لم يكن أكثر المتفائلين من أنصار حزب العدالة والتنمية التركي سواء داخل تركيا أو خارجها يتوقع الإنجاز الانتخابي الذي استطاع الحزب أن يحققه في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني، بمقارنته بنتائجه في استحقاق 7 يونيو/ حزيران قبل أقل من 5 أشهر فقط. ووفقًا للنتائج الأولية (1)، فقد حصد حزب العدالة والتنمية على نسبة تقترب من 49.5% من إجمالي الأصوات، ليرفع بذلك نسبة التصويت له بمدل 9% بالمقارنة مع انتخابات يونيو/ حزيران، أي ما يعادل أكثر من 4 ملايين ناخب جديد، ولترتفع عدد مقاعده إلى ( 316-317 )مقعدًا وفقًا للتقديرات الأولية، مقارنة بـ258 مقعدًا فقط في الانتخابات الأولى، والتي أفقدته الأغلبية البرلمانية المطلقة لأول مرة منذ 12 عامًا.

(1) بين استحقاقي يونيو ونوفمبر

بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات حوالي 86% مقارنة بـ85% في انتخابات يونيو/حزيران، وقد احتفظ حزب الشعب الجمهوري (الكمالي) بذات نسبة التصويت التي حصل عليها في انتخابات يونيو ليحصد نسبة 25.4% من الأصوات مقارنة بـ24.8% من الأصوات، وبزيادة مقعد واحد تقريبًا فقط، ويرجع الخبراء هذه الزيادة الطفيفة إلى أصوات بعض الليبراليين (المتطرفين) من القاعدة الشعبية للحزب الذين صوتوا لصالح حزب الشعوب الديموقراطي في انتخابات يونيو/حزيران، بهدف دفع الحزب الكردي لتخطي الحاجز الانتخابي والخصم من رصيد العدالة والتنمية.

أما أكبر الخسائر فكانت في الأحزاب القومية بشقيها التركي والكردي، حيث فقد حزب الحركة القومية بزعامة دولت بهجلي أكثر من 4% من أصواته ليهبط من 16 إلى 11.9 بالمائة من الأصوات؛ أما حزب الشعوب الديمقراطي، كردي التوجه، فكانت خسارته أقل نسبيًّا، وقد حقق 10.7 بالمائة من الأصوات، مقابل 13 بالمائة في انتخابات يونيو/حزيران. وقد منحت هذه النتيجة حزب الشعوب الديموقراطي المرتبة الثالثة في مقاعد البرلمان (59 مقعدًا) مقابل (41 مقعدًا) فقط لحزب الحركة القومية، لذا تعد هذه الانتخابات هزيمة ساحقة لحزب الحركة القومية.

(2) لماذا خسرت المعارضة؟

استفادت المعارضة بشكل كبير من التصويت العقابي ضد الحزب الحاكم في انتخابات يونيو/ حزيران، حتى إن بعض الليبراليين من القاعدة الانتخابية لحزب الشعب الجمهوري قد صوتوا لصالح حزب الشعوب الديموقراطي من أجل تخطي العتبة الانتخابية ودخول البرلمان، وقد منح الناخبون الأتراك الأحزاب المعارضة الثلاثة قرابة  58% من الأصوات في جولة يونيو/ حزيران، وبزيادة أكثر من 13% عن حصة الحزب الحاكم الذي فشل في تشكيل الحكومة بمفرده لأول مرة منذ صعوده إلى السلطة في عام 2002.

فشلت المعارضة، كما هو متوقع، في صناعة ائتلاف حاكم لإقصاء العدالة والتنمية من الحكم، كما رفضت الأحزاب الثلاثة، بأشكال مختلفة، الدخول في حكومة ائتلافية مع حزب العدالة والتنمية، وبخاصة حزب الحركة القومية الذي جاهر برفضه جميع الخيارات، حيث رفض الدخول في حكومة ائتلافية مع العدالة والتنمية، كما رفض تشكيل ائتلاف حاكم يضم أحزاب المعارضة الثلاثة، كما أعلن الحزب رفضه الذهاب إلى  انتخابات مبكرة أيضًا، في حين طلب حزب الشعب الجمهوري مطالب تعجيزية بشأن تغيير السياسة الخارجية، كما طالب أيضًا أن يكون منصب رئيس الوزراء خاضعًا للتناوب (3).

