تشهد العلاقات التركية القطرية في السنوات الأخيرة مزيدًا من التقارب المعزز بالروابط التاريخية القوية والانتماءات الثقافية المشتركة، وتطورت هذه الشراكة التي يمكن أن نعدها تحالفًا قطريًا تركيًا بعد وصول حزب العدالة والتنمية التركي إلى السلطة، ثم أصبح هذا التحالف ملموسًا في ظل رئاسة رجب طيب أردوغان لتركيا في صيف عام 2014 .

والآن أصبحت الدولتان حليفتين، تقدّمان في كل المحافل السياسية الدولية الدعم والتأييد لبعضهما البعض، كما تمثلان على جميع الأصعدة الاقتصادية والتجارية والعسكرية نموذجًا مميزًا، فهناك استثمارات متبادلة كبيرة بين البلدين تتجاوز قيمتها عشرات المليارات دولار في قطاعات عديدة من الإعلام إلى البنوك والصيرفة والطاقة والإنشاءات والبنية التحتية والتعليم والبيئة والسياحة، وقد أشارت أرقام أخيرة إلى أن حجم التبادل التجاري بين قطر وتركيا، بلغ نحو 1.3 مليار دولار، بينما بلغ حجم استثمارات القطريين في تركيا حوالي 22 مليار دولار.

التقرير التالي يبحث طبيعة العلاقات التركية القطرية، ويقف على أهم المحطات التي دفعت نحو تقارب قوي على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، مُستشرفًا مُستقبل هذه العلاقة والطموحات المبنية عليها.

حلول مشتركة لقضايا عدة

«إن تركيا وقطر تتفقان على قيم مشتركة، من ضمنها دعم حق الشعوب في الاستقرار والسيادة، ورفض الهيمنة على دول الإقليم أو تقسيمها ونهب خيراتها»، كان ذلك جُزءًا من محاضرة رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داوود أوغلو، في جامعة قطر أبريل (نيسان) الماضي، لتقدم ملخصًا سريعًا لدوافع جمعت البلدين أمام تحديات أمنية مشتركة في منطقة مضطربة.

تقاربت الدولتان بدافع التنسيق الأمني، قبل أن تحملا معًا ملفات سياسية خارجية كالأزمة السورية، حيث دعمت كلتا الدولتين المعارضة السورية ضد النظام السوري منذ البداية. هناك أيضًا ملف القضية الفلسطينية، وبخاصة حصار قطاع غزة الذي عملت الدولتان على تخفيفه عبر المساعدات المستمرة، أو المواقف السياسية المُعلنة في رفضه.

وفيما يخص الثورات العربية، اجتمعت الدولتان على دعم طموحات الشعوب العربية في الحرية والديمقراطية، وقد جعلهما هذا الموقف خصمان مشتركان لدى النظام المصري الحالي، بعد رفضهما الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مُرسي، لذا يرى الباحث التركي المختص بالسياسة التركية العربية، محمد زاهر جول، في حديثه لـ«ساسة بوست»، أن سياسة كل من تركيا وقطر امتازت بالتلاقي «بدعم ومساعدة الخيارات الشعبية والقضايا العادلة، سواء في فلسطين أو العراق أو ثورات الربيع العربي وغيرها، وهذا فتح أبواب التعاون الاقتصادي والتنسيق في معالجة القضايا السياسية المتأزمة في الوطن العربي».

الموقع الهام لمنطقة الخليج العربي، يُحفّز أيضًا نحو تقارب تركيا منها لإحداث توازن سياسي يُمكّنها من لعب دور إقليمي كدولة تريد أن تكون مؤثرة وفعّالة، من الجهة الأُخرى تسعى قطر للحفاظ على وجودها إلى جانب حلفاء أقوياء، وهذا ما أكّد عليه الصحافي المختص في الشأن التركي «عبّو حسّو» الذي أوضح أن التعاون السياسي بين البلدين كان مُنطلقًا من رؤى سياسية متطابقة، كما الأمر في القضية الفلسطينية أو الملفين الليبي والسوري، وكذا فيما بخص الموقف من مصر بخاصة عقب الإطاحة بمرسي وجماعة الإخوان المسلمين.

وقال حسّو لـ«ساسة بوست» إن «الدولتين تجمعهما ثقة متبادلة تتجاوز المصالح الاقتصادية والسياسية، فقطر بمثابة بوابة تركيا إلى منطقة الخليج العربي وشريك قوي وقف إلى جانب تركيا في أصعب أيامها»، من الجهة الأُخرى تركيا هي بوابة قطر إلى أوروبا وممر لخطوط الغاز القطري نحو أوروبا، فضلًا عن كونها منطقة واعدة وآمنة لاستثمارات قطرية بالمليارات، بحسب حسّو.

هذا ويمكن إرجاع قوة العلاقة بين البلدين إلى الزمن السابق أو كما قال السفير التركي في الدوحة، أحمد ديميروك: «لا توجد أي مشكلة في تاريخ علاقاتنا مع قطر«. ويلخص الباحث رتراند فيالا في تقرير نشرته مجلة دراسات الدول الخليجية، السبب في لغة التعاون القوية بين البلدين، من خلال نقطتين، أولهما أن البلدين كانا ضحية للاستعمار الغربي البريطاني خلال القرنين الـ19 والـ20، وقد فشلت بريطانيا في استمالة الشيخ محمد بن قاسم آل ثاني الذي وصف بـ«المخلص للدولة العثمانية» حيث كانت قطر ضمن الإمبراطورية العثمانية، فعلى النقيض من دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى لم يُنظر إلى قطر على أنها متمردة على الدولة العثمانية، وما تزال هذه الحقيقة التاريخية مرتبطة بهذا المستوى الفريد من الثقة المتبادلة اليوم بين أنقرة والدوحة، أما الثانية فتتمثل في كون «العلاقات الحالية المتجددة تتركز على التمكين المتبادل وإعادة أمجاد العثمانيين، وتمكين قطر وتركيا من ترسيخ هويتهما القومية»، حسب فيالا الذي أضاف: «قطر وتركيا لا تعدان نفسيهما بيادق للقوى الغربية، بل على العكس تمامًا، حيث يرى المسؤولون القطريون والأتراك علاقات البلدين على أنها وسيلة لتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية عن القوى الغربية التقليدية وخاصة واشنطن».

الاقتصاد.. بين العقارات والاستثمار المصرفي

بنكهة أناضولية وعلى مساحة تبلغ حوالي 40 ألف متر مربع تحتضن قطر في أبريل (نيسان) القادم «معرض إكسبو تركيا في قطر»، الذي يضم مدينة ثقافية تركية أُوجدت بهدف تعريف الجمهور الخليجي أكثر بالثقافة التركية. وسيشمل المعرض نحو 300 شركة تعمل في قطاعات هامة، بالإضافة إلى حوالي خمسة آلاف رجل أعمال، فيما تعتبر خطوة هامة لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين، في ظل استثمارات مليارية لكل منها في كل منهما.

وفي عام 2003 بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا وقطر حوالي 24 مليون دولار أمريكي، ليصل في عام 2015 إلى 770 مليون دولار، أي أنه حقق زيادة بنحو 20 ضعف، ليصل أخيرًا في عام 2016 إلى 1.3 مليار دولار.

هذه الأرقام دفعت رئيس اتحاد الغرف والبورصات التركية «صاريجكلي أوغلو» لوصف العلاقات بين قطر وتركيا بأنها «وصلت إلى المثالية». ويُمكن رؤية ذلك في الأرقام التي تكشف أن حجم استثمارات القطريين في تركيا بلغ حوالي 22 مليار دولار، فيما تعمل في قطر حوالي 150 شركة تركية في قطاعات حيوية مثل المقاولات والبنى التحتية والصحة، ولأن عدد السياح القطريين الوافدين إلى تركيا بلغ 40 ألف زائر بعد أن كان قبل بضعة سنوات 600 سائح فقط، فقد عززت هذه الأعداد إيرادات قطاع السياحة في تركيا الذي شهد بسبب الظروف الأمنية انخفاضًا بنسبة 29.7% في العام الأخير.

المستشفي التركي في قطر (المصدر: الجزيرة نت)

وتركّز الاستثمارات القطرية بشكل أكبر على القطاع المصرفي، فهي الآن من أكبر المشترين للأصول المالية في السوق التركية، ووفقًا لصحيفة «صباح» التركية فهي مرشحة لتحل محل المصارف الأوروبية في ظل زيادة حركة الاستحواذات الأخيرة.

هذا وقد استحوذ بنك قطر الوطني في ديسمبر (كانون الأول) الماضي على حصة بنك اليونان الوطني «فينانس بنك» في تركيا والبالغة 99.81% مقابل 2.94 مليار دولار، كما أصبح البنك التجاري القطري يمتلك حصة قدرها 75% من «ألترناتيف بنك» التركي الذي يقدم خدمات مصرفية من خلال شبكة تتألف من 64 فرعًا منتشرًا في 21 مدينة في كل أنحاء تركيا، فكما قال مستثمر قطري كبير يمتلك العديد من المشاريع الاستثمارية في تركيا: «إننا نشعر في تركيا بأننا في بلدنا، ونستطيع التواصل مع أعلى المستويات في الحكومتين، ونعمل في ظل أجواء من الثقة المتبادلة«.

فيما يخص تركيا فيركز رجال أعمالها على قطاع الإنشاءات على الأراض القطرية، حتى بات هناك نحو 60 شركة تركية تعمل في قطاع البناء والتشييد بقطر، وهي شركات تمتلك خبرة طويلة في قطاع البناء والعقارات، وكما يقول رئيس قسم الاقتصاد‏ بصحيفة العربي الجديد، مصطفى عبدالسلام لـ«ساسة بوست»: «شهدنا استعانة قطر بالشركات التركية العملاقة لمساعدتها في إنجاز مشروعات كبرى مرتبط بعضها بملف كأس العالم وأخرى مرتبطة بمشروعات البنية التحتية مثل مترو الدوحة وطريق الخور وفنادق وغيرها وفِي المقابل، رأينا استثمارات تركية ضخمة في قطر أحدثها إقامة أول مستشفي تركي بالدوحة باستثمارات ٣٠٠ مليون ريال ومشروعات طرق ومؤانئ وغيرها».

النفوذ الإيراني كدافع للتعاون العسكري

لم يقتصر التقارب التركي القطري على التركيز على الجوانب السياسية والاقتصادية كوسيلة لمواجهة التحديات السياسية وزيادة القوة الاقتصادية، فقد عجلت الدولتان لتعزيز التعاون الأمني بينهما بغية مواجهة المشاكل والتطورات المشتركة بالقوة، فـ«التعاون بينهما مهم للغاية في هذا الوقت الحرج الذي تمر به منطقة الشرق الأوسط»، كما قال السفير التركي في الدوحة أحمد ديميروك، وهنا لا يمكن استبعاد النفوذ الإيراني كدافع لتوثيق هذا التعاون المشترك في تحقيق أمن لمصالح الدولتين.

وبجوار أكبر قاعدة جوية أمريكية في الشرق الأوسط على أراض قطر، أقيمت أيضًا المنشأة العسكرية الأولى لتركيا في الشرق الأوسط. وفي أبريل (نيسان) الماضي نشرت تركيا جنودها المُقدّر عددهم بثلاثة آلاف جندي من القوات البرية والوحدات الجوية والبحرية في هذه القاعدة، وقد خاطبهم داود أوغلو قائلًا: «قطر وطنكم الثاني أنتم لستم في دولة أجنبية»، مُوضحًا بعض دوافع إنشاء هذه القاعدة بقوله: «أستطيع أن أقول لكم الآن إن أمن واستقرار قطر مثل أمن واستقرار تركيا. نريد منطقة خليج مستقرة وآمنة، تركيا وقطر مصير واحد، وتواجهان التهديدات نفسها».

هذه القاعدة نجمت عن اتفاقية وقعت بين البلدين عام 2014، وصادق عليها البرلمان التركي في يونيو (حزيران) الماضي، وتمنح قطر في المقابل إمكانية إنشاء قاعدة عسكرية لها في تركيا. وبموجب الاتفاق ستستفيد تركيا من استخدام الموانئ والمطارات والمنشآت العسكرية في قطر. في هذا الصدد يقول المساعد في جامعة غازي التركية بأنقرة، محمد عاكف أوكور، إن «موقع الخليج العربي الهام من ناحية التوازنات السياسية والاقتصادية هو أحد الأسباب التي دفعت تركيا للتوقيع على مثل هذا الاتفاق.»

ويستمر التعاون العسكري، لتتمخض عن مباحثات مشتركة جرت في يناير (كانون الثاني) الماضي مناقشة المزيد من التعاون في مجال الصناعات الدفاعية في سبيل خلق فرصة جيدة لشركات الأسلحة الدفاعية التركية وزيادة حضورها في السوق الدفاعي القطري المربح ماليًا، وقد سلّمت تركيا مؤخرًا قطر، جهاز محاكاة المروحية «أغستاوستلاند» (AW139)، المصنع من قبل شركة الصناعات الإلكترونية الجوية التركية «هوالسان».

مستقبل يصطدم بروسيا والوحدة الخليجية

كما أسلفنا تشهد العلاقات التركية القطرية تطورًا كبيرًا على شتى الأصعدة، لكن هل تستمر تركيا وقطر في استثمار العلاقة الثنائية وتنميتها؟

ما تزال الكثير من القضايا التي أدت إلى التقارب بين البلدين قائمة، بل تدفع تطوراتها المتلاحقة نحو مزيد من التقارب لتعزيز وضع كلا البلدين، فكما يقول الباحث التركي محمد زاهر جول: «بدأت محطات التقارب منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة السياسية في تركيا، والطموح قائم بأن ترتقي إلى أعلى درجات التعاون الممكنة بين بلدين شقيقين، وبالأخص في التغلب على حل مشاكل المنطقة ذاتيًا».

من جانبه، يرى الباحث رتراند فيالا، أنه «ستستمر الإجراءات سريعة الخطى باتجاه الاستثمارات الضخمة في تعزيز الأبعاد الرمزية والتاريخية لعلاقتهما (تركيا وقطر)، في حين تواجه علاقة تركيا بالغرب بعض التوتّرات على خلفية عدد من القضايا، فعلى الأرجح ستزداد مصلحة أنقرة في تطوير علاقتها بشكلٍ أوثق مع الإمارة العربية الخليجية»، وفيما يخص التعاون الاقتصادي، يتنبّأ رئيس قسم الاقتصاد‏ بصحيفة العربي الجديد مصطفى عبد السلام، بزيادة وتيرة التعاون الاقتصادي بين قطر وتركيا خلال الفترة المقبلة، بخاصة مع المضايقات التي تتعرض لها الاستثمارات الخليجية في الولايات المتحدة بسبب قانون «جاستا»، قائلًا: «كما ستزيد استثمارات قطر بتركيا خلال المرحلة المقبلة مع استمرار حالة القلق السياسي بدول المنطقة وتراجع فرص الاستثمار بها وزيادة التنسيق في الملف السوري ومواجهة تنظيم الدولة».

ومع هذا لا يمكن إغفال بعض العقبات أمام هذا التقارب، فبحسب رئيس قسم المالية والاقتصاد بكلية الإدارة والاقتصاد بجامعة قطر، خالد شمس العبدالقادر، في مقال له بصحيفة الشرق القطرية، فإن هناك مطالب خليجية بضرورة أن يغرد أعضاء دول مجلس التعاون داخل ومع السرب الخليجي لمجلس التعاون، وأيضًا بتبنّي مواقف مشتركة، على حد تعبيره.

هذا يعني أن السياسة الخليجية المشتركة ستكون مصرة على ضبط نمو العلاقات والمواقف الفردية للدولة الخليجية الواحدة في إطار تنسيق خليجي مشترك، قد يعني ذلك عدم تعميق العلاقات القطرية التركية وفقًا للعبد القادر. بالإضافة لذلك هناك تأثير للموقف الروسي، بخاصة فيما يتعلق بمستقبل مشاريع الغاز المشتركة والطموحة بين قطر وتركيا، فروسيا التي عجلت بإدانة محاولة الانقلاب التركي الفاشلة، سارعت في ديسمبر (كانون الأول) 2016 للتوقيع على شراء تركيا كميات استراتيجية من الغاز الروسي، لذا يرى العبد القادر أن «استمرار توجه حزب التنمية والعدالة إلى قطر دون روسيا فيما يتعلق بشأن الغاز سيكون وضعًا غير مريح بالنسبة لما تتوقعه روسيا من تركيا في شأن الغاز وفي إطار العلاقات الجديدة بين روسيا وتركيا».

كما يضيف رئيس قسم المالية والاقتصاد بكلية الإدارة والاقتصاد جامعة قطر تحدٍ ثالث أمام العلاقات القطرية التركية وهو «خطر عدم ثبات نظام الحكم أو عدم ثبات توجهات نظام الحكم في تركيا. وبالتالي فإن العلاقة بين حزب ودولة قد لا تحقق ديمومتها وطبيعة علاقاتها على زمن طويل. فلو نجحت محاولة الانقلاب التي حدثت في تركيا لكانت ستخل بتلك العلاقة بين الدولتين».

المصادر

تحميل المزيد