أشارت دراسة جديدة إلى أن غالبية السكان اليهود في عالمنا الحديث، ينحدرون من تركيا القديمة، وليس كما كان يعتقد سابقًا من أن أصولهم تعود إلى أماكن أخرى في الشرق الأوسط.

وأشار البحث إلى أن معظم السكان اليهود، في أوروبا الشمالية والشرقية، والمعروفون باسم اليهود الأشكيناز، ينحدرون من اليونانيين والإيرانيين، وغيرهم الذين استعمروا ما يعتبر الآن مناطق شمال تركيا، منذ أكثر من ألفي عام، والذين اعتنقوا الديانة اليهودية بعد ذلك، ربما في القرون الأولى الميلادية، على يد اليهود من بلاد فارس. في تلك المرحلة، كانت الإمبراطورية الفارسية موطنًا لأكبر الجاليات اليهودية في العالم.

أصل اليهود

ووفقًا لهذا البحث الذي قام به عالم الوراثة الإسرائيلي المولد، والأستاذ في جامعة شيفلد، «إيران الحايك»، فإن أكثر من 90% من الأشكيناز، ينحدرون من أجدادهم اليونانيين، الذين استوطنوا مناطق شمال تركيا. واستند هذا البحث على أدلة جينية وتاريخية ومكانية.

وفيما يتعلق بتجميع الأدلة الجينية الجغرافية لهذا البحث، الذي نشر في المجلة البريطانية للعلوم؛ استخدم الحايك نظام «نمذجة حاسوبي»، يتعلق بالهيكل الجغرافي والبشري؛ ليتمكن من تحويل بيانات الحمض النووي لليهود الأشكيناز، إلى معلومات جغرافية. ويعتقد عالم الوراثة، الحاصل على شهادة الدكتوراة في التطور الجزيئي، من جامعة «هيوستن» الأمريكية، أن هناك القرى التركية الثلاث، التي لاتزال قائمة حاليًا، «إسكينازي وأيسكينازي، وأشاناز»، والتي تقع في الجزء الجغرافي الخاص بموطن الأشكيناز، في الجزء الغربي من طريق الحرير القديم، هي جزء من موطن اليهود القدماء.

ويُمثّل طريق الحرير القديم مجموعة من الطرق المترابطة، كانت تسلكها القوافل، وتمر عبر جنوب آسيا، واصلَا المراكز التجارية في شمال الصين بمناطق أخرى؛ إذ ينقسم لفرعين: الفرع الشمالي يمر عبر شرق أوروبا، وشبه جزيرة القرم، حتى البحر الأسود، وبحر مرمرة، والبلقان، وصولًا إلى البندقية. والفرع الجنوبي، يمر عبر تركستان وخراسان وكردستان والأناضول وسوريا، عبر تدمر، وصولًا إلى أنطاكية التركية، فالبحر المتوسط، أو عبر بلاد الشام، حتى مصر وشمال إفريقيا. وكان تأثير هذا الطريق يمتد أيضًا، حتى كوريا واليابان. هذا الطريق كان له أثر كبير على ازدهار كثير من الحضارات القديمة، مثل الصينية والمصرية والرومانية والهندية.

اليهود

هجرة يهود أوروبا


وأشار الحايك أن شمال شرق تركيا، هي المنطقة الوحيدة في العالم، التي تتواجد بها هذه الأسماء، كأسماء لأماكن معينة، ومنذ فترة التسعينيات للقرن السابع الميلادي، واجه اليهود اضطهادات كبيرة من قبل الإمبراطورية البيزنطية المسيحية، ويبدو أن هذا الأمر لعب دورًا هامًا في فرار اليهود عبر البحر الأسود، إلى مناطق أكثر أمانًا، وتحديدًا إلى امبراطورية «الخزر» التي حكمتها سلالة الترك مع السلافيين. وفي الثلاثينات من القرن الثامن الميلادي بدأت مملكة الخزر تتحول إلى اليهودية.

وأشارت بعض التحليلات السابقة أن اللغة «اليديشية» قد تكون مشتقة في الأصل من اللغة «السلافية»، ويعتقد الحايك، وآخرون أن اليديشية (أو اللغة اليهودية) طورت في القرن الثامن والتاسع الميلادي على يد التجار اليهود على طول بعض المناطق الشمالية لطريق الحرير. واليديشية هي اللغة التاريخية لليهود الأشكيناز التي ظهرت بشكل واضح في وسط أوروبا في القرن التاسع، التي أخذت مفرداتها من «الجرمانية» العامية «والعبرية» و«الآرامية» و«السلافية».

واللغات السلافية هي اللغات الأوروبية المنسوبة للشعوب السلافية التي نشأت أساسًا في منطقة شرق أوروبا، وتعيش في عدة مناطق في وسط أوروبا، وشرقها، وجنوب شرقها، وشمال آسيا، ووسطها.

ما بعد الخزر

ولكن مع ضعف إمبراطورية الخزر، وفقدانها لقوتها في القرن 11، بعض من سكانها اليهود من شبه المؤكد أنهم هاجروا منطقة وسط أوروبا. هناك، ونتيجة لتواصل التجار اليهود ذوي اللغة اليديشية مع سكان مناطق وسط أوروبا في القرون السابقة، وخصوصًا الشعوب الناطقة بالجرمانية، بدأ اليهود يستبدلون بالكلمات السلافية في لغتهم اليديشية عددًا كبيرًا من الكلمات الجرمانية أو المنحدرة من الجرمانية، لكن اليهود حافظوا على بعض القواعد اللغوية الخاصة بالسلافية كما هي. أيضًا لوحظ أنه مع مرور الوقت بدأ إضافة أعداد كبيرة من الكلمات العبرية أيضًا.

واستند النموذج الوراثي الذي استخدمه الحايك على بيانات الحمض النووي لـ367 يهودي من شمال وشرق أوروبا، بالإضافة للحمض النووي لأكثر من 600 شخص من غير اليهود وتحديدًا من أوروبا وغرب آسيا. وتعتبر هذه أكبر دراسة جينية تجرى على اليهود الأشكيناز. ومن المقرر إجراء المزيد من الأبحاث؛ في محاولة لقياس الحجم الدقيق للمدخلات الوراثية السامية في المحتوى الجيني اليهودي، وغير اليهودي.

اليهود

الخزر الآن

الأشكيناز

ويمثل الأشكيناز تقسيمًا عرقيًا يهوديًا، الذي اندمج معًا كمجتمع منفصل لليهود في الإمبراطورية الرومانية المسيحية قرب نهاية الألفية الأولى من الميلاد، ويقصد بهم اليهود الجرمان. ويعتقد أن كلمة أشكيناز مشتقة من كلمة (Ashguza)، وهو الاسم «الأشوري» و«البابلي» القديم لقاطني منطقة «أوراسيا» في العصر الحديدي، والمعروفون باسم «السكيثيين».

وأسس الأشكيناز مجتمعات خاصة بهم في جميع أنحاء أوروبا الشرقية والوسطى، والتي كانت تمثل المنطقة الرئيسة للوجود اليهودي، حتى ما قبل العصر الحديث. في هذه المجتمعات طور الأشكيناز خواصهم المميزة وهوياتهم المشتتة.

وفي أواخر العصور الوسطى، تحول مركز الثقل لليهود الأشكيناز إلى الشرق بشكل متزايد بعيدًا عن الأراضي الجرمانية باتجاه بولندا وليتوانيا وبيلاروسيا وأوكرانيا. وخلال القرنين 18 ، 19، فإن هؤلاء اليهود الذين بقوا في مناطقهم الجديدة، أو عادوا إلى الأراضي الجرمانية من جديد شهدوا عملية تحول وتغيير ثقافي واضحة، وذلك تحت تأثير الـ«هاسكالا»، وهي حركة التنوير اليهودية التي بدأت في ذلك الوقت، والتي تدعو للاندماج في المجتمع الأوروبي، وزيادة التعلم في الدراسات العلمانية، واللغة العبرية، والتاريخ اليهودي، وقد أدت هذه الحركة لاحقًا إلى إنشاء أول حركة سياسية يهودية من أجل التحرر.

وتحت تأثير نضال اليهود من أجل التحرر والهياج الفكري والثقافي الذي شهدته المراكز الحضرية الأوروبية، تخلى الأشكيناز تدريجيًا عن استخدام اللغة اليديشية مع تطوير أشكال جديدة من الحياة الدينية اليهودية والهوية الثقافية.

اليهود

الأشكيناز في وسط أوروبا في القرن التاسع عشر

وقد نسج الأشكيناز في ذلك الوقت الإبداع في نسيج الحياة الأوروبية طبقًا لكثير من المصادر، كما قدموا مساهمات رائعة للبشرية عامًة وإلى الثقافة الأوروبية، خصوصًا وأن ذلك في العديد من المجالات، مثل الفلسفة والأدب والفن والموسيقى والعلوم. فنلاحظ أنه حتى قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، كان هناك الكثير من المبدعين في مجالات العلوم والفكر من اليهود، والذين حصلوا على الكثير من الجوائز المرموقة، «أينشتاين» و«ماري كوري»، وغيرهم الكثيرين.

ويلاحظ أن اليهود الأشكناز كانوا يمثلون في القرن الحادي عشر ما نسبته 3% فقط من إجمالي اليهود حول العالم، لكن الأشكيناز وصلوا إلى أعلى نسبة لهم وسط اليهود عام 1931 بنسبة 92%، ولكن بعد الحرب العالمية الثانية مباشرًة توقف عدد اليهود الأشكناز عند الرقم 16.7 مليون نسمة؛ نظرًا للمآسي التي تعرضوا لها في ذلك الوقت.

ويصل عدد الأشكناز حاليًا حول العالم ما بين 10 – 11.2 مليون نسمة، نصفهم تقريبًا يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، وحوالي 2.8 مليون نسمة في إسرائيل، وما بين ربع إلى نصف مليون نسمة في روسيا، ونسب قليلة أخرى موزعة في الأرجنتين والمملكة المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا وغيرها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد