تُمثل انتخابات اليوم في تركيا، مسألة فارقة في مستقبل حزب العدالة والتنمية الذي فقد الأغلبية بعد نتيجة الانتخابات النيابية السابقة، والتي أفقدته القدرة على تشكيل الحكومة منفردًا بعد سيطرة دامت اثني عشر عامًا، ما اضطره إلى الذهاب نحو انتخابات مبكره لتعزيز فرصه في تأمين الأغلبية.

خلال السطور التالية، تحاول “ساسة بوست” تسليط الضوء على أهم ما يتعلق بهذه الانتخابات ومواقف الأحزاب والتيارت المختلفة والأجواء السياسية المرتبطة بها والسيناريوهات المتوقعة وفقا للنتائج.

استطلاعات الرأي.. تغييرات طفيفة

في الانتخابات السابقة التي انعقدت في يونيو الفائت، حصل حزب العدالة والتنمية على نسبة تقارب %41، فيما أوضحت بعض استطلاعات الرأي إلى ارتفاع نسبة التصويت لصالح حزب العدالة والتنمية في انتخابات اليوم بأرقام متفاوتة لتصل إلى (42 أو 43 أو 44 أو أكثر)، وبسبب تعقيدات قانون الانتخاب التركي؛ فإن نسبة التصويت وحدها لا تحدد عدد المقاعد التي يحصل عليها كل حزب بسبب العتبة الانتخابية المرتفعة (كل حزب لا يحصل على 10% من إجمإلى الأصوات لا يمثل برلمانيا وتوزع مقاعده على الأحزاب الفائزة).

أظهرت كذلك مُعظم الاستطلاعات تغييرا ملحوظا في نسبة التصويت لصالح حزب الشعب الجمهوري العلماني، والذي حصل على 25% في الانتخابات السابقة، وهي النسبة التي يتوقع أن تزيد لجذبه بعض الناخبين ممن صوتوا لغريمه الشعوب الديمقراطي، على خلفية علاقاته بحزب العمال الكردستاني والحرب الجارية بينه وبين الدولة الآن، بالإضافة إلى الصورة الجيدة التي حازها رئيس الحزب كمال قلجدار أوغلو بتعاونه مع حزب العدالة وحواره مع أردوغان في الأشهر الماضية.

 

(1) الانتخابات البرلمانية الماضية.. الفشل في تحويل النظام البرلماني إلى رئاسي

 

بعد نتيجة هذه الانتخابات، المنعقدة في يونيو، فقد حزب العدالة والتنمية غالبيته البرلمانية التي احتفظ بها لمدة تزيد عن اثني عشر عامًا ومعها القدرة على تشكيل حكومة منفردًا، وهي الانتخابات التي خاضها الحزب تحت عنوان ضمني هو تعديل الدستور. وهو ما كان يقتضي تشكيل حكومة ائتلافية بين الحزب صاحب الأغلبية وأحد الأحزاب الثلاثة الأخرى.

لكن فشل المفاوضات الائتلافية مع الأحزاب الأخرى، وتخطي أردوغان عن تكليف «حزب الشعب الجمهوري» (ثاني أكبر الأحزاب التركية) بتشكيل الحكومة، ليذهب مباشرة إلى إعلان الانتخابات المبكرة المقرر لها اليوم قبل انتهاء المهلة الدستورية، رغبة منه في إعادة تأمين الأغلبية من جديد. وقد تلاشت نداءات تعديل الدستور بشكل كبير في هذه الانتخابات مقابل الانتخابات السابقة في حين سيطرت عليها عناوين أخرى كقضايا الأمن والسلام مع الأكراد واللاجئين والقضايا الاقتصادية.

(2) الانتخابات البرلمانية المُبكرة.. تقليص أم تعزيز لسلطات أردوغان

 

يدخل «حزب العدالة والتنمية» انتخابات البرلمانية اليوم، بدون صفة صاحب حكومة الحزب الحاكم، خلافًا للانتخابات الأولى، المنعقدة في يونيو الفائت التي دخلها منفردًا بالسلطة والحكومة .

