خلال الأشهر المنصرمة عودنا الساسة الأتراك، سواء في الرئاسة، أم الخارجية، أم الدفاع، أم حتى السفراء؛ على إرسال التهديدات والتحذيرات اليومية بشأن عملية تركية مرتقبة ضد ما تعدهم أنقرة إرهابيين على حدودها الجنوبية، ممثلة في «حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي» المصنف على لوائح الإرهاب التركية.

حدة التصريحات التركية تصاعدت في الأسابيع القليلة الماضية، وخفتت قليلًا بعد الاتفاق التركي الأمريكي على تسيير دوريات مشتركة، في خطوة أولية يليها تشكيل منطقة آمنة تكون تحت سيطرة تركيا. ولكن على ما يبدو وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، حتى إن ساسة أتراك صرحوا بأن واشنطن تحاول المماطلة، ولا نية لها لطرد «قسد»، و«حزب الاتحاد الكردي» من هذه المناطق، إذ تواصل أمريكا دعمهم بالسلاح والعتاد باستمرار ودون توقف، لكن الولايات المتحدة فاجئت الجميع اليوم، وأعلن رئيسها تخليه عن «قسد» ورفع يديه عن الأمر برمته.

في البدء كان إخماد الثورة.. كيف نشأت «قسد»؟

عند انطلاق الثورة السورية في مارس (آذار) 2011، وقتل النظام السوري المتظاهرين العزل، وما تلاه من انشقاقات في صفوف الجيش وحمل المتظاهرين للسلاح دفاعًا عن أنفسهم، وتشكيل فصائل وكتائب تابعة للجيش الحر، علاوة على الفصائل الإسلامية التي سيطرت على مساحات شاسعة من سوريا؛ شكَّل الأكراد أيضًا قوة عسكرية خاصة بهم. لكن هذه القوة كانت مدعومة مباشرة من «حزب العمال الكردستاني» والمصنف إرهابيًّا في تركيا، والاتحاد الأوروبي، وأمريكا، وعدد من الدول العربية.

Embed from Getty Images

تأسس «حزب الاتحاد الديمقراطي» السوري عام 2003، وذلك بعد أوامر من عبد الله أوجلان قائد «حزب العمال الكردستاني» – والمعتقل حاليًا لدى تركيا- بحل حزبه. ليشكل بعدها عدد من قيادات هذا الحزب أحزابًا بمسميات مختلفة، لكنها تتبع «حزب العمال» فكريًّا. فقد تشكل سنة 2004 «حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)» في إيران، وسنة 2002 تأسس «حزب الحل الديمقراطي الكردستاني (PÇDK)» في العراق، وبالطبع فإن هذه الأحزاب كانت ملاحقة من قبل النظام السوري قبل الثورة، واعتُقل العديد من قيادييها، وسُلِم بعضهم لتركيا.

مع تسارع الأحداث في سوريا وتدهور العلاقات السورية التركية؛ اجتمعت قيادات في «حزب الاتحاد الديمقراطي» مع قيادات بالنظام السوري في 2012، واتفقوا على تسليم جزء من السلطة الإداريّة والأمنيّة للحزب. وعليه شكَّل قوة مسلحة عرفت باسم «وحدات حماية الشعب الكردية» تهدف لحماية المناطق الكردية من المعارضة السورية والتنظيمات الإسلامية المسلحة، حسب زعمهم، ولكن الأمر كان أبعد من ذلك.

عمل «حزب الاتحاد» على بسط سيطرته كاملة على المناطق الكردية الواقعة في شمال شرق سوريا، والقريبة من الحدود التركية، وحكم هذه المناطق بالحديد والنار، وقتل واعتقل واغتال كل من حاول معارضته، تمامًا كما فعل نظام الأسد، خاصة بحق الناشطين والإعلاميين الكرد الموالين للثورة السورية، وذلك في سياسة واضحة وصريحة لإبعاد أي تواصل قد يحدث بين الثورة والأكراد، وبدأ إعلام الحزب شيطنة الثورة، وساعده على ذلك ظهور تنظيمات متشددة مثل «داعش» و«النصرة» و«القاعدة»، وأيضًا تصريحات لمعارضين سوريين أساؤوا للأكراد وقضيتهم.

وفي محاولة من «حزب الاتحاد» لتصوير نفسه على أنه حزب سوري جامع وليس ممثلًا للأكراد فقط، أسس ما بات يعرف بـ«قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» في 11 أكتوبر (تشرين الأول) 2015، إذ ضم هذا التشكيل الجديد فصائل وتحالفات متعددة، منها كردية، وعربية، ومسيحية، وبعض هذه التشكيلات ما زال يحمل علم الثورة السورية، ولكن «قوات حماية الشعب الكردية» التابع لـ«حزب الاتحاد» تسيطر على قرارات هذا التشكيل وتوجهاته وسياساته كاملة.

ومع ظهور تنظيم «داعش» وسيطرته على مساحات واسعة من سوريا، وخاصة في المناطق الكردية، فقد سعت «قسد» إلى الحصول على دعم دولي، وبالفعل، حصلت عليه من أمريكا والتحالف الدولي الذي قاد معارك عنيفة ضد تنظيم «داعش»، وتمكنت «قسد» بهذه المساعدة المقدمة لها من سلاح وعتاد وتدريب، من بسط سيطرتها على مناطق لا وجود للكرد فيها، مثل دير الزور، ومناطق من الرقة والحسكة، الأمر الذي أغضب تركيا بشدة.

رغم تحسن العلاقات مؤخرًا.. صراع محموم بين أنقرة وواشنطن في شرق الفرات

خطة المنطقة الآمنة.. مفاوضات المماطلة الأمريكية!

تقول تركيا إن «حزب الاتحاد الديمقراطي» وجناحه المسلح «وحدات حماية الشعب»، هما فرع «حزب العمال الكردستاني التركي» المصنف على أنه منظمة إرهابية، وتعده تهديدًا لأمنها القومي، بسبب التواصل الجغرافي بين المناطق التي ينتشر بها مسلحو الحزبين، وخشية أنقرة أن تؤدي سيطرة الفرع السوري على المناطق الحدودية إلى دعم الفرع التركي ومساندته في إقامة مناطق حكم ذاتي داخل الأراضي التركية.

كذلك ترى تركيا أن مخاوفها حقيقية، وهي واضحة بأنها لن تسمح لهذا الأمر أن يحدث، وعليه فإنها أرسلت التهديدات والتحذيرات المستمرة للأمريكان بخصوص هذا الأمر، خاصة أن ما يربو عن 40 ألف قتيل معظمهم من الأكراد سقطوا في الصراع بين «حزب العمال الكردستاني» والدولة التركية.

التهديدات التركية المتصاعدة والحقيقية، أجبرت واشنطن على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، إذ جرى توقيع مذكرة تفاهم بين وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، ونظيره الأمريكي مايك بومبيو في واشنطن بتاريخ 4 مايو (آيار) 2018 بخصوص مدينة منبج الواقعة في ريف حلب الشرقي، والقريبة من الحدود التركية، والخاضعة لسيطرة «قسد».

ونص الاتفاق على انسحاب «قسد» من المدينة خلال شهر واحد فقط، وأن يتولى جيشا البلدين واستخباراتهما مهمة مراقبة المدينة، وتشكيل إدارة محلية، إلا أن أيًّا من هذه البنود لم ينفذ على الإطلاق، بل ماطلت واشنطن واقترحت تسيير دوريات عسكرية مشتركة في منبج ومحيطها، والتي سارت ببطء شديد جدًّا، ما أغضب تركيا.

Embed from Getty Images

النظيران التركي والأمريكي

كان التخوف التركي من التصادم مع الجانب الأمريكي هو المانع الرئيسي من التدخل العسكري في مناطق «قسد»، ولذلك كان لا بد من توقيع اتفاقيات بين الجانبين تمنع هذا الأمر، وتأخذ بعين الاعتبار المخاوف التركية بخصوص وجود «حزب الاتحاد الديمقراطي» بالقرب من حدوده، وكادت تركيا تشن هجومًا عسكريًّا واسعًا في شرقي الفرات، إلا أن إعلان الرئيس الأمريكي ترامب انسحاب قوات بلاده من سوريا أجَّل هذه المعركة وأوقف معها تنفيذ اتفاق منبج أيضًا.

لكن الانسحاب الأمريكي أيضًا لم ينفذ، وقال أردوغان في ذلك، إن «ترامب أدرج مسألة انسحاب قوات بلاده من منطقة شرق نهر الفرات السورية، لكن من هم حوله لم يعملوا إلى الآن بتوصياته».

وتطالب تركيا بأن تكون المنطقة الآمنة المقترحة تحت سيطرتها المباشرة، أو بالتعاون مع أمريكا، وأن تكون بعمق ما بين 30-40 كم، ما يعني أنها ستشمل غالبية المدينة الرئيسية الخاضعة لسيطرة «قسد»، مثل عين العرب (كوباني)، ورأس العين، والدرباسية، والقحطانية، وعامودا، والمالكية. وعلى هذا الأساس تبدأ تركيا مفاوضاتها مع الجانب الأمريكي، ومع رفض «قسد» لغالبية الشروط التركية، تحاول أمريكا المماطلة قدر المستطاع، ولكن على الجانب الآخر هناك تعزيزات عسكرية تركية كبيرة تصل إلى الحدود السورية، في إشارة للرغبة التركية الحقيقية في إنهاء التهديدات لأمنها القومي، حسبما تصرح دائمًا.

وفي محاولة من أمريكا لتبريد الغضب التركي، فقد اتفق الطرفان في 7 أغسطس (آب) الماضي، على خطة لتنفيذ المنطقة الآمنة على ثلاث نقاط، وهي وجود ممر سلام، وغرفة عمليات مشتركة، وإزالة مخاوف تركيا الأمنية على حدودها الجنوبية، وذلك بعد مباحثات بين مسؤولين عسكريين من البلدين امتدت ثلاثة أيام.

ويتضمن الاتفاق تدابير لضمان عودة السوريين المهجرين إلى بلدهم، ويهدف هذا الاتفاق إلى تأمين قطاع بري يمتد لمسافة تزيد على 400 كيلومتر، بطول حدود سوريا الشمالية الشرقية مع تركيا، ويسيطر على معظمها «حزب الاتحاد الديمقراطي»، وبدأ بموجب هذا الاتفاق وجود دوريات عسكرية تركية وأمريكية مشتركة داخل الحدود السورية.

Embed from Getty Images

لكن هذا الاتفاق شابه الكثير من اللغط بسبب عدم وضوح من سيسيطر على هذه المنطقة، وكم تبلغ مساحتها، والتباين الواضح والتضارب بين تصريحات واشنطن وأنقرة و«قسد» بهذا الخصوص، ما رسم صورة بأن واشنطن ربما لا تستطيع إجبار «قسد» على الانسحاب من المناطق المتفق عليها مع أنقرة، إذ صرحت «قسد» أن الاتفاق تضمن الانسحاب بعمق يتراوح بين خمسة و14 كم فقط، بينما تريدها تركيا بين 30 و40 كم، ومع مراوحة الاتفاق مكانه بعد مرور الشهر على توقيعه، يبدو أن الأتراك يتجهون هذه المرة إلى الحل العسكري.

صدام تركي أمريكي كان على وشك الوقوع

تؤكد الأحداث المتتابعة والتعزيزات العسكرية التركية اليومية إلى حدودها الجنوبية، رغبة أنقرة في الحسم العسكري، على الرغم من تخوفها من صدام حقيقي مع القوات الأمريكية. فقد صرح أردوغان بأن هدفه ليس الجنود الأمريكيين على الإطلاق، وإنما عناصر التنظيم الإرهابي الذين ينشطون بالمنطقة، حيث يوجد نحو ألفي جندي أمريكي في 18 قاعدة ونقطة عسكرية بسوريا.

مصادر خاصة لـ«ساسة بوست» تحدثت عن أن اجتماعات مكثفة تمت في الأيام الماضية، بين الجيش التركي وقيادات في المعارضة السورية المسلحة، بخصوص العملية العسكرية المرتقبة، إذ أعلن الأخير عن رغبته في المشاركة في هذه العملية، ومساندة تركيا في معركتها ضد «حزب الاتحاد الكردي» و«قسد».

وأكد أحد المصادر لـ«ساسة بوست» أن التجهيزات العسكرية لفصائل المعارضة السورية المسلحة تتم على قدم وساق، إذ أجري في 4 أكتوبر الجاري، اجتماع عالي المستوى بين الجيش الوطني المدعوم تركيًّا والجبهة الوطنية للتحرير، ثاني أكبر فصائل المعارضة بعد هيئة تحرير الشام في مدينة أورفا التركية. واتُفق على الاندماج والتوحد بين الطرفين، بعدما بات تعداد الجيش الوطني الآن أكثر من 110 ألف عنصر، ما سيشكل زخمًا كبيرًا لأي عملية تركية مرتقبة شرقي الفرات، سيشارك فيها أكثر من 14 ألف مقاتل من عناصر المعارضة المسلحة بالإضافة للجنود الأتراك.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قد صرح في 5 أكتوبر الجاري، بأن العملية العسكرية شرقي الفرات باتت قريبة جدًّا، ويمكن القول إنها ربما تبدأ اليوم أو غدًا، بينما عبرت واشنطن عن قلقها من احتمال شن تركيا عملية عسكرية غير منسقة معها، وذلك في إشارة إلى أن تركيا ستدخل إلى شرق الفرات وحيدة، وذلك بعدما صرح وزير الخارجية التركي أنه يفضل العمل على تطهير شرق الفرات مع أمريكا، لكنهم «مستعدون للقيام بذلك وحيدين تمامًا، كما حدث في درع الفرات وغصن الزيتون».

تاريخ التدخل العسكري التركي في سوريا

تدخلت تركيا عسكريًّا في سوريا مرتين، الأولى كانت في عملية أطلقت عليها درع الفرات، وهدفت إلى محاربة تنظيم «داعش» والسيطرة على مناطقه في شمال وشرق حلب. انطلقت هذه العملية فجر يوم 24 أغسطس 2016 بمشاركة واسعة من فصائل الجيش الحر، وأعلنت تركيا عن انتهاء العملية في 29 مارس 2017، وتكللت بالسيطرة على عشرات المدن والقرى التي كانت خاضعة لسيطرة «داعش». وقد كان للمعركة من اسمها نصيب؛ إذ أصبحت «درعًا» ومنعت «قسد» من وصول مناطقها جغرافيًّا إلى منطقة عفرين الكردية الواقعة شمال حلب، ما هيأ لمعركة غصن الزيتون فيما بعد.

Embed from Getty Images

المرة الثانية التي تدخلت فيها تركيا عسكريًّا، كانت في منطقة عفرين الواقعة شمال حلب والخاضعة لسيطرة «وحدات حماية الشعب»، الجناح العسكري لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» في معركة أطلقت عليها غصن الزيتون، إذ أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 20 يناير (كانون الثاني) 2018، بدء العملية، وقصفت المقاتلات التركية مواقع الحزب قصفًا عنيفًا جدًّا، واستمرت المعركة حتى 24 مارس 2018، وشارك فيها الجيش الحر أيضًا، وأسفرت عن سيطرة الأتراك على مدينة عفرين وريفها بالكامل.

أمريكا تتخلى عن «قسد».. هل اقتربت ساعة الصفر؟

السؤال المطروح الآن ليس «هل هناك عملية عسكرية تركية شرقي الفرات؟» بل السؤال «متى ستنطلق هذا العملية؟» ليكون بذلك التدخل العسكري الثالث، إذ أكدت مصادر خاصة لـ«ساسة بوست» انسحاب القوات الأمريكية فجر اليوم 7 أكتوبر، من الحدود السورية التركية كاملة، وأخلت قواعدها في تل أبيض شمال الرقة، ورأس العين شمال الحسكة. وأعلن البيت الأبيض أن القوات الأمريكية في شمال سوريا لن تتمركز بعد اليوم قرب الحدود مع تركيا، ولن تدعم عملية أنقرة «التي خططت لها طويلًا» في البلاد.

وكان قد جرى قبل إعلان البيت الأبيض الانسحاب من الحدود؛ اتصال هاتفي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، قال فيه الأخير إن «تركيا ستمضي قدمًا في عمليتها في شمال سوريا»، كما أكد البيت الأبيض أنه لن يدعم ولن ينخرط في هذه العملية، مشيرًا إلى أن تركيا ستكون المسؤولة عن جميع أسرى «داعش»، المحتجزين لدى «قسد».

وتجدر الإشارة إلى أن للولايات المتحدة تجارب كثيرة في سوريا بالاستغناء عن حلفائها، وهذه المرة تركت «قسد» لمصيرها المحتوم. فيما أعلنت الأخيرة أنه «رغم الجهود المبذولة من قبلنا لتجنب أي تصعيد عسكري مع تركيا، والمرونة التي أبديناها من أجل المضي قدمًا لإنشاء آلية أمن الحدود، وقيامنا بكل ما يقع على عاتقنا من التزامات في هذا الشأن، فإن القوات الأمريكية لم تف بالتزاماتها، وسحبت وحداتها من المناطق الحدودية مع تركيا».

وبعد اكتمال عقد المتحاربين على الأرض السورية، بقي فقط وضع اسم للعملية القادمة، بينما أكد مصدر عسكري تركي أن العملية المرتقبة قد يطلق عليها «نبع السلام» وقد تنطلق في أي وقت، ولم يتبق لتركيا سوى إطلاق الرصاصة الأولى لتبدأ السيطرة على شرق الفرات، فهل ستكون سهلة؟

«خيانة للأكراد؟».. القصة الكاملة لتوجهات أمريكا بوقف دعمها لـ«قسد»

المصادر