دولت بهجلي زعيم حزب الحركة القومية

 

 
انعكست المواقف المتعنتة لرئيس الحزب دولت بهجلي على التماسك الداخلي للحزب الذي شهد خلافات كبرى تسببت في خروج عدد كبير من أعضائه، وبالتبعية الـتأثير على قاعدته الانتخابية، وكانت ذروة الانشقاقات داخل صفوف الجزب ما أعلن عنه في 21 أكتوبر/ تشرين الأول من انشقاق 150 من أعضاء الحزب وانضمامهم رسميًّا لحزب العدالة والتنمية، والتي جاءت في أعقاب استقالة 100 عضو من أعضاء الحزب قبل ذلك التاريخ بأسبوع (2)، وكان أبرز من قدموا استقالتهم من الحزب نائب رئيس الوزراء “تورغول تروكيش” الذي خاض الانتخابات تحت قوائم العدالة والتنمية.

على الجانب الآخر، فقد جاء في المرتبة الثانية ضمن قائمة الخاسرين حزب الشعوب الديموقراطي الكردي، الذي نجح في دخول البرلمان للمرة الأولى بعد انتخابات يونيو/ حزيران، ويرجع الخبراء سبب تراجع شعبية الحزب إلى فشله في وضع حدود فاصلة بينه وبين حزب العمال الكردستاني الانفصالي الذي يخوض حربًا ضد الدولة التركية استمرت لأعوام. حيث تغاضى الحزب عن توجيه أي إدانة أو لوم لأعمال العنف التي تورط فيها الحزب وتسبب في مقتل عدد من رجال الأمن الأتراك، كما دعم الحزب بشكل كبير تحركات بعض الدوائر المحلية في التكتلات التركية لإنشاء حكم ذاتي.

ويرى مراقبون أن حزب الشعوب الديموقراطي قد أصابته نشوة الفوز بعد انتخابات يونيو/حزيران، وظن أنه قد أمن موقعه بصفته ممثلًا سياسيًّا حصريًّا لأكراد تركيا، ولكن تعزيز ارتباطه بحزب العمال الكردستاني خلال الأشهر الفاصلة بين الجولتين الانتخابيتين، إضافة إلى انهيار عملية السلام مع الأكراد قد حول دفة قطاع كبير من الناخبين الأكراد نحو حزب العدالة والتنمية، الذي كان خيارهم الانتخابي الأول على مدار الجولات السابقة بسبب تأييده للنهج السلمي، إضافة إلى بعض الحقوق التي منحها للأكراد.

ويبدو أن تركيبة الأكراد في تركيا أعقد من أن يتم تبسيطها خلف ممثل حصري كحزب العمال الكردستاني علماني التوجه، أو حتى حزب الشعوب الديموقراطي، حيث تظهر إحصاءات أن هناك 3000 تركي يقاتلون في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية معظمهم من الأكراد (3)، كما أن معظم أعضاء شبكة «دوكوماشي»، التي تتوجه إليها أصابع الاتهام بشأن تفجيرات أنقرة الشهر الماضي هم من الأكراد، ما يلقي خلفية حول الميول السياسية والأيدولوجية شديدة التنوع بين أكراد تركيا، ومنهم العديد من المحافظين الذين ربما فضلوا التصويت لحزب العدالة والتنمية أكثر من حزب الشعوب الذي ترسخت علاقته بحزب العمال.

(3) هل صوت الناخبون الأتراك لصالح الاستقرار؟

للأتراك ميراث سيئ مع الحكومات الائتلافية، حيث إنها غالبًا ما كانت تنتهي بتدخل الجيش (5)، ثم سيطرته على مقاليد الحكم، أشهر النماذج على ذلك هو الانقلاب العسكري الذي وقع في سبتمبر/ أيلول عام 1980، بقيادة كنعان إيفريل، والذي أنهى الحكومة الائتلافية، برئاسة سليمان ديميرل. وفي انتخابات ما بعد الانقلاب عام 1983، نجح حزب الوطن الأم في الحصول على الأغلبية بشكل منفرد، قبل أن تنتقل تركيا إلى عهد الائتلافات الحاكمة مرة أخرى في عام 1991 حين شكل الائتلاف الحاكم بين حزب الطريق القويم بزعامة سليمان ديميريل ائتلافًا مع حزب الشعب الديمقراطي الاشتراكي الذي كان يتزعمه في هذا التوقيت أردال إينونو.

