لعلّ تصريحات الأمين العام لحزب الله هذا الأسبوع تحولت لتصبح واحدة من أكثر تصريحاته إثارة للجدل، وذلك عبر خطابيه الأخيرين في مناسبتين متتاليتين، الأول خطابه في يوم “الجرحى” الذي صادفَ الأحد الماضي، حيث ألقاه نصر الله في لقاء مغلق بغية عيادة مقاتلين جرحى تابعين للحزب لتقوم صحيفتا “الأخبار” و”السفير” اللبنانيتان المقربتان من الحزب بإيراد أجزاء من محتواه على صفحاتها.

والثاني في خطابه المُتلفز يوم الإثنين 25 مايو/ أيار بمناسبة الذكرى السنوية لانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، ضمن احتفال “عيد المقاومة والتحرير” في النبطيّة.

وكانت هذه النقاط البارزة التي أثارت ردود أفعال ساخرة أو مستنكرة على أثرها:

شيعة السفارة

أعاد حسن نصر الله مصطلح “شيعة السفارة” القديم- الجديد إلى الواجهة حين استخدمه بخطابه الأخير في قوله “شيعة السفارة الأمريكية”، متهمًا إياهم بأنهم “خونة وعملاء وأغبياء”، مؤكدًا أنه “لن نسكتَ بعد اليوم ولن نداري أحدًا”. ويُطلق الحزب تسمية “شيعة السفارة” على النخب والإعلاميين اللبنانيين من أبناء الطائفة الشيعية الذين يُعارضون توجّهات الحزب أو يتحدثون بشكل سلبي عن سياسات إيران والنظام السوري.

أثارت هذه الاتهامات موجة من السخط ارتدت آثارها على وسائل الإعلام اللبنانية، حيث رفض الكاتب اللبناني الشيعي “محمد بركات” هذه النبرة الاتهامية والمهدّدة في الخطاب، متهمًا نصر الله بأنه أحد شيعة “السفارة الإيرانية”، ومُجيبًا عليه في مقال له نشره موقع “جُنوبيّة”:

“إذا كان رفض معاداة العرب كرمى لعيون المرشد الإيراني، والعناد على لبنانيتنا، ورفض أن نصير من جنود الوليّ الفقيه، ورفض أن نؤجّر مستقبلنا، ورفض موت الآلاف من أقربائنا وأولاد أعمامنا وأولاد خالاتنا وأولاد جيراننا، في حرب عبثية ضدّ خيارات الشعب السوري، ورفض الخيارات الانتحارية لحزب الله في لبنان وسوريا والعراق واليمن والبحرين و”في كلّ الأماكن” يعني أنّنا من «شيعة السفارة»، فنحن نبصم أنّنا من «شيعة السفارة».

إذا كان رفض معاداة العرب حرصًا على مصالح مئات آلاف اللبنانيين ومن بينهم ما يقارب 100 ألف عائلة شيعية في الخليج العربي، يعني أنّنا من «شيعة السفارة»، فنحن طبعًا «شيعة السفارة»”.

مُنهيًا ذلك بالتهكّم:

“نحن من «شيعة السفارة»، لكن السفارة اللبنانية في دويلة “حزب الله”، وسجّل عندك لقد صرنا كثيرين”.

فيما اعتبرَ الوزير والنائب السابق محمد عبد الحميد بيضون أن هناك ما يُقدّر بـ”مليون شيعي” يُعارض سياسات حزب الله، لكنهم مغيّبون لأن الجهر بآرائهم يهددهم بالقتل، واعتبرَ خطاب نصر الله خطابًا “مُحرّضًا وتهديديًّا” و”التخوين الذي أطلقه يساوي التكفير الذي يفتعله داعش” وحزب الله “بات الوجه الآخر لداعش في لبنان” .

صورة تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي، للافتة رفعها ناشطون في “كفرنبل” في ريف إدلب السوري

 

“الآن وقت التعبئة”

اعتبرَ الأمين العام لحزب الله أنّ المعركة قد أصبحت “وجوديّة”، مُصرّحًا بلهجة لا تخلو من التصعيد:

“قد نعلن التعبئة العامة على كل الناس – أقول قد-، سنقاتل في كل الأماكن لن نسكت لأحد بعد اليوم ومن يتكلم معنا سنحدق في عينيه ونقول له أنت خائن، كبيرًا كان أو صغيرًا (مش فرقانة معنا حدا)”.

مؤكّـدًا: “سنقاتل في كل مكان، بلا وجل ولا مستحى من أحد، سنقاتل بعيون مفتوحة، ومن لا يعجبه خيارنا فليفعل ما يراه مناسبًا له”، لأنها “الخطر الذي يتهددنا خطر وجودي، هي معركة وجود بل معركة عرض ومعركة دين لا دين لنا مع هؤلاء التكفيريين”.

وداعيًا إلى التمسّك بالمعنويات المرتفعة: “لا نهتم لتوهين الإنجازات التي تحققها معاركنا ويقوم البعض بإنكارها، ولو سقطت كل المدن، فلن يحبط هذا الأمر عزيمتنا، ويجب أن تكون معنوياتنا مرتفعة وحالتنا النفسية قوية”.

ومطالبًا الجميع بالمشاركة بالتعبئة: “الآن وقت التعبئة والكل يستطيع أن يشارك، ولو بلسانه وكل من له مصداقية عند الناس عليه أن يساهم بهذه التعبئة، يجب على العلماء التكلم، ومن له ولد شهيد عليه أن يتكلم، حتى أنتم أيها الإخوة الجرحى لسانكم جيد فتكلموا، وأنت أيها الأسير تكلم أيضًا”.

ومُكملًا:

“هذه حرب لو استشهد فيها نصفنا وبقي النصف الآخر ليعيش بكرامة وعزة وشرف يكون أفضل خيار، هذه المعركة لو استشهد فيها ثلاث أرباع وبقي الربع بشرف وكرامة سيكون هذا أفضل”.

ومُستدرِكًا: “إن شاء الله لن يستشهد هذا العدد ولكن الوضع يحتاج إلى تضحيات كبيرة لأن الهجمة كبيرة، اليوم احتشد السعودي والقطري والتركي بعدما وضعوا خلافاتهم جانبًا ليتوحدوا في المواجهة “لتغيير المنطقة”، و”طبعًا باليمن الحرب عالمكشوف…، والكل الآن دخل المعركة، إذا استنهضنا الهمم وكنا على قدر المسؤولية سنحطم عظامهم”.

ومُنهيًا ما جاء بهذا الخصوص بكلامٍ يُمهّد للمرحلة المقبلة: قد “نعلن التعبئة العامة على كل الناس”، مضيفًا:

“في السابق قلت: سنكون في سوريا، حيث يجب أن نكون، ولن نسمح لهذا المشروع أن يتمدد، ومع الأسف جوبهنا بالتخوين والتشكيك والتحريض، اليوم أقول: إننا قد نقاتل في كل الأماكن، لن نسكت لأحد بعد الآن، ونحن نمتلك أوراق قوة لم نستخدمها في المواجهة بعد”.

#هيا_إلى_التعبئة_العامة

أثار الخطابان موجة تفاعل واسعة في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أطلق الناشطون “هاشتاج” #هيا_إلى_التعبئة_العامة، و#هيا_إلى_تعبئة_الليموناضة_العامة ومما جاء فيه: ما اعتبرته الصحفيّة ديانا مقلد “تهديدات بالجملة”:

وتتساءل: “هيدول نصفنا أو 3/4 اللي عم يبشّر نصر الله أنو حيقاتلوا ويموتوا، هل سألهن إذا بدهن يموتوا، يتساءل مراقبون من عملاء وخونة وأغبياء “شيعة السفارة”.

فيما تتهكّم الصحفية كارول معلوف، قائلةً:

#مين_قلك_نحنا_خايفين

وردًّا على قول نصر الله الموجه للمسيحيين المؤيدين لفريق 14 آذار “هل موقف قيادات أو أحزاب 14 آذار تشكل ضمانة لكم؟، لا تخافوا من انتصار حزب الله بل خافوا من هزيمته”.

مؤكدًا أن تيار المستقبل اللبناني “السنّي” الذي يرأسه سعد الحريري سيكون من “أولى ضحايا تنظيم الدولة الإسلامية في لبنان”.

أطلق المغرّدون هاشتاغ #مين_قلك_نحنا_خايفين، ومما جاء فيه:

خيارات أربعة

وأشار نصر الله إلى أن حزب الله والمقاومة تواجه أربعة خيارات:

“1- أن تقاتل أكثر من السنوات الأربع الماضية.

2- أن يستسلم رجالها للذبح ونساؤها وبناتها للسبي.

3- الشتات واللجوء كأهل الموصل والرمادي والأيزيديين.

4- ما يسوّق له بعض المتوهمين، بمعزل عن انتماءاتهم، بأن نقول للتكفيريين نحن معكم، وبالتالي نسالم ونسلّم وهذا مجرّد وهم، لأن لا خيار إلا المبايعة أو الذبح. والدليل أنه في خضم معركة القلمون، وقع خلاف بين مجموعة من “النصرة” وأخرى من “داعش”، ولما رفضت إحداهما المبايعة ذُبحِت كلها، ولذلك، نقول لهؤلاء المتوهمين إما أن نقاتِل أو نُذبَح، ونحن سُنقاتل شاء من شاء وأبى من أبى، ووضعنا اليوم أفضل بكثير من السابق”.

وفيما تم اعتباره من البعض أنه مثير “للشحن الطائفي” ذكّر نصر الله مقاتليه بمعركة صفّين:

“الله كتب علينا كما كتب على الذين من قبلنا في بدر مع الرسول وكل المعارك حتى خيبر، ويجب أن نكمل إلى صفين ومن يثبت في صفين يكون قد وصل”.

مؤكدًا أن قتال الحزب هو السبب في حماية لبنان من “التكفيريين”:

“لو لم نقاتل في المدن السورية حلب (شمال)، وحمص (وسط)، ودمشق (جنوب)، لكنا سنقاتل في بعلبك، والهرمل، والغازية، وصيدا، وصور، والنبطية، وغيرها من القرى والبلدات والمدن اللبنانية”.

و”إذا استمررنا بعملنا بهذا الزخم، وكما فعلنا في القلمون وخططنا وجهزنا والله أخذنا إلى الطريقة والتوقيت، والله نصرنا في التلال.. إذا اشتغلنا بهذا الزخم وأكثر.. فإن الوعد الإلهي بالنصر مضمون حتمًا”.

تداعيات وردود فعل لبنانيّة على الخطابين

الحريري

استنكرَ زعيم تيار المستقبل اتهامات نصر الله قائلًا: “الدفاع عن الأرض والسيادة والكرامة ليست مسؤولية حزب الله لا في عرسال ولا في جردوها ولا في أي مكان آخر، وموقفنا من داعش وقوى الضلال والإرهاب لا تحتاج لشهادة حسن سلوك من أحد”.

وتساءل عن “معنى لربط مصير النبطية وبعلبك وعرسال بمصير الرمادي والموصل وتدمر وصعدة وسواها؟! وإلى أية هاوية يريدون أخذ لبنان؟ وأية حرب يطلبون من الطائفة الشيعية وأبناء العشائر في بعلبك – الهرمل الانخراط فيها؟”.

مُختصِرًا: “إذا كان المطلوب أن نفك ارتباط لبنان مع حرائق المنطقة، فالأمر في غاية السهولة. نعود إلى الدولة ونتوَحد على مرجعيتها ونقف جميعًا خلف الجيش والقوى الشرعية في حماية الحدود ومواجهة مخاطر الإرهاب من أي جهة أتى. فهذا هو الطريق الوحيد لدرء الفتنة عن لبنان”.

إعلام حزب الله

اعتبرت قناة المنار وجهات تابعة لحزب الله أن الكلام الذي ورد في الخطاب الأول قد “تعرّض لاجتزاء، وأُخرج عن سياقه الطبيعي والتسلسل المنهجي للخطاب” وفقًا لـمحمد عفيف، مسؤول العلاقات الإعلامية في حزب الله، يُذكَر أن من نقل الخطاب هما “الأخبار” و”السفير” المقرّبتان للحزب.

واعتبر محمد رعد، رئيس كتلة حزب الله البرلمانية، أن الرئيس اللبناني هو أقلّ من الخلاف مع حزب الله قائلًا في مقابلة على قناة الميادين الفضائية، ردًّا على سؤال حول موقف الحزب بحال الخلاف بين الرئيس اللبناني و”الولي الفقيه” في إيران: “هناك فرق بين أن يتخذ رئيس الجمهورية موقفًا يختلف مع قناعتنا وتوجهاتنا.. هو لا يختلف مع الولي الفقيه، كلا. دون المستوى أن يختلف مع الولي الفقيه”.

جمعيّة “إعلاميون ضد العنف”

أسِفت للكلام الصادر عن الأمين العام لحزب الله بشأنِ “شيعة السفارة الأمريكية”، واعتبرته “استمرار لمنطق كل من ليس معي هو عميل وخائن”، وجاء في سياق “رسالة إلى الشيعة اللبنانيين الذين يرفضون الانضمام إلى ولاية الفقيه”.

وحذرت من أي مكروه يمكن أن يطال أي شخصية شيعية مستقلة.

العلامة الشيعي علي الأمين

في مقابلة مع المرجعيّة الشيعية اللبنانية علي الأمين أجرتها “جريدة المدينة “، أكّـد أن “الخطب النارية التي تسيء إلى المملكة السعودية تتنافى مع ردّ الجميل لها ولا تحل الأزمة اليمنية وغيرها من الأزمات في المنطقة، ولا تخدم الشعب اليمني المحتاج إلى وقف النزاعات وبلسمة الجراح”، رافضًا “الهجوم على أيّ دولة لها علاقة مع لبنان”.

واعتبرَ أن المعارك التي يخوضها حزب الله في القلمون هو تنفيذ لـ”إرادة التحالف القائمة بين القيادة الإيرانية والنظام في سوريا، وليس للدفاع عن لبنان”.

العلامة الشيعي “الحُسيني”

اعتبرَ الأمين العام “للمجلس الإسلامي العربي” والعلامة الشيعي محمد علي الحسيني، أن “الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله حاول في خطاب ذكرى التحرير محو الذعر الذي أصاب جمهوره جراء خطاب يوم الجرحى، والذي عبر فيه صراحة عن الخوف على المصير، وعن الإحباط واليأس الذي أصاب حزبه بعد التطورات العسكرية في سوريا، لغير مصلحة النظام هناك”.

وأكّد أن “تنصيب نصر الله نفسه حاميًا أوحد للبنان، هو المرفوض شكلًا ومضمونًا في الخطاب”.

وعن حديث نصر الله عن “هزيمة المشروع التكفيري”، فلقد “جاء الخطاب تعبويًّا أكثر منه تعبيرًا عن حقائق سياسيّة وعسكرية”، و”أن إطلالة نصر الله حملت في طياتها تهديدًا خطيرًا للسلم الأهلي”.

مُعتبرًا أن التناقض في خطاب حسن نصر الله يرجع إلى عدة أمور منها أنه ليس صاحب القرار، بل إن القرار الحقيقي يأتي من طهران، وإنه ما هو إلا “جندي في ولاية الفقيه”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد