اتصالاتٌ مكثفة ومفاوضات مكوكية تقودها دول خليجية الآن من أجل إتمام مصالحة بين النظام المصري، وتركيا، ويؤكد خبراء سياسيون أن احتمال عقد مصالحة بين البلدين قائم بقوة.

فمؤخرًا نصحت قطر تركيا باتخاذ خطوات إيجابية لتطبيع العلاقات مع مصر، بعد تدهورها في الفترة الأخيرة، وتؤكد صحيفة زمان التركية أن أمير قطر، طالب أنقرة بتطبيع العلاقات مع مصر، خلال زيارته الأخيرة الأسبوع الماضي، حيث ذكرت الصحفية أن الشيخ تميم أكد للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أنه: “لا محالة من تطبيع العلاقات مع رئيس الجمهورية المصري عبد الفتاح السيسي ومن المؤكد أن هناك فائدة من إعادة تقييم سياساتكم في الموضوع مرة أخرى”.

وكان وزير خارجية تركيا جاويش أوغلو قد أكد وجود وساطة خارجية لم يحددها بين مصر وتركيا، حيث قال في مقابلة مع قناة تي.آر.تي هابر التليفزيونية الرسمية أن “الدول الغربية وكذلك بعض الدول الخليجية تقول إنه يجب إحياء علاقتنا مع مصر ونحن نقول إنه يمكن إحياؤها”.

واشترطت تركيا لإتمام هذه المصالحة اتخاذ الحكومة المصرية خطوات في اتجاه الديمقراطية وإنهاء انتهاكات حقوق الإنسان، وخروج المعتقلين من السجون، وتجسدت إرادة الشعب المصري الحر في السياسة والحياة الاجتماعية، واتبعت القاهرة سياسة شاملة، حسبما نقلته صحيفة حرييت المعارضة.

وينقسم المحللون بشكل كبير حول تقييم التصريحات التركية، فمنهم من يرى أنها محاولة من تركيا لأخذ خطوة للوراء بعد أن أثبت خطأ رهانها على طول الخط على دول الربيع العربي، وأن عليها أن تتبع سياسة أكثر براجماتية وخصوصًا في تعاملها مع مصر، ومنهم من يرى أن التصريحات طبيعية وأنها ربطت المصالحة بشروط جوهرية كعودة الديمقراطية وإصلاح أحوال حقوق الإنسان، بينما يرى البعض أن هناك فريقين في الداخل التركي، أحدهما يتبنى اتخاذ خطوات تصعيدية وعلى رأسه الرئيس رجب طيب أردوغان، وفريق آخر يحرص على اتخاذ موقف أكثر ليونة وعلى رأسه نائب رئيس الوزراء بولنت أرينتش.

كيف توترت العلاقات بين مصر وتركيا ؟

حظيت العلاقات المصرية التركية بتقارب كبير، وزاد تعمق تلك العلاقات بعد فوز جماعة الإخوان المسلمين بالانتخابات الرئاسية وبعدها فوز الرئيس محمد مرسي بالسلطة، فقد وقعت العديد من الاتفاقيات الاقتصادية بين الجانبين، بعد عدة زيارات منحت خلالها تركيا مصر وديعة بقيمة 2 مليار دولار.

ويعود التوتر في العلاقات بين مصر وتركيا إلى بداية الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي، حيث اعتبرت تركيا أن عزل مرسي بمثابة انقلاب عسكري، وأن ما حدث تعدٍ على الحقوق والحريات، واتهامهم بالاستيلاء على السلطة والانقلاب على رئيس منتخب.

وبعد الفض الدموي لاعتصام رابعة في أغسطس 2013، كانت تركيا من أكثر الدول جرأة في استنكار تلك الجريمة، فتبادلت كل من أنقرة والقاهرة استدعاء سفيريهما، وأعلنت الخارجية المصرية إلغاء مناورات بحرية كانت من المقرر أن تقام بين البلدين. وفي أواخر شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قررت مصر طرد السفير التركي، وخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية بين البلدين من مستوى السفراء إلى مستوى القائم بأعمال، وردت تركيا بخطوة مماثلة، وخلال المحافل الدولية كان تتوالى الانتقادات التركية لسلطات الانقلاب لانتقاد السيسي، واحتضنت تركيا جماعة الإخوان المسلمين، وقدمت لهم الدعم السياسي والمالي والإعلامي.

هل تدفع المصالح الاقتصادية  تركيا لرضوخ للمصالحة للحد من خسائرها في مصر؟

يملك الأتراك مصالح اقتصادية كبيرة مع مصر، وتستفيد مصر من هذه المصالح. بدأت زيادة العلاقات الاقتصادية بين البلدين خلال فترة حكم الرئيس محمد مرسي، فقد وقعت في هذه الفترة اتفاقية مجلس التعاون الإستراتيجي عالي المستوى، كما وقعت منذ ذاك الحين حتى الآن على ما يقارب 40 اتفاقية في مجالات التجارة والعلوم والتكنولوجيا والطاقة والدفاع والبنوك والسياحة والنقل، وتوضح بيانات وزارة الصناعة والتجارة المصرية، أن حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا عام 2012 بلغ نحو 5 مليارات دولار، أكثر من 90 في المئة منها صادرات تركية لمصر، وبلغ حجم الاستثمارات التركية في مصر نحو 1.5 مليار دولار، تتركز في قطاعات الغزل والنسيج والملابس الجاهزة وقطع غيار السيارات. كما يرتبط البلدان باتفاقية تجارة حرة، وهناك ما يقارب من 230 مصنعًا تركيًا في مصر، يعمل فيها 50 ألف عامل.

