعًا مع أنقرة منذ عقود؛ إذ تسيطر تلك الوحدات على منطقة شرق نهر الفرات بشمال سوريا. وتريد تركيا أن تشن معركة تمكنها من إقامة «منطقة آمنة» بعمق يتراوح بين 30 و40 كيلومترًا داخل الأراضي السورية، وتمتد من شرق الفرات بريف حلب الشرقي وصولًا إلى الحدود العراقية.

هل تشن أنقرة عملية واسعة في شرق الفرات السوري؟

حاولت واشنطن تهدئة التخوف التركي من مناطق سيطرة الإدارة الذاتية للأكراد في شمال شرق سوريا، فاقترحت إنشاء «منطقة آمنة» بعمق 30 كيلومترًا على طول الحدود بين الطرفين. لكن ما تشهده الآن المباحثات بين المسؤولين العسكريين الأتراك والأمريكيين في العاصمة أنقرة ينذر بأن الأمور وصلت إلى طريق مسدود، ذاك الطريق الذي دفع أنقرة لإعلان استعدادها لمعركة عسكرية قريبة في شرق الفرات.

تحدثنا إلى المحلل السياسي التركي يوسف كاتب أوغلو، فأكد أن أنقرة قامت بكافة الاستعدادات اللازمة لشن عملية عسكرية واسعة في شرق الفرات، فهي تريد إنشاء منطقة آمنة، تخلو من كافة التنظيمات الكردية، وتريد أن تؤمن حدودها المشتركة مع سوريا، وكذلك تهيئة المنطقة لاستيعاب مليون من اللاجئين السوريين المتواجدين في تركيا، والذين يرغبون بالعودة إلى بلادهم.

ويبين أوغلو المقرب من الحكومة التركية أن أنقرة لن تسمح بإقامة «كوريدور» على أساس عرقي، وإنشاء «دويلة كردية» في الشمال السوري، فعمليتا «درع الفرات» التي أطلقتها تركيا عام 2016 ضد «داعش» و«وحدات حماية الشعب» الكردية، و«غصن الزيتون» التي أطلقتها في عفرين مطلع عام 2018 واستهدفت «الوحدات الكردية» أيضًا؛ كانتا أفضل شاهد على ذلك. وقريبًا ستكون عملية «شرق الفرات» لتطهير المناطق الحدودية على طول الحدود (541 كم) حتى نقطة التقاء الحدود السورية العراقية، وعمق 30 كم من جميع المجموعات التي تعتبرها تركيا أنها «إرهابية».

ويضيف أوغلو لـ«ساسة بوست»: «ستكون هذه العملية ممتدة حتى آخر نقطة حدود مشتركة، وستشمل أيضًا التوغل البري الواسع، ولم تكن ضمن نطاق ضيق أو محدود، فتركيا تستعد لعملية شاملة على نسق عمليتي (درع الفرات) و(غصن الزيتون)، لتأمين منطقة بعمق 30 كم تخضع للحماية التركية أو الإدارة المدنية التركية».

كذلك، يعتقد الصحافي السوري الكردي، آلان حسن، أن تركيا جادة بالفعل في تهديداتها هذه المرة بشن عملية ضد «وحدات حماية الشعب» الكردية، العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية «قسد» المدعومة أمريكيًّا في شمال سوريا وشرقها، وذلك لأنها ترى الآن أن الوقت ليس لصالحها.

ويوضح حسن وهو يعيش في مدينة القامشلي السورية، أن تركيا تنظر بخطر إلى انكباب واشنطن نحو إقامة علاقات أكثر مع الذراع السياسية لقوات سوريا الديمقراطية «قسد» المسيطرة على شرق الفرات، وهي ترى أن هذا التحالف يتم بشكل أكبر بعدما كان يقتصر على الجانب العسكري فقط، مضيفًا: «تركيا تتخوف الآن من أن تصبح هذه العلاقات ضد مصالحها، خصوصًا مع وجود ملايين من الأكراد في تركيا، فإقامة إقليم يكون فيه لأكراد سوريا شأن كبير، سيؤثر في الداخل التركي».

«المونيتور»: غارات الأسد تحرق إدلب.. لماذا لا تتحرك تركيا؟

واشنطن لا تريد الخروج صفر اليدين

يكرّر أردوغان منذ عام ونصف على مسامع الأمريكيين تهديداته بشن هجوم ضد الأكراد في منطقة شرق الفرات، لكن واشنطن التي تعلم مدى حساسية قضية الأكراد بالنسبة للرجل حاولت تهدئة الوضع عبر اقتراح إنشاء «منطقة آمنة» كما أسلفنا، وهو اقتراح لم ترفضه تركيا لكنها أصرت على أن تدير المنطقة، الأمر الذي يرفضه الأكراد بالمطلق.

قوات أمريكية في سوريا برفقة مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردي

لكن ما الذي يدفع واشنطن التي أعلنت انسحاب قواتها جزئيًّا من سوريا في الأشهر الأخيرة إلى رفض العملية التركية؟ يبين الباحث السوري في «مركز جسور للدراسات»، عبد الوهاب عاصي، أن رفض واشنطن لأي تحرك تركي منفرد شرق الفرات ينطلق من عدة اعتبارات؛ على رأسها الضرر الذي سوف يلحق بالأكراد بوصفهم حليفًا محليًّا يتم الاعتماد عليه في محاربة تنظيم «داعش»، وضمان عدم عودته لأجل استقرار المنطقة.

ويتابع القول: «كما تريد واشنطن ألا تؤدي أنشطة تركية محتملة شرق الفرات إلى التأثير في سياساتها الأمنية، لا سيما وأن أحد أبرز المخاوف التي تعبر عنها هو عدم حدوث فراغ أمني في حال قررت فعليًّا الانسحاب من سوريا»، ويرى عاصي أن واشنطن تفضّل مبدأ التنسيق المشترك مع تركيا في شرق الفرات، احتذاءً بنموذج خارطة الطريق في منبج، كونه يساهم في استعادة بناء الثقة بين الحليفين، ولا يدفع تركيا نحو تبني سياسات بعيدة عن «الناتو» والغرب.

فيما يشدد الصحافي السوري الكردي آلان حسن على أن واشنطن التي لم تحقق أهدافها كاملة في سوريا معنية الآن أن تنتهي كاملة من بقايا «داعش»، فهناك الخلايا النائمة من التنظيم وهناك الأسرى والمعتقلين منهم لدى «قسد»، والذين من بينهم المئات من الجنسيات الأوروبية والأمريكية.

ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «أمريكا أيضًا تريد تحقيق أحد أهم أهدافها في سوريا، وهو إضعاف الدور الإيراني في سوريا، هي تريد طبعًا إخراج إيران من سوريا لكن يبدو من الصعوبة أن تخرج إيران بشكل كامل من سوريا، لذلك أعتقد الولايات المتحدة الأمريكية تطمح لإضعاف الدور الإيراني في سوريا، وتريد من «قسد» أن تكون حليفها في معركتها هذه».

كما أن الولايات المتحدة الأمريكية -حسب حسن- تريد أن تكون جزءًا من الحل السياسي في سوريا، وترعى عملية التفاوض بين الأطراف السورية المتصارعة قبل الوصول إلى حل سياسي، فهي لا تريد أن تخرج من سوريا «صفر اليدين» كما تقول.

سيناريوهات ما بعد معركة «شرق الفرات»

«سنمنع أي توغل أحادي الجانب شمالي سوريا، وأي عملية تركية هناك غير مقبولة»، هذا ما قاله وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر حين خرج يحذر تركيا من القيام بأي عملية عسكرية أحادية الجانب في مناطق شرق الفرات بشمال سوريا.

مقاتلو المعارضة السورية يمرون أمام القوات التركية

كما قال إسبر: «إن تنفيذ عملية تركية في شمال سوريا، قد يحول دون تركيز (قوات سوريا الديمقراطية) على منع (داعش) من استعادة أراضٍ كان يسيطر عليها من قبل».

بيد أن الرئيس التركي، وبعد ساعات من التصريحات الأمريكية السابقة، خرج متحديًا رفض واشنطن أي تحرك عسكري ضد حلفائها الأكراد السوريين، فقال إن: «القضاء على الكيان الإرهابي في شمال شرقي سوريا من أولوياتنا، هذا الكيان (الكردي السوري) ينمو مثل الخلايا السرطانية ويهدد أمن تركيا»، وشدد على أن: «بلاده ستتخذ قريبًا جدًا خطوات تتعلق بمرحلة العمليات التي بدأتها بعملية درع الفرات في سوريا منذ أغسطس (آب) 2016 بالتعاون مع فصائل سورية معارضة، وتمكنت على إثرها من إخراج (داعش) من بلدات سورية في ريف حلب الشمالي».

ويتوقع المراقبون في حال عدم التوصل لتفاهم عاجل بين الأتراك والأمريكيين أن تبدأ تركيا باستهداف مكثف لوحدات حماية الشعب على طول الحدود السورية التركية، مع القيام لاحقًا بعمليات عسكرية تستهدف نقاطًا محددة.

ولكن ماذا عن الموقف الأمريكي في حال نفذت تركيا تهديدها؟ يجيب الصحافي السوري الكردي آلان حسن بأن خيارات واشنطن كلها هي قبل شن تركيا لعمليتها المرتقبة، أما في حال نفذت تركيا تهديداتها، فيعتقد حسن أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تحارب تركيا، بل ستخرج من المنطقة لكن بعد أن تتفق مع تركيا على إجراءات لاحقة لتحقيق الأهداف التي ذكرتها آنفًا، ويشير: «أعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية سترضى بالواقع، لكن ستتفاوض مع تركيا لتحقيق جزء من مصالحها في سوريا».

فيما يتوقع الباحث السوري في «مركز جسور للدراسات» عبد الوهاب عاصي خلال حديثه لـ«ساسة بوست» احتمالين، أحدهما أن تزيد واشنطن من عدد نقاط المراقبة التابعة للتحالف الدولي على طول خطوط التماس لتقليل فاعلية الهجمات المحتملة، ولإمداد قوات سوريا الديمقراطية «قسد» بعوامل البقاء، ومن ثم تزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية على تركيا. والاحتمال الآخر، هو قيامها بإعادة انتشار لنقاط المراقبة بشكل لا يؤدي إلى تعرضها للخطر، لكن بما لا يساهم أيضًا في تقويض مصالح وحدات الحماية الكردية، أي ضمن مسار يساعد على إعادة التفاوض من جديد لاسترضاء حليفيها المحلي والدولي.

رغم تحسن العلاقات مؤخرًا.. صراع محموم بين أنقرة وواشنطن في شرق الفرات

المصادر

تحميل المزيد