تتباين الظروف السياسية للأحزاب التي نجحت في الانتخابات. الأولى في هذه المرة، وهو ما يظهر في حالة كُل حزب سياسي:

العدالة والتنمية: يدخل الانتخابات البرلمانية المُبكرة، وهمُه الأساسي هو كيفية العودة منفردًا إلى السلطة، بما يعني تحصيل النصف زائدًا واحدًا في نسب التصويت، أي 276 نائبًا من أصل 550 نائبًا.

الشعب الجمهوري: في انتخابات السابع من يونيو، حصل على نسبة 25 في المئة، وذهبت قاعدة من ناخبيه للتصويت إلى «حزب الشعوب الديموقراطي» الكردي لكي يضمن هذا تجاوز نسبة العشرة في المئة بهدف إسقاط أردوغان.

ويعتقد الخبراء أن النسبة التصويتية التي ذهبت للحزب الكردي سيعود جزء منها إلى “الشعب الجمهوري”، لتحقيق نسبة أكبر من المرة الفائتة بنسب ضئيلة.

الحركة القومية: يخوض الحزب هذه الانتخابات، وهدفه الأساسي الحفاظ على النسبة التي كفل له التمثيل في البرلمان، والحفاظ على نسبة الأصوات التي كانت معه .

“الحركة القومية” هي الهدف المُستهدف من جانب أردوغان للخصم من نسبة التصويت الانتخابي لصالحه، فيُرجع الخبراء الحرب على الأكراد لإظهار أردوغان مدافعا عن المصالح القومية التركية، وأنه ترجم ذلك على أرض الواقع بغارات على مواقع «حزب العمال الكردستاني» في تركيا وشمال العراق، بل ضرب مرتين على مواقع لقوات الحماية الكردية في سوريا. ويتوقع ربما أن تتأثر نسبة التصويت للحزب بالسلب، ولكن بشكل طفيف مقارنة بانتخابات يونيو/ حزيران.

«الشعوب الديموقراطي»: الحزب الكردي الذي كان له أكبر الأثر في تغيير نتائج الانتخابات الفائتة، وفشل حزب العدالة والتنمية في الحصول على أغلبية، من خلال تحقيق المفأجاة في الحصول على 13 في المئة من الأصوات، متجاوزا العتبة الانتخابية في الانتخابات الأخيرة.

يعول الحزب في هذه الانتخابات على التمثيل السياسي لتهيئة الفرصة له كي يكون الحزب المعارض الأول والرئيس.

يدخل الحزب كذلك الانتخابات اليوم، وهو تلاحقه اتهامات أردوغان بأنه امتداد «للتنظيم الإرهابي»، أي «حزب العمال الكردستاني»، وفي ظل تجدد المواجهات بين الأكراد والحكومة والانهيار المرتقب لعملية السلام.

 

(3) ما هي الاحتمالات المطروحة بعد ظهور نتائج الانتخابات؟

فوز حزب العدالة والتنمية بالأغلبية

في حال فوز «حزب العدالة والتنمية» بالنصف زائدًا واحدًا فسيشكل حكومة بمفرده، منهيا حالة الفراغ السياسي في البلاد وربما يهذب نحو مشروع لتمرير دستور جديد.

 خسارة العدالة والتنمية الأغلبية

لكن في حال لم يفز «العدالة والتنمية» بالنصف زائدًا واحدًا، فسيكون هو المكلف تشكيل الحكومة لكونه الحزب الأول. وسيكون أمام أكثر من خيار

تأليف حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري

تُظهر المؤشرات الأولية أن هذا التحالف هو الأقرب وفقًا لواقع الحياة السياسية في تركيا، وسيكون على “العدالة والتنمية” بمقتضى هذا التحالف، تقديم تنازلات في عدد من قضايا السياسة الخارجية خصوصًا في الأزمة السورية.

تأليف حكومة ائتلافية مع «حزب الحركة القومية»

وهو أحد الخيارات الصعبة أمام الجانبين في ظل التزام “الحركة القومية” بمبدأ وقف المفاوضات مع الأكراد، وعدم التحويل لنظام رئاسي، ورفض تعديل أي مادة من المواد الثلاث الأولى في الدستور حول هوية تركيا ورموزه، وهو أحد مقترحات “العدالة والتنمية”، وهي الصيغة التي يصعب الحزبان التوصل إليها.