لكنه فور توتر العلاقات المصرية التركية إثر الانقلاب، أخذت الحكومة المصرية بالتضييق على حركة التِّجارة من خلال الخطّ المِلاحي التُّـركي، الذي يُورّد البضائِع إلى دول الخليج عبْر مصر. ورغم إجماع المحللين المصريين على أن تركيا هي الخاسر الأكبر من قطع العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلا أنه لا يمكن تجاهل استفادة مصر من تركيا التي تتمتع بوضع اقتصادي متقدم، فهي تعدّ سادس أكبر نظام اقتصادي في القارة الأوروبية، إلى جانب اعتماد الأسواق المصرية بشكل كبير على المنتجات التركية.

لذا فإن المصالح الاقتصادية حسب المحللين المصريين ستدفع تركيا إلى الرضوخ للوضع الراهن للحد من خسائرها في مصر، خاصة أن الدول الإقليمية المؤيدة للنظام المصري القائم وعلى رأسها دول الخليج ستضعف الموقف التركي وذلك بممارستها ضغوطًا اقتصادية على أنقرة.

ما هو مصير الإخوان المسلمين حال إتمام مصالحة بين مصر وتركيا؟

رغم أن تصريحات المسئولين الأتراك تعكس مواقف إيجابية على الإخوان المسلمين جراء هذه المصالحة  من حيث اشتراط تركيا لتعزيز الديمقراطية في مصر، ووقف انتهاكات حقوق الإنسان والظلم وإخراج المعتقلين إلا أن محللين يعتقدون أن هذه المصالحة قد لا تنعكس بخير على الإخوان، وهناك من يخالفهم هذا الموقف.

نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والإستراتيجية مختار الغباشي يعتقد أن تركيا قد تتخلى عن دعمها للإخوان في سبيل مصلحتها، حيث إن السياسة لا تعتمد على أشخاص أو تيارات، وإنما على مصالح، كما يتوقع الكاتب والمحلل السياسي أحمد غانم تضييقًا قطريًا تركيًا على الإخوان لقبول الوضع الراهن وخطة المصالحة، مقابل حصول قطر على مزايا استثمارية في مصر ومزاحمة الإمارات العدو اللدود سياسيًا في مصر، وتوسع الدور السياسي الإقليمي لتركيا مع سقوط نظام بشار الأسد.

وعلى النقيض، يستبعد الباحث بمعهد “سيلتا” التركي مصطفى زهران وجود أثر سلبي على الإخوان  جراء هذه المصالحة، وينوَّه إلى أن الصراع القائم في مصر الآن بين نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، وجماعة الإخوان المسلمين سوف ينتهي في القريب العاجل، وفي كل الأحوال سوف ينتهي المشهد القائم أيًا كان الطرف المنتصر، ويستبعد زهران اتخاذ تركيا إجراءات ضد الإخوان كترحيل قيادات التنظيم المتواجدين في تركيا، ويوضح أن الاتفاقية –حال التوصل إليها- ستشمل تهدئة اللهجة التي يتبعها رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، خلال حديثه عن النظام المصري، والتوقف عن التشهير بمصر في المجتمع الدولي؛ حيث لا يمكن لأي طرف أن يفرض على الآخر من يستضيفه على أرضه.

ما أثر المصالحة “المحتملة”على العلاقات التركية الخليجية؟

 يشكل فتور علاقة تركيا بدول الخليج بسبب الاختلاف حول الوضع في كل من سوريا ومصر دافعًا قويًا  في تغير وجه نظر تركيا  تجاه مصر، لذا تحاول تركيا تحييد دول الخليج تجاهها بعد هذه المصالحة وذلك بهدف تكثيف الجهود في المواقف المشتركة والقضايا المتفق عليها مثل إزاحة نظام الأسد وتقوية السنة في العراق. إضافة للفوائد الاقتصادية التي ستجنيها أنقرة من تحسن العلاقات مع مصر ودول الخليج، ويرى المحللون أن هناك  رغبة لدى تركيا  في أن تعيد رسم سياستها، حيث ترغب تركيا في العودة قدر استطاعتها إلى سياسة تقليل المشكلات مع دول الجوار  في ظل صعوبة الحديث عن تصفيرها.

وينقل عن نائب رئيس الوزراء التركي بولنت أرينتش القول بأنّ “حالة الفتور الذي أصاب العلاقات التركية مع بعض الدّول الخليجية  لن تدوم طويلاً بسبب العلاقات التّاريخية والرّوابط الأخويّة والعوامل الجغرافية المشتركة التي تربط بين الشعبين العربي والتركي”.

وهذا ما يؤكده أيضًا نائب رئيس الوزراء التركي بولند أرين حيث قال أرين أن الفتور في علاقات بلاده مع دول الخليج سيزول وستتغير العلاقات بسرعة إذا تمت المصالحة مع مصر، مضيفًا: “لدينا علاقات عريقة وعميقة وتاريخية، من غير الممكن أبدًا أن نكون بعيدين عن بعضنا، وأن نتصرف ببرود إزاء بعضنا البعض. هذا وضع غير عادي، ويجب إزالته حتمًا”.

وأكد أرين على أهمية الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج الأخرى بالنسبة لتركيا، وقال: “باختصار تركيا بحاجة، على صعيد السياسة الخارجية، إلى علاقات صداقة طيبة تستند إلى التفاهم المتبادل، على الأخص مع مصر ودول الخليج والكويت وجميع البلدان في الشرق الأوسط”.

المصادر

تحميل المزيد