789

أتى إلى مصر منذ نحو 25 عامًا، حينما كان عمره لم يتجاوز 14 عامًا، لم يكن لديه أيّ رأس مالٍ يُذكر، ترك تركيا وقرَّر أن يأتي إلى مصر تحديدًا لأن مصر «خيرها كتير»، على حدِّ وصفه. هذا هو «أتيله أتا سيفن»، رجل أعمال تركي أربعيني يعيش في مصر، تعلَّم اللهجة المصرية خلال سنوات عمله ومعايشته في مجتمعٍ يستطيع بسهولة أن يصهرك داخله، ما زالت لغته العربية غير مفهومة، لكنَّه يصرُّ أن تأتي كلماته بها، وأن يوضِّح جيدًا ما يريد التعبير عنه من خلالها.

قصة كفاح انتهت برأس مال من ملايين الجنيهات

خلال 10 سنوات من العيش والعمل في مصر أصبح حجم تعاملات شركات أتيله يتراوح بين 80 إلى 100 مليون جنيه، سافر أتيله ليتزوَّج من بلده، وعاد بزوجتِهِ ليعيشا معًا في البلد الذي قدم له فرصة العمل والثراء، وأراد أن يتعلَّم أولاده ويحيوا في المكان الذي جعل حياتهم أفضل.

لكنَّ كل السيناريوهات قد انقلبت تمامًا، وكلّ خطط الحياة التي رسمها أتيله ورأى أنها الأفضل قد انقلبت رأسًا على عقب، إذ قامت في البلد «المستقرة» ثورةٌ وتحرُّكٌ للجيش، وأصبح وضعه متأرجحًا وغير مستقر، بعدما أصبحت العلاقة بين البلدين – البلد الذي ينتمي إليه والبلد الذي يعيش فيه – متوترة وحادَّة، ووصلت الأمور إلى ذروتها بعد طرد السفير التركي من مصر.

أصبحت العلاقات المصرية – التركية حادَّةً، ومتوترة خلال السنوات الأخيرة، وتحديدًا بعد عزل الرئيس السابق «محمد مرسي» واتخاذ أنقرة موقفًا عنيفًا ورافضًا للنظام المصري الجديد، وهو ما أدى إلى تدهور العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فأبلغت القاهرة السفير التركي عدم رغبتها في وجوده. بعد عدة استدعاءات له من قبل وزارة الخارجية على إثر تصريحاتٍ متكررة من العاصمة التركية تعتبر ما حدث في مصر انقلابًا عسكريًا على سلطة منتخبة يجب عدم الاعتراف به.

أنا مش همشي من مصر، ولا هوقَّف أعمالي فيها، إلا لو انطردت منها.

قالها أتيله بنبرة صوتٍ حادة ومُصمِّمة، عن استمرار تواجده في مصر، رغم توتر العلاقات المصرية التركية، مؤكدًا على استمرار شركاته وأعماله في ممارسة تجارتها في الداخل والخارج، تعمّد أتيله رغم بساطة وتواضع حال لغته العربية أن تكون كلماته بالعامية المصرية، أراد أن يبدو هادئًا في كل أحواله، وألا تخرج كلماته منفعلة أو هادرة بسبب سوء أوضاعه وخسائره المالية.

يشرح أتيله عمله في مصر: « منذُ  نحو 15 عامًا وأنا أعمل في الاستيراد والتصدير في مصر، الآن لدينا مشاريع متكاملة، وخطوط إنتاج تغذية، لدينا مصانع أعلاف، ومصانع قطع غيار للماكينات، وصوامع تخزينية، وهذه هي الأعمال التي يتراوح حجم التجارة فيها ما بين 80 إلى 100 مليون جنيه في العام.  ونعتمد في أغلب تجارتنا على الاستيراد من تركيا، ولم نرغب في التخصص في التصدير فقط، رغم أننا عملنا فيه، وكنّا نقوم بتصدير الخامات المعدنية، وكان حجم تجارتنا في التصدير يتراوح ما بين 3 إلى 5 ملايين جنيه في السنة، لكننا توقفنا عنه».

أمّا عن تدهور أوضاع عمله، فيقول: « بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2013 توقّفت الكثير من أعمالنا، لكنّ الحياة عادت تسير بشكلٍ طبيعيّ تدريجيًا، لكن بعد ثورة 30 يونيو (حزيران) كلُّ شيءٍ قد توقف تمامًا، ما الذي سيدفع أي مستثمر عاقل أن يضع أمواله التي تعب فيها، في بلدٍ ليس به استقرار أمني؟ وبالتبعية فإن الوضع الاقتصادي برمته غير مستقر».

علاقات مصاهرة وتاريخ طويل

في كتاب الأتراك في مصر وتراثهم الثقافي للدكتور« أكمل الدين إحسان أوغلو» الأمين العام الحالي لمنظمة المؤتمر الإسلامي – الكتاب الذي حصل في طبعته العربية الأولى على جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز للترجمة لعام 2008 – يقول الكاتب:

«الأتراك في مصر وتراثهم الثقافي ثمرة جهود ودراسة تجاوزت الأربعين عامًا، يبحث فيه المؤلف كيف تَشَكّل الوجه أو النموذج المصري/ العثماني، نتيجة لتطور القاهرة الذي كان يحاكي إسطنبول».

ويستعرض المؤلف في الكتاب الكيفية التي وصل بها إلينا نتاج تلك الثقافة وتأثيراتها المختلفة، ففي ظل المدارس الحديثة التي أقيمت والكتب التركية العديدة التي طبعتها المطبعة حظيت الثقافة التركية العثمانية في مصر بإعجاب الصفوة الناشئة من أهالي البلاد المتحدثين بالعربية، فضلًا عن القادمين من خارج مصر، ممن كانوا يتحدثون التركية. وهذا هو ما أدى إلى ظهور الوجه الثقافي المصري/ العثماني إلى جانب الوجه الثقافي التركي/ العثماني في مصر.

ويعدُّ كتاب أكمل أوغلو هو أول عمل يتناول الأتراك الذين عاشوا في مصر والوجود الثقافي التركي المتطور فيها، ويتناول النتاج المدوّن الذي وَصَلَنا من تلك الثقافة وآثارها. يقول مؤلف الكتاب في مقدمة كتابه: «لعل هذا الكتاب يأتي وفاء لدين، وأمانة للتاريخ يودعها إياه الكاتب الذي عاش في الموضع الذي التقي فيه بلدان وثقافتان ولغتان وامتزج هذا بذاك سنين طويلة».

ويقول أيضًا في سطور كتابه: إنّ التأثيرات الاجتماعية والثقافية التي وقعت فيما بين الأتراك الذين وفدوا على مصر واستوطنوا على مدى السنين وبين المصريين قد ترسخت في مصر وأصبحت وكأنها جزء لا يتجزأ من المجتمع المصري.

وفي تصريحاتٍ صحفية لبوابة الأهرام  يقول أحمد السوداني – الباحث بمركز الأهرام للدراسات -: «إن التأثير التركي في صعيد مصر لم يكن تأثيرًا قويًا ورغم ذلك ترك بصماته الواضحة، مشيرًا إلى أن البلدين لهما تأثير ثقافي على بعضهما البعض سواء في الرسومات أو نسق العمارة أو حتى في التقاليد».

ويضيف السوداني أن «الأتراك كونوا مجموعات امتزجت مع عائلات الصعيد حيث جمالهم الباهر جعل الصعيدي يقبل على المصاهرة والنسب مشيرًا إلى أنّ عقلية التركي الذي كان يمتاز بالعصبية والشجاعة والإقدام على المخاطر وجدت أرضية خصبة في عقلية وطبع الصعيدي الذي يمتاز بهذه الصفات».

كذلك فإنه يوجد مقابر للمصريين الأوائل الذين نهضوا بتركيا في مجالات الفن بعد أن اصطحبهم السلطان العثماني سليم الأول غازي مصر 1517م لبناء نهضة تركيا في قارتها الأوروبية. كما يوجد للأتراك في صعيد مصر العديد من المقابر والكثير من الصور والوثائق والحكايات وقصص الحب التي تحملها وثائق الأتراك التي تم اكتشافها حديثًا.

لم يعد الوضع آمنًا

بعد ثورة 25 يناير لم يتعرض أتيله لمشكلاتٍ حياتية تخص عمله فقط، بل رأى أن أولاده، الذين وصلوا إلى المرحلة الإعدادية في مراحلهم التعليمية، أيضًا يتعرضون لمضايقات ومشكلات في الشارع وفي مدارسهم مؤخرًا بوصفهم أجانب وأغرابًا، رغم أنهم كانوا أجانب وأغرابًا أيضًا قبل أحداث العداء الأخيرة، ولم يتعرضوا لتلك المضايقات، مما جعله يتفهم أن تلك المضايقات التي حدثت مؤخرًا لأبنائه في المدرسة والشارع كانت بوصفهم أتراكًا في المقام الأول وقبل أي وصف آخر،  مما دفعه للتخلِّي تمامًا عن رغبته في أن يعيش أولاده في مصر، وأن يعودوا مع والدتهم إلى تركيا، حتى يصبحوا في مأمن كما يعتقد، ويظل هو هنا في مصر يشرف على أعماله، حتى يجدّ في الأمور جديد، ويصبح تواجده في مصر هو ذاته محظورًا ومثار قلق، وهو ما ينتظره قريبًا كان أو بعيدًا.

ولغاية ما يحصل ده مش هسيب مصر. *هكذا يعلق مؤكدًا.

أسس أتيله في فترة عمله بمصر جمعية تضم رجال الأعمال الأتراك/ المصريين، الذين تتماس تجارتهم وأعمالهم، وذلك بهدف تسهيل مهامهم، والمحافظة على مصالحهم، وربط بعضهم ببعض، يقول عنها: «أسست هذه الجمعية لتنسيق الأوضاع والأعمال بين رجال الأعمال المصريين والأتراك العاملين في نفس المجالات، ووصل عدد أعضائها إلى حوالي 320 رجل أعمال تركيًّا، يتراوح حجم تجارتهم ما بين 600 مليون إلى مليار جنيه».

وعما وصلت إليه الأوضاع بين مصر وتركيا  يقول أتيله: «الشعوب والدول في عمومها بينها الكثير من الخلافات، وهناك الكثيرون ليسوا على حالٍ عظيمٍ من الوفاق، لكنَّ الجهود الدبلوماسية خُلقت لأجل حل المشكلات، ومصر لديها كثير من الخلافات والاختلافات في وجهات النظر مع كثير من الدول، هل معنى ذلك أنها ستتصرف بنفس المنحى الذي تصرفت به مع تركيا؟ هل ستطرد كل سفراء الدول الذين تختلف معهم كما فعلت مع السفير التركي. المواقف تُحل سياسيًا ودبلوماسيًا، أما قرارات طرد السفراء فهي قرارات غير موفقة بالمرة!».

لسنا أتراكًا من الأساس!

استطاع أتيله بوصفه رئيسًا لجمعية (رجال الأعمال الأتراك في مصر) أن يمدّنا ببعض المعلومات حول الشركات والمصانع التي أسسها رجال الأعمال الأتراك في مصر، فهم يمتلكونها وما زالوا يجلسون على قمة هرمها الإداري، ولدى محاولة تواصلنا مع هذه الشركات والمصانع نفوا أن يكون لتلك المؤسسات أي علاقة بالأتراك، أو أن يكون أصحابها من الأتراك، عاكسين بذلك ما عبّر عنه أتيله بأن الكثير منهم لن يحب أن يظهر في الصورة، أو يعبّر عن شخصيته.

«أكل العيش» أبقى من خلافات السياسة

وبعيدًا عن الشركات والمصانع التركية العاملة في مصر، والتي لا يمكن الاستهانة بحجم تجارتها، ولا الصناعات التي أصبحت الفاعل الأساسي فيها، مما دفع الدولة في وقت من الأوقات لتأسيس منطقة صناعية للمستثمرين الأتراك فقط، هناك أيضًا مشروعات صغيرة ومعارض قائمة على البضائع التركية هي مصدر رزق لمصريين يعملون بها.

وتمثل هذا النموذج «أماني خليل»، التي تعمل في أحد المعارض القائمة على المنتجات التركية وبيعها للأسر، تعمل أماني من منزلها، وكل مهمتها متمثلة في ترويج هذه المنتجات لمعارفها وبيعها لهم، ترد أماني على سؤال تأثر العمل الذي تشارك فيه بتوتر العلاقات بين البلدين قائلة:

«بالطبع العمل وحركة البيع والشراء قد تأثرت تمامًا بعد توتر العلاقات إلى هذا الحد، كنّا نقوم بعمل معارض لعرض المنتجات التركية في الجمعيات والمدارس والكنائس، نعرض فيها سلعًا ومنتجات بسيطة، مثل المفارش والبشاكير وغيرها من الأشياء المنزلية، لكن الملفت أن حجم الإقبال على المعارض قلّ بشكل ملحوظ جدًا، ولا أحد يرغب في شراء شيء منّا أو حتى مشاهدة ما نعرضه».

وفي تصريحات صحفية  في فبراير (شباط) 2017، كشف «أتيله أتا سيفن» رئيس جمعية رجال الأعمال الأتراك المصريين، تفاصيل تواصل الجمعية مع المسئولين بالحكومة المصرية، حول مصير الاستثمارات التركية بمصر، في حال زادت التقلبات في العلاقات بين البلدين، قائلًا: «المسئولون بمصر قالوا لنا أنتم أمانة عندنا، ولن يضركم شيء، ونحن قبلكم في الفداء».

تعليقات الفيسبوك