مسيرة الجمهورية التي انطلقت في باريس وضخامتها ونوعيتها وتوقيتها، مؤشرات لا يمكن أن يغفل عنها عاقل أو يتغاضى عنها مدرك لطبيعة سير الأمور في المجتمعات المتمدنة.

فحجم المشاركة الذي تعدى المليونين، ونوعية المشاركين الذين تجمعوا من كل دول العالم يتقدمهم زعماء أكثر من أربعين دولة، وسرعة التئام هذا الحشد بعد بضعة أيام على مذبحة شارلي إيبدو، هي أمور تؤكد الصدمة التي يشعر بها العالم، والنية الجادة للتجمع والوقوف بوجه الإرهاب، والقدرة على الحشد بسرعة وفاعلية إذا ما اقتضت الضرورة ذلك.


إنها بمثابة الجرس الذي نبه الكثير من الدول للاستيقاظ من غفلتها والاستعداد لما هو خطير وسيء، بعد استفحال ظاهرة الإرهاب عالميًا، وقدرته على التواجد على الأرض ككيان واضح المعالم، له انتشار جغرافي، وتواجد إعلامي يسمح له بإغراء من يبحث عن فكر يكفر فيه غيره ومساحة جغرافية ينفذ فيها مآربه ويثبت فيها وجوده وانتشاره وتمدده.

وهي تدل على أمر يصب في مصلحة الدول المنهمكة في معارك مصيرية، تدافع فيها عن بقائها وبقاء مجتمعاتها وأفكارها ودياناتها، فالعالم قد أدرك بالدليل الملموس والصورة الواضحة، المدى الذي يمكن أن يذهب إليه إرهابيو داعش والقاعدة وغيرهم من المنتمين للحركات التكفيرية لفرض التخويف وغرس الرعب واللعب على وتر تفريق المجتمعات والديانات، لذا فإن الواجب يحتم على الدول المتقدمة، التي أخذت تعاني الهزات الارتدادية لزلزال الإرهاب؛ أن تمد يد العون بكل سخاء وسرعة إلى الدول التي تعاني الأمرين منه.

العراق

ومن الدول التي تعاني هذه الآفة، ومنذ زمن ليس بالقصير: العراق؛ فتجربة الانتصار العراقي وعملية إدامتها ضروريتان جدًا للدول الأخرى؛ من أجل البناء عليها والتفاعل معها لحماية مجتمعاتها ومدنها من الإرهابيين، الذين يجدون في بقاء داعش والقاعدة والنصرة وغيرها على الأرض تحت مسمى دولة الخلافة وما شابه؛ دافعًا يمدهم بالجرأة على تنفيذ أعمالهم الإجرامية.

إن ما حدث في باريس، قد حدث قبلها في بغداد وبيروت وصنعاء، بغض النظر عن مسميات الأماكن التي جرى استهدافها. فالإرهاب قد استهدف الحريات وغدر بأفراد القوات الأمنية واختطف مواطنين، وسارت مسيرات منددة به وداعية للوقوف بوجهه والقضاء عليه، ووصلت رسائل التضامن مع هذه المسيرات من الفرنسيين وغيرهم من الدول الأوروبية؛ دون التحرك بفاعلية لتخليص تلك الدول من هذه الآفة.

إن على الفرنسيين والكنديين والأستراليين وغيرهم أن يحاربوا الإرهاب في تلك الدول؛ عبر تقديم الدعم والمساعدة لهم، وعليهم أن تكون حربهم أكثر تأثيرًا، فيضربون بطائراتهم أماكن تواجد التنظيمات الإرهابية بلا هوادة، ضربات مؤثرة تُمَكِّن جيوش تلك الدول من سحق هؤلاء على الأرض بأسرع وقت ممكن، لإعادة الحرية إلى الأرض من جديد، وعليهم ألا يبخلوا عليهم بالتسليح والتمويل والدعم اللوجستي.

ولكن من جهة أخرى، فالدول الغربية تبني سياساتها الخارجية استنادًا إلى تصورهم الخاص بتلك الدول التي تعاني من الإرهاب؛ وفق مصالحهم والدونية التي ينظرون بها إليهم وموقفهم من حقوقهم، والدول الأوروبية لم تعمل على تصحيح الصورة الاستعمارية التي ما زالت عالقة بذهن المواطنين في الشرق الأوسط، ناهيك عن مصالح الغرب الحيوية مع تلك الدول، خاصة في مجال النفط.

صحيفة راديكال

عرض التعليقات
تحميل المزيد