تاريخ طويل من النزاعات المسلحة والتوترات الدبلوماسية يجمع بين الجارتين التركية واليونانية، وقد شهدت الأيام الماضية تجدد الخلافات بعد الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، لدولة اليونان يوم الأحد الماضي 30 مايو (أيار) 2021، والتي استهلها بزيارة مسلمي تراقيا الغربية، ووصفهم بأنهم أقلية تركية؛ الأمر الذي استفز الجانب اليوناني.

ويمكن القول بأن الزيارة، أتت بعكس ما كان مُتوقعًا، فقد زار أوغلو اليونان لبحث تهدئة العلاقات بين البلدين وإجراء مباحثات مع نيكوس ديندياس، وزير الخارجية اليوناني، إلا أن زيارته لتراقيا ووصف مواطنيها أنهم أقلية تركية قد أثار استياء الجانب اليوناني.

وعقب لقائه مع أعضاء المجلس الاستشاري للأقلية التركية، غرَّد أوغلو مؤكدًا الوقوف بحزم مع الأقلية التركية في نضالهم من أجل حقوقهم.

 

وحسب «الإندبندنت عربية»، فقد ردت الخارجية اليونانية على هذه التصريحات، ووصفت الأقلية المسلمة في تراقيا؛ بأنهم يونانيون، كما قالت إن عدم حماية حقوق المواطنين في هذه المنطقة مجرد مزاعم لا أساس لها من الصحة.

ودائمًا ما تتهم تركيا اليونان بعدم حماية حقوق هذه الأقلية، في حين تنفي اليونان هذه الاتهامات، وهذا ما حدث في أبريل (نيسان) الماضي، حينما قال أوغلو في مؤتمر صحفي موجهًا كلامه لديندياس: «أنتم لا تسمحون للأقلية التركية بأن تطلق على نفسها تسمية تركية. أنتم تسمونهم مسلمين. إذا كانوا يعتبرون أنفسهم أتراكًا فهم أتراك، وعليكم أن تعترفوا بذلك»، حسبما نقلت شبكة «بي بي سي».

فمن هم مسلمو تراقيا، ولماذا تصفهم تركيا بأنهم أقلية تركية، وما سبب وجودهم في اليونان؟ للتعرف إلى هذه الإجابات وتاريخ النزاعات بين الطرفين، ندعوك لمتابعة السطور التالية.

تاريخ من النزاعات بين تركيا واليونان

تمكنت اليونان من الحصول رسميًّا على استقلالها عن الدولة العثمانية عام 1832 بعد انتصار الدول المؤيدة للحكم الذاتي اليوناني -إنجلترا وفرنسا وروسيا – على الدولة العثمانية في معركة نافارين.

فقد انتصر العثمانيون في الحرب العثمانية اليونانية عام 1897، ولكنهم خسروا حكم جزيرة كريت، كما خاض الطرفان حرب البلقان (1912- 1913) فخسر الجانب العثماني 80% من أراضيه في القسم الأوروبي لصالح دول البلقان (اليونان وبلغاريا وصربيا والجبل الأسود).

Embed from Getty Images

خلال الحرب العالمية الأولى، تمكنت اليونان من احتلال إزمير، واستولت على تراقيا الشرقية وأجزاء من غرب الأناضول بواقع «معاهدة سيفر» 1920، إلا أن حكومة مصطفى كمال أتاتورك لم تعترف بالمعاهدة، وتمكن القوميون الأتراك من فرض سيطرتهم على هذه المناطق. وانتهت حرب تركيا واليونان بعقد «هدنة مودانيا» واتفاقية «لوزان».

كذلك، يشهد بحر إيجة على النزاع بين البلدين، حيث يضم سبعة تجمعات من الجزر، بينهما اثنتان خاضعتان للسيادة التركية، وخمسة منها خاضعة للسيطرة اليونانية. وفي عام 1996، نشب الخلاف بين الدولتين حول تبعية جزيرة كارداك، فقد رفع كلا الطرفين علمه عليها، ولكن تمكنت الولايات المتحدة وحلف الناتو من منع الحرب قبل اندلاعها، ولا يزال هناك صراع على الجزيرة حتى الآن. كذلك، أبدى الجانب اليوناني استياءه من تحويل تركيا كاتدرائية آيا صوفيا من متحف إلى مسجد في العام الماضي.

المسلمون في تراقيا.. أقلية تركية أم مسلمو اليونان؟

تراقيا الغربية جزء من بلاد اليونان، ويعيش فيها أقلية مسلمة تبلغ حوالي 140 ألف مسلم أغلبهم من الأتراك، إلى جانب أقليات عرقية أخرى. ويوجد تضارب في الإحصائيات، فترى تركيا أن عدد المسلمين الأتراك فيها يزيد على 150 ألفًا، في حين ترى اليونان أنهم حولي 110 آلاف مسلم.

Embed from Getty Images

وزير الخارجية التركي خلال زيارته للأقلية المسلمة يوم الأحد الماضي

وفي حين ترى تركيا أنه يحق لأفراد هذه الأقلية أن ينسبوا أنفسهم لأصولهم التركية، كما يحق لهم اختيار المفتي بأنفسهم، ترى اليونان أنهم مواطنون يونانيون يدينون بالإسلام، ومن حق الدولة أن تعين المفتي، ولا تعترف بهم كأقلية تركية. وتعد منطقة تراقيا الغربية المكان الوحيد المسموح له رسميًّا في اليونان ببناء المساجد.

وتقع تراقيا في منطقة البلقان، بين بحر مرمرة وبحر إيجة والبحر الأسود، ويقع حوالي ربع تراقيا في تركيا، وحوالي العُشر في اليونان، والباقي في بلغاريا، واتفق المؤرخون اليونانيون والرومانيون القدماء على أن التراقيين القدماء كانوا من أصول ولغة هندوأوروبية.

أقام سكان تراقيا في المنطقة منذ عدة قرون، وقد شهدت المنطقة الحكم اليوناني والروماني والبيزنطي، ثم الحكم العثماني منذ القرن الرابع عشر، وحتى حرب البلقان الأولى (1912- 1913) التي هُزمت فيها الإمبراطورية العثمانية، وفرضت بلغاريا سيطرتها على تراقيا الغربية.

Embed from Getty Images

وزير الخارجية التركي 

نشبت بعد ذلك حرب البلقان الثانية، وفي أغسطس (آب) 1913، وبرغم هزيمة بلغاريا، فإنها حصلت على تراقيا الغربية بموجب شروط معاهدة السلام أثينا 1913 التي أنهت الصراع، وظلت تراقيا الغربية تحت حكم بلغاريا حتى نهاية الحرب العالمية الأولى في نوفمبر (تشرين الثاني) 1918.

فرض الحلفاء سيطرتهم على تراقيا الغربية في عام 1919، حتى عقد معاهدة «سيفر» في عام 1920، التي منحتها لليونان، واستقرت المنطقة على تقسيم الحدود بين تركيا واليونان وبلغاريا بعد الحرب العالمية الأولى بموجب معاهدات «نويي» (1919)، و«سيفر» (1920)، و«لوزان» (1923).

ولا تعترف اليونان بوجود أقلية تركية في المنطقة، ولكن تعترف رسميًّا فقط بوجود أقلية مسلمة في تراقيا، وتحمي حقوقهم بموجب معاهدة «لوزان» عام 1923 التي أنهت الحرب بين تركيا واليونان (1919- 1922)، كما نصت على تقسيم المنطقة إلى ثلاثة أجزاء بين تركيا واليونان وبلغاريا.

وقد نصت اتفاقية ملحقة بالمعاهدة على تبادل إلزامي للسكان بين البلدين، فأُجبر مسيحيون أرثوذكس أتراك (حوالي 1.5 مليون) على اللجوء إلى اليونان، كما أُجبر مسلمون يونانيون (حوالي 500 ألف) على اللجوء إلى تركيا. لكن كانت هناك استثناءات لهذا التبادل؛ فقد ظل المسلمون في تراقيا، ومسيحيو إسطنبول وجزر إمبروس وتينيدوس في مواطنهم بوصفهم أقليات دينية.

في وقت توقيع المعاهدة، كان المسلمون يشكلون حوالي 67% من سكان تراقيا الغربية، ويمتلكون 84% من أراضيها، في حين شكَّل اليونانيون حوالي 18% من السكان، أما باقي السكان فكانوا من البلغاريين واليهود والأرمن.

 مسجد الآشريين في مدينة كسانثي في تراقيا الغربية


مسجد الآشريين في مدينة كسانثي مصدر الصورة: Alchetron

وتضم منطقة تراقيا الغربية ثلاث مجموعات عرقية رئيسية من المسلمين وهم الأتراك، والبوماك، والغجر. ويوجد فيها ثلاثة مفتيين، واحد لكل محافظة من المحافظات الثلاثة في المنطقة (كسانثي، ورودوبي، وإيفروس)، وتعين وزارة الشؤون الدينية اليونانية المفتيين في مناصبهم ليكونوا موظفين تابعين للدولة، ويتمتع المفتي بصلاحيات قانونية لعقد الزيجات والطلاق والوصاية على الأيتام وحظر الميراث.

معاناة المسلمين في تراقيا الغربية

بحسب شبكة «بي بي سي» فإن المنظمات الحقوقية اليونانية تتهم الدولة بقمع السكان في هذه المنطقة ومنعهم من التعبير عن هويتهم التركية، في الوقت الذي تنفي فيه اليونان وجود أي تمييز ضدهم.

وبحسب تقرير صادر عن منظمة «Minority Rights Group» لحقوق الأقليات عام 2019، فإن الأقلية التركية في تراقيا الغربية تعاني من فرض قيود واسعة على إنشاء الجمعيات، وممارسة ثقافتهم، والتعلم باللغة التركية، وهذا ما وصفه التقرير بتهديد خطير لهويتهم.

كذلك، أشار التقرير إلى تدخل اليونان في تعيين مفتي هذه الأقلية بدلًا من السماح لهم بانتخابه، وهو ما يعرقل حريتهم الدينية. فوفقًا لمعاهدة أثينا 1913، يحق لسكان هذه المنطقة انتخاب المفتي، وقد نفذت اليونان المعاهدة، ولكنها أخلَّت بهذا الشرط عام 1991، حينما أصبحت تعين المفتي، ولكن رغم هذا لا تعترف الأقلية المسلمة بالمفتي المعين، وينتخبون المفتيين الخاصين بهم.

وقد ذكر التقرير تعرض مسلمي تراقيا للهجمات بدافع الكراهية من الجماعات اليمينية المتطرفة. وقد شدد على ضرورة اتخاذ السلطات اليونانية خطواتٍ فعلية للاعتراف بهذه الأقلية التركية، وإزالة جميع الحواجز التي تحول دون تمتعهم الكامل بحقوقهم.

دولي

منذ 3 سنوات
جيران لكن أعداء.. لماذا يستمر العداء بين تركيا واليونان لقرون؟

المصادر

تحميل المزيد