كما تم إنهاء الائتلاف الحاكم الذي أعقب انتخابات عام 1995 بين حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان، وحزب الطريق القويم بانقلاب عسكري ناعم أيضًا قبل أن يشكل حزب اليسار الديمقراطي بزعامة بولنت أجاويد حكومة ائتلافية مع حزبي الوطن الأم والعمل القومي.

ارتبط صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 بالنهاية الأطول لعهد الحكومات الائتلافية حيث شكل الحزب 3 حكومات متصلة بمفرده مستندًا إلى نجاحه في الحصول على الأغلبية البرلمانية، ونجح خلال هذه الفترة بفضل مناخ الاستقرار السياسي في تحقيق طفرة اقتصادية كبرى، إضافة إلى تطوير مكانة تركيا على الصعيد السياسي العالمي. ولكن عدة اضطرابات داخلية وخارجية واجهت الحزب الحاكم خلال العامين الأخيرين، منذ أحداث تقسيم في مايو 2013 (6)، إضافة إلى مواجهته الداخلية مع جماعة كولن التي كانت أبرز العناوين المسيطرة على الحياة السياسية التركية حتى ما قبل انتخابات يونيو/ حزيران، ثم تداعيات الأزمة السورية وقضية المهاجرين، إلى تجدد العنف من قبل حزب العمال الكردستاني، ثم نشاط تنظيم الدولة الإسلامية، وأخيرًا مشروع النظام الرئاسي المثير للجدل الذي طرحه الرئيس أردوغان، يبدو أنها كلها كانت عوامل تسبب في انحراف المزاج الانتخابي التركي ودفعه إلى أن ينحى منحًا ائتلافيًّا في انتخابات يونيو/ حزيران.

ولكن يبدو أن أحزاب المعارضة لم تكن على قدر المسؤولية التي منحها إياها الناخب التركي، فقد فشلت جميعًا في الدخول في أي ائتلاف سواء مع العدالة والتنمية، أو مع بعضها البعض، وساهمت حالة عدم الاستقرار السياسي في تدهور اقتصادي ملحوظ، وانخفضت قيمة الليرة التركية، وارتفعت وتيرة أحداث العنف من قبل حزب العمال وتنظيم الدولة الإسلامية، وارتبطت بعض أحزاب المعارضة بدعم أعمال العنف أو على الأقل السكوت عنها. وقد ركزت الحملة الانتخابية للحزب الحاكم على هذا الوتر بشكل ملحوظ، وقد آتى ذلك ثماره بأكثر مما هو متوقع حيث بدا أن عددًا كبيرًا من الناخبين قد منحوا أصواتهم من جديد لصالح الاستقرار وحكومة الحزب الأوحد.

(4) هل أثر نشاط تنظيم الدولة الإسلامية على مجريات الانتخابات؟

لفترة طويلة ظلت العلاقة الحاكمة بين الدولة التركية وتنظيم الدولة الإسلامية غير محددة المعالم بشكل كبير، وربما عمد الطرفان إلى إبقاء الأمر كذلك بشكل متعمد بما يحقق مصالح كل منهما. فمن ناحية، كانت تركيا تخشى أن مشاركتها في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية سوف تصب بشكل مباشر في مصلحة الأكراد في سوريا(7) مع دعم تياراتهم الرئيسية للميول الانفصالية لحزب العمال. من ناحية أخرى كانت تركيا ترغب في تجنب أن تصير البلاد مسرحًا لعمليات الدولة الإسلامية خاصة في ظل ضعف الرقابة على الحدود الذي فرضته حقيقة سماح تركيا بالتدفق الإنساني للاجئين، إضافة لدعمها لبعض فصائل المعارضة السورية. من ناحية أخرى استفادت الدولة الإسلامية من الحدود التركية كمناطق آمنة للتجهيز وتلقي الدعم، إضافة للتجنيد، خصوصًا من بين صفوف المحافظين من أكراد تركيا.