 حكومة الأقلية

يتمثل هذا المُقترح في تشكيل حكومة أقلية لا تتمتع بغطاء من أغلبية برلمانية، وهي أحد الخيارات التي سيكون مآلاتها داخل تركيا تُنذر بارتفاع حجم الاستقطاب، وسوف تعرض قرارات الحكومة للشلل التام.

فشل تشكيل حكومة ائتلافية

حال فشل كافة الأحزاب في تشكيل حكومة ائتلافية، سيكون الخيار البديل هو استخدام “أردوغان” الدستور الذي يمنحه الحق في إجراء انتخابات برلمان جديدة في نهاية الشتاء المقبل أو بداية الربيع.

بيد أن هذا الفشل ستنعكس تداعياته على احتمال دخول الحزب في مرحلة من التصدعات، وولادة أحزاب جديدة من رحمه، قائمة في ضوء تسريبات عن بعض الخلافات داخل الحزب من قبل كبار القيادات، ومنهم رئيس الجمهورية الأسبق عبدالله غول، وبولنت أرينتش الرجل الثاني في الحزب.

 (4) محددات الحسم الانتخابي في الانتخابات

1-أصوات الخارج ونسبة المُشاركة

 

 

 

أحد ضمانات حزب العدالة والتنمية لتشكيل الحكومة التي سعى إليها خلال الفترة الماضية، هو محاولة دفع الناس للانتخاب على خلفية كون المحسوبين عليه أكثر العازفين عن التصويت في الانتخابات السابقة، خصوصًا أن ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات تصب في مصلحته، كونه الحزب الذي يسبق أكبر منافسيه بفارق كبير.

كذلك يعتبر ارتفاع نسبة التصويت في الخارج التي جرت من 5 أيام من 32 % إلى حدود 45% مؤشرًا على ارتفاع تصويت الداخل أيضًا، وهذا ما يعتبره الخبراء إشارة إلى قدرة العدالة والتنمية على إقناع من قاطعوا التصويت – له تحديدًا – في الانتخابات الماضية، وهذا يرفع من نصيبه بشكل مباشر.

ويضم الخارج 113 ممثلية دبلوماسية في 54 بلدًا. إضافة إلى 30 مركزًا حدوديًا. انتهى التصويت في مكاتب التمثيل في الخارج، أما البوابات الحدودية فيستمر التصويت فيها حتى مساء الغد.

ويبلغ عدد من يحق لهم التصويت في خارج البلاد للانتخابات البرلمانية 2 مليون و867 ألف و658 شخصًا، وتنظم الانتخابات في 54 دولة حول العالم، وحسب إحصاءات الدولة التركية فإن عدد الأتراك المقيمين في الخارج 5 مليون تركي يقطن منهم 4 ملايين أوروبا الغربية و300 ألف في أمريكا الشمالية و200 ألف في الشرق الأوسط و150 ألف في أستراليا.

كذلك تعتمد نسبة حصول الحزب على أغلبية على أصوات الخارج التي يتم توزيعها على الدوائر الانتخابية، خصوصًا في الدوائر التي تتقارب فيها الأصوات.

 2- أصوات المحافظين.. تغيير يزيد نسبة رصيد الحزب

 

خلال الانتخابات النيابية الماضية، استطاع حزب الحركة القومية استقطاب عدد من شرائح موالية لحزب العدالة والتنمية على خلفية تسويقه فكرة الانفتاح الزائد من أردوغان على الأكراد، وهو ما ساهم في خصم رصيده الانتخابي خلال الانتخابات النيابية الماضية.

لكن في هذه العملية الانتخابية، يُتوقع أن تعاود هذه النسبة التصويتية إلى حزب العدالة والتنمية من جديد، خصوصًا في ظل الانقلاب الشديد في العلاقة بين العدالة والتنمية والأكراد من ناحية، والعمليات العسكرية الجارية حاليًا ضد العمال الكرستاني.

كذلك يدعم ارتفاع نسبة التصويت لحزب العدالة والتنمية، هو الاستقالات الجماعية المتكررة من الحركة القومية والانضمام للعدالة والتنمية والتي تدعم نجاح الأخير في استثمار حالة التململ داخل الأول من سياسة رئيسه دولت بهجلي، وقدرته فعلًا على استقطاب بعض الأصوات القومية التي ركز عليها في حملته.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد