المظاهرات وأحداث الشغب والتخريب التي شهدتها إسطنبول ومدن تركية أخرى في صيف عام 2013، بحجة الاحتجاج على قطع أشجار في منتزه “غزي باركي” بميدان “تقسيم” الشهير، كانت محاولة انقلاب معقدة، تم التخطيط لفصولها بدقة وعناية. وشغلت تلك الأحداث الرأي العام ووسائل الإعلام المحلية والدولية لمدة طويلة، وما زالت الجهود تبذل لتفكيك ألغازها ومعرفة ملابساتها.

المسرحية شاركت فيها أطراف كثيرة، ولعب كل واحد منها دوره؛ مجموعات يسارية متطرفة وإعلاميون وفنانون وقراصنة كمبيوتر، وسياسيون معارضون ورجال أعمال ووسائل إعلام أجنبية، بالإضافة إلى “الكيان الموازي” المتغلغل في أجهزة الدولة.

اعتصم بعضهم في منتزه “غزي باركي”، وبعضهم قام بتمويل اعتصام المتظاهرين، وبعضهم هاجم المعتصمين واستخدم ضدهم قوة مفرطة وأحرق خيامهم لصب الزيت على النار، وبعضهم اشتبك مع قوات الأمن وقام بتخريب الممتلكات العامة والخاصة، وبعضهم نقل كل هذه الأحداث إلى الرأي العام التركي والرأي العام العالمي. وظن كثير من الناس الطيبين أن هذه الأحداث مجرد احتجاجات شعبية، على غرار المظاهرات التي خرجت في دول الربيع العربي. وكان السيناريو قد كتب ليبدو المشهدُ هكذا.

وفي تلك الأيام، قامت مجموعة من قراصنة الكمبيوتر الأتراك، تطلق على نفسها “رد هاك”؛ باختراق بعض المواقع الإلكترونية الحكومية، وكان من بين تلك المواقع قسم الوثائق التابع لموقع وزارة الداخلية التركية، وكانت المجموعة التي تزعم أنها اشتراكية نشرت على الصفحة الرئيسية للموقع صورة تظهر وزير الداخلية آنذاك “إدريس نعيم شاهين” بجوار شخصية “جاي فوكس” من فيلم “V” الشهير، وكتبت أسفل الصفحة المخترقة عبارة “المقاومة الحمراء ضد جيش الإمام الأخضر”.

وبعد اختراق مواقع عديدة، تتبعت قوات الأمن التركية آثار المخترقين، وتوصلت تحرياتها إلى أن أجهزة كمبيوتر في مبنى رئاسة دائرة الاستخبارات للأمن بالعاصمة أنقرة استخدمت في عمليات الاختراق، وكانت تلك الدائرة آنذاك من معاقل “الكيان الموازي” المتغلغل في أجهزة الدولة، الأمر الذي يعزز الشكوك حول العلاقة بين المجموعة المذكورة و”الكيان الموازي”.

علاقات المجموعة المشبوهة لم تكن مقتصرة على “الكيان الموازي”، بل كانت لها علاقات مع جهات خارجية تساعدها في عمليات الاختراق. هذا ما كشفه موقع “ذي ديلي دوت” الأمريكي، الذي نشر تقريرًا ذكر فيه أن أحد القراصنة الذين يعملون لصالح مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي (إف بي آي) قام باختراق مواقع تابعة لمؤسسات حكومية تركية، ثم قدم المعلومات التي حصل عليها إلى عناصر مجموعة “رد هاك” التركية. وكتعبير عن الامتنان وردًّا للجميل، كتبت مجموعة “رد هاك” في أسفل صفحة اخترقتها بنجاح عبارة “مع تحياتنا الخاصة إلى (أنتي سك)” في إشارة إلى مجموعة القرصنة الإلكترونية، التي أسسها ذلك الهاكر الذي كان يعمل لصالح “إف بي آي”.

مجموعة قراصنة تتستر وراء قناع اليسارية والاشتراكية، وتتعاون مع جماعة تزعم أنها جماعة دينية، كما تتعاون مع عملاء مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي (إف بي آي)، وبمعنى آخر تتعاون مع جهاز استخبارات تابع لـ”دولة رأسمالية إمبريالية متوحشة”؛ من المفترض أن تحاربها هذه المجموعة الاشتراكية.

المعلومات التي حصلت عليها قوات الأمن التركية حتى الآن، في قضية أحداث “غزي باركي”، وملف مجموعة “رد هاك” للقرصنة الإلكترونية، تشير إلى علاقات مشبوهة وجهود تضافرت لإسقاط الحكومة التي انتخبها الشعب التركي بإرادته الحرة.

المشاركة في المظاهرات السلمية احتجاجًا على سياسات الحكومة حق طبيعي لجميع المواطنين يكفله الدستور التركي، إلا أن الإسهام – عن قصد وتعمد أو دون علم ووعي – في مؤامرة تحاك ضد الإرادة الشعبية، من قبل جهات إقليمية ودولية لا تريد لتركيا أن تنهض، لا يمكن تصنيفه ضمن هذا الحق الدستوري، بل هو إما خيانة وعمالة، وإما غباء وحماقة.

موقع أخبار تركيا

عرض التعليقات
تحميل المزيد