كانت مشاركة تركيا في عمليات التحالف الدولي نقطة تحول بارزة، فمنذ الضربات الجوية الأولى في أغسطس/ آب الماضي كان هناك قلق بشأن هجمات انتقامية من قبل المجموعة داخل تركيا، وبخاصة مع امتلاكها لشبكة كبيرة من المجندين والمنازل الآمنة في العديد من المدن، وبخاصة إسطنبول. وعلى الرغم من ارتفاع نبرة العدائية من قبل التنظيم ضد الحكومة في تركيا، إلا أنها لم تعلن مسؤوليتها عن تنفيذ أي عمليات داخل الأراضي التركية، وهي عكس عادة التنظيم الذي يعمد إلى صناعة بروباجندا قوية لعملياته(8).

ظهرت الدولة الإسلامية بشكل بارز لأول مرة في تفجيرات سروج في يوليو/ تموز، ثم في تفجيرات أنقرة في أكتوبر/ تشرين الأول قبل الانتخابات بأيام، وهي الرسالة التي فهمها الناخب التركي على أنها أحد تداعيات مناخ القلق الانتقالي في البلاد، والذي تسبب في تشجيع قوى إقليمية على التعدي على حدود تركيا ومصالحها، بما في ذلك كل من الأكراد، والدولة الإسلامية، وهما فصيلان متحاربان في سوريا. كما ساهم قيام الولايات المتحدة بتزويد أكراد تركيا بالسلاح في تعزيز مخاوف الناخبين الأتراك، الذين صوتوا لصالح تعزيز سيطرة الدولة وإنهاء المناخ الانتقالي في البلاد.

(5) هل أثمرت التغييرات الداخلية في الحزب الحاكم؟

ما بين انتخابات يونيو وانتخابات نوفمبر، يبدو أن حزب العدالة والتنمية قد بذل جهدًا كبيرًا في تفهم رسالة الناخب التركي؛ فشرع في أجراء جملة تعديلات هامة شملت قوائم مرشحيه وبرنامجه الانتخابي ورموزه وحتى أولوياته الدعائية يمكن أن نجمل أبرزها فيما يلي:

1- خلال المؤتمر العام للحزب في 12 سبتمبر/ أيلول الماضي، اتخذ الحزب قرارًا جوهريًّا بتغيير قانونه الداخلي والسماح لنوابه للترشح لفترة ثالثة(9)، ما سمح بترشح عدد كبير من النواب المخضرمين للحزب أمثال بشير أتالاي وتنر يلدز، وساهم هذا الأمر في تقوية القوائم الانتخابية للحزب، حيث رصد الحزب أن أحد أسباب ضعف التصويت له في جولة يونيو هو كثرة الوجوه الجديدة للمرشحين (10).

2- خاض العدالة والتنمية الانتخابات الأخيرة ببرنامج انتخابي أكثر تفصيلًا، وأكثر التصاقًا باحتياجات كل منطقة، تقلصت مساحة الوعود الاقتصادية العمومية والحديث المفرط حول مكانة تركيا والمشروعات الضخمة (11) لصالح برامج أكثر تفصيلية والتصاقًا بهموم المواطن التركي كزيادة الرواتب والمعاشات، وتحسين أجور العمل، و تحسين ظروف سكنات الطلاب، والحد الأدنى للأجور، وتيسير القروض للمشروعات الشبابية.

3- اختفى الحديث حول الدستور الجديد والنظام الرئاسي تقريبًا من الجدول الانتخابي للعدالة والتنمية، ووفق تقييم الخبراء، فقد كان هذا الأمر أحد أهم العناوين الاستقطابية التي أسهمت في زيادة نسبة التصويت العقابي ضد الحزب. ولم يتطرق أردوغان، الذي حاول كبح جماح تأييده لحزبه مقارنة بالدورة الانتخابية السابقة،  أو رئيس الحزب داوود أوغلو إلى الحديث في أمر الدستور لطمأنة المتخوفين من توسيع نفوذ أردوغان.

4- تقلص احتكار أردوغان للساحة السياسية بشكل كبير، وبرز داوود أوغلو إلى الواجهة بشكل لافت، وزار داوود أوغلو معظم المحافظات التركية خلال فترة الإعداد للانتخابات وشاركهم أنشطتهم اليومية؛ ما دفع إلى تغيير الصورة النمطية حول سيطرة أردوغان بمفرده على الحزب، وإيمان قطاع كبير من الناخبين بأن الحزب قد شرع في إجراء تغييرات جوهرية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد