في إمارة دبي إحدى أكثر مدن العالم التي يُشار لها بالتحضر والازدهار، تتخذ شركتا «فيسبوك» و«تويتر» من تلك المدينة المكتظة مقرًا لهما للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبينما يُشار إلى أشهر شبكات التواصل الاجتماعي بأنهما رافقتا الثورات العربية وأصبحتا وسيلةً صاخبة للغضب عبر تغريدات الواقع الافتراضي، يُشار للإمارات أيضًا بأنها قادت الثورات المضادة ووفرت شرعية للاستبداد والفوضى في المنطقة، وهو ما يجعل الأمر وكأنها صراعٌ بين أيدلوجيتين متباعدتين على نفس الأرض.

والمفارقة أنّ الإمارات التي أنشأت لمواطنيها وزارتي «السعادة» و«اللامستحيل» تتُهم بالتدخل في سياسات «فيسبوك» و«تويتر» عبر حذف صفحات، ووسوم متصدرة، واختراق حسابات معارضة، كما باتت تحتضن كتائب إلكترونية – بحسب اتهامات «فيسبوك» – تساهم في الترويج للسياسات القمعية في كل من السعودية ومصر.

هذا التقرير يشرح لك كيف ضاق العالم الافتراضي بنشطائه بعدما أصبحت مواقع التواصل أداة سياسية في أيدي الأنظمة الحاكمة. 

مصر.. مليون تغريدة غاضبة لا تصمد أمام «السيسي»

عقب الحادث الذي شهدته محطة القطار الرئيسة في مصر، في مارس (آزار) الماضي، والتي راح ضحيتها 21 قتيلًا، وأصيب نحو 52، خرجت التظاهرات في عدة محافظات لتطالب الرئيس عبدالفتاح السيسي بالرحيل، وهو التصعيد الذي قوبل باستنفار أمني انتهى باعتقال 200 متظاهر بعدة محافظات مصرية، لتتحول الشوارع بعدها إلى ميادين صامتة، والصفحات الإلكترونية إلى ساحاتٍ صاخبة.

وسم كفاية بقى يا سيسي على تويتر

دشن المغردون وسم #ارحل_يا_سيسي، والذي أطلقه المصريون لأول مرة بعد خطاب ألقاه الرئيس، وأكد من خلاله استعداده لترك منصبه على الفور شريطة أن تكون تلك رغبة كل المصريين، وهو الوسم الذي تصدر قائمة الأكثر تداولًا في مصر والعالم لأيام، وهو ما استفز السيسي الذي علّق عليه قائلًا: «عايز أخرجكم من العوز وأخليكم أمة ذات شأن تعملوا وسم ارحل يا سيسي؟».

وفي المرة الرابعة التي أطلق فيها المغردون الوسم، تدخلت الكتائب الإلكترونية التابعة للنظام لمواجهة التظاهرة الإلكترونية عبر تفعيل وسم مضاد مثل «السيسي زعيمي وافتخر»، و«السيسي مش هيرحل»، لكنهما لم يصمدا أمام الوسم الذي تصدر قائمة الأعلى تداولًا لستة أيامٍ متتالية متضمنا أكثر من 400 ألف تغريدة، وهو ما دفع النظام المصري للتدخل لحذفه عبر التواصل مع الشركة التي يقع مقرها في الإمارات.

وعقب الفيديوهات التي أطلقها الفنان والمقاول المصري محمد علي والتي يزعم فيها بتورط السيسي وزوجته وعدد من قيادات الجيش بوقائع فساد، نجحت لجان النظام في البداية في حذف فيديوهات محمد علي من صفحته الشخصية على «فيسبوك» والسيطرة عليها في الأيام الأولى، لكن الأخير عمد إلى تأسيس صفحة جديدة تحمل اسم «أسرار محمد علي» دون أن يتمكن النظام هذه المرة من السيطرة عليها.

وقبل يومين صعّد المقاول المصري من حدة تصعيدة فدعا لإطلاق وسم «كفاية بقى يا سيسي» لدعوة الرئيس المصري للتنحي في حال لاقى رواجًا بين المُستخدمين، ليتجاوز وسم في خلال أقل من 24 ساعة مليون و130 ألف تغريدة، قبل أن يتفاجأ المستخدمون صباح اليوم التالي باختفاء وسم بأرقامه الكبيرة، والذي وصل المركز الثالث عالميًا، وهو الذي بررته صحيفة «الفجر» التي تديرها المخابرات الحربية بأنّ «تويتر» حذف أكثر من مليون تغريدة لحسابات وهمية، كما زعمت أنّ أغلب التغريدات الحقيقية اُستخدمت من حسابات من خارج مصر.

ورغم التصريحات القديمة للسيسي بأنه قادر على السيطرة على مواقع التواصل بكتيبتين إلكترونيتين، إلا أنّ حذف وسم الأخير وجه أصابع الاتهام للدور الذي تستغله الإمارات في استخدام نفوذها في حذف تغريدات كما فعلت من قبل في السعودية.

«الفنان المقاول» ليس أولهم.. إليك 5 من أشهر نافخي الصافرات حول العالم

السعودية.. «الذباب الإلكتروني» لا يكفي !

كشفت شركة «فيسبوك» أوائل الشهر الماضي أنّ ثلاث دول عربية (السعودية والإمارات ومصر) تمتلك شبكة حسابات وهمية لها نحو 14 مليون متابع تعمل من مصر والإمارات تستهدف التأثير السياسي وتعمل على تضليل الرأي العام في منطقة الشرق الأوسط.

ولأول مرة يعترف مدير سياسة الأمن الإلكتروني في «فيسبوك» بأنّ الحكومة السعودية تقف وراء الحسابات المزيفة والحملات التي سبق وأن استهدفت قطر، أو حاولت الدفاع عن الممكلة عقب مقتل الصُحافي السعودي جمال خاشقجي، وتستهدف تلك الصفحات دعم سياسات ولي العهد محمد بن سلمان وخطته للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، ونجاحات القوات المسلحة السعودية، ودورها في حرب اليمن وإعادة الشرعية اليمنية.

على جانبٍ آخر كانت الحسابات الوهمية التي يقودها سعود القحطاني، ذراع ولي العهد السعودي، والمُلقب بـ«أمير جيش الذباب الإلكتروني» هي المسئولة عن الترويج بأن إدمان الأمير محمد بن نايف للأدوية المخدرة، كان السبب في إقصائه عن ولاية العهد، وتصفه صحيفة «واشنطن بوست» بأنه المروج الرئيس لأفكار المملكة الأكثر استفزازية ضد قطر عقب الحصار الذي دخل عامه الثالث.

ومثلما يُتهم «تويتر» بانحيازه للنظام المصري ووقوعه تحت سطوة الإمارات، تدخلت السعودية لحذف وسم #أوقفوا_تبذير_آل_الشيخ_لأموال_الشعب، والذي أطلقه المعارض السعودي المقيم بالخارج عمر عبد العزيز. فيما سبق هذه الخطوة؛ اختفاء حساب «مجتهد» عام 2015 الذي يتابعه أكثر من اثنين مليون متابع، والمسؤول منذ ما يزيد عن ستة أعوام بتسريبات كشفت صحتها فيما بعد، وبعدما أعاده «تويتر» نزع عنه كافة تغريداته ومُتابعيه، ليعود مرة أخرى كما كان: «لا يسعى للإصلاح، إنما يكشف الفضائح الملكية».

والسعودية التي يحظى فيها موقع «تويتر» بأهمية كبرى أكثر من «فيسبوك» بات يقبع سرًا تحت سيطرة جهاز أمن الدولة السعودي، إلى جانب الدعوات العلنية التي كان يقودها القحطاني علنا قبل اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، والتي من بينها على سبيل المثال، تدشينه لوسم #القائمة_السوداء، والذي حث فيه السعوديين على الإبلاغ عمّن يرونهم أعداءً للمملكة، بينما يتواصل النظام السعودي لحذف حسابات المعارضين له في الخارج.

واللافت أنّ تقرير الشفافية التي أصدرته «تويتر» حول طلبات تلقي المعلومات الحكومية وغير الحكومية للحصول على معلومات الحسابات لا توجد فيها مصر أو السعودية أو الإمارات، إلا أنّ تلك الدول تُتهم بالتدخل في حذف وسوم تستهدف أنظمتها الحاكمة، رغم أنها الوسوم نفسها لا تقع تحت محظورات الخوارزميات التي تجعلها تُحذف تلقائيًا.

إسرائيل.. أصوات المقاومة تُزعج «فيسبوك» و«تويتر»

في الوقت الذي تصدرت فيه قصة الفتاة الفلسطينية عهد التميمي حديث مواقع التواصل الاجتماعي عقب إلقاء الاحتلال الإسرائيل القبض عليها لاتهامها بضرب جنديين إسرائيليين، كان «تويتر» قد حذف حسابها منعًا لحملات التضامن.

والاتهامات نفسها تُطال «فيسبوك» الذي يُتهم بالانحياز لإسرائيل، بعد حذفه للصفحات الإخبارية والحسابات الفلسطينية، وكذلك حذفه بدون أسباب لحسابات المسؤولين عن الصفحات التي يتابعها الملايين، وهو ما دفع النشطاء الفلسطينيين للمشاركة في حملة «وقف النشر» ضد «فيسبوك».

واللافت أن الصفحات المحذوفة لا تحمل ما يمكن اعتباره خرقًا لمعايير المجتمع التي تحددها سياسة «فيسبوك»، مثل حذف صفحة وكالة «صفا» الفلسطينية، وإغلاق صفحة «حركة التحرير الفلسطينية (فتح)».

وفي تصريح لقناة «الجزيرة» القطرية، اعترف المتحدث باسم «فيسبوك» بأنّ مسؤولين من الحكومة الإسرائيلية اجتمعوا مع ممثلين من الشركة قائلًا: إن ذلك حدث: «في إطار حوار مستمر مع ممثلي الحكومات العالميين حول مجموعة مسائل ترتبط بالأمان على الإنترنت»، وهو ما اعتبرته الصفحات المحذوفة دليل واضح للانحياز، وأن إسرائيل تخوض حربًا بالوكالة عبر الشركة.

وذكرت تقارير فلسطينية أن «فيسبوك» تستخدم خوارزمية إسرائيلية خاصة سبق وأن حذفت صورة أفراد القوة الإسرائيلية الخاصة التي تسللت إلى قطاع غزة بعدما كشفت عنها «كتائب القسام»، الذراع العسكرية لـ«حركة المقاومة الإسلامية (حماس)» في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي.

بقى أن نقول بأن سياسة الحذف سبق وأن طالت وسم #نحن_نحب_أردوغان على «تويتر»، والذي دشنه أنصار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بعد ساعاتٍ من انطلاقه وتصدره قائمة الوسوم الأكثر تداولاً في العالم، وتكرر الأمر نفسه عقب تصدر وسم #حلب_تحترق، وهو ما أثار عاصفة انتقاداتٍ واسعة طالت أيضًا «فيسبوك» بسبب تحيزه في عدم تفعيله خاصية «فحص الأمان» في سوريا والتي تُتسخدم في حالة الكوارث والتفجيرات الإرهابية، ليتضح أن وسائل التواصل الاجتماعي، ليست بعيدة كل البعد عن الانحيازات والأهواء السياسية.

قصة الشركة المصرية التي أغلق «فيسبوك» صفحاتها 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد