على الرغم من تصريحات الإدارة الأمريكية التي تنفي وجود أي تنسيق مباشر مع المليشيات الشيعية في العراق والمدعومة من إيران, إلا أن صحيفة نيويورك تايمز أشارت في مقال لها نشر مؤخرًا إلى أن العمليات العسكرية في شمال العراق شملت تنسيقًا مشتركًا بين الطائرات الحربية الأمريكية والمليشيات الشيعية لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام, أو ما يطلق عليه اختصارًا اسم تنظيم “داعش”.

 

وتوقعت الصحيفة أن يفضي استمرار تلك العمليات العسكرية في العراق, الذي شهد حالة من التدهور منذ انسحاب القوات الأمريكية في عام 2011, إلى ما دعته بالتحول الجذري في العلاقة ما بين الولايات المتحدة وإيران, تلك الدولتان اللتان تنافستا دومًا على السيطرة على مقاليد الأمور في العراق من جهة, وما بين الولايات المتحدة والمليشيات الشيعية التي شاركت في هجمات ضد القوات الأمريكية في العراق من جهة أخرى, رغم ما يكتنف ذلك الدعم الأمريكي لتلك المليشيات التي أثبتت تفوقًا قتاليًّا.

وعزت الصحيفة التقدم الذي أحرزه تنظيم داعش في العراق خلال الأشهر الأخيرة إلى تصاعد موجات الغضب من قبل السنة في العراق تجاه حكومة نورى المالكي, رئيس الوزراء العراقي السابق. وحذرت من مغبة الدعم الأمريكي للمليشيات الشيعية التي أثارت الرعب بين السنة خلال الحرب الطائفية في عامي 2006 و2007. فهذا الدعم قد يدفع بدوره السنة إلى الإحجام عن المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية, أو حتى الانضمام إلى داعش في أسوأ السيناريوهات.

ونقلت الصحيفة في هذا الصدد تصريحات عن دايفيد باتريوس, قائد القوات الأمريكية في العراق عام 2007, وكان قد أدلى بها في مؤتمر أمني عقد بلندن في شهر يونيو الماضي, وطالب من خلالها إدارة الرئيس الأمريكي أوباما أن تواجه المتطرفين في كافة أنحاء العراق, وألا تتحول المواجهات في العراق إلى معركة عربية شيعية ضد السنة العرب.

 

وأبرزت الصحيفة كذلك تصريحات عدد من المسئولين الأمريكيين الذين نفوا وجود أي تنسيق مباشر مع طهران في العراق, مؤكدين على أن العمليات العسكرية الأمريكية في العراق تُجرى بالتنسيق مع وحدات الجيش النظامي العراقي والحكومة العراقية والقوات الأمنية الكردية. كما شددوا على أن عمليات التنسيق مع المليشيات الشيعية تتم فقط من خلال قوات الأمن المحلية العراقية.

ونوهت الصحيفة إلى أن تنظيم داعش نجح في استغلال فوضى الحرب الأهلية في سوريا العام الماضي, وتمكن من السيطرة على مساحات واسعة في سوريا قبل وصوله إلى العراق. وأشارت إلى أن الاضطرابات التي أحدثها التنظيم الجهادي في المنطقة ألقت بظلال قاتمة على وحدة العراق. وهو ما أجبر الرئيس الأمريكي أوباما على الانخراط من جديد وبقوة في مسرح الأحداث في الشرق الأوسط.

على الجانب الآخر, مثل الصعود المتنامي لداعش في العراق وسوريا نذير خطر بالنسبة لإيران, ذات الأغلبية الشيعية الساحقة, خاصة فيما يتعلق بطموحات وأهداف التنظيم في إقامة خلافة سنية في المنطقة. ولم تقتصر التهديدات التي شكلها تنظيم داعش على طهران على ذلك فحسب, وإنما امتدت – بحسب ما ورد في الصحيفة- إلى زعزعة الاستقرار في كل من سوريا والعراق القريبتين من طهران، واللتين تعتمد عليهما في مساعدتها على بسط سيطرتها ونفوذها في المنطقة.

وتابعت الصحيفة في شرح أبعاد العلاقات فيما بين طهران وواشنطن، خاصة ما يتعلق منها بالأوضاع في العراق وسوريا, وما يكتنف تلك الأوضاع من سياسات متشابكة. ففي ظل التكهنات التي تشير إلى نقل الإدارة الأمريكية لعملياتها العسكرية ضد داعش إلى سوريا, تسائلت الصحيفة عن تبعات هذا الإجراء خاصة مع تباين الأهداف لكلا الطرفين: الأمريكي، والإيراني في سوريا. ففي الوقت الذي ما تزال فيه إيران الداعم الأساسي للنظام السوري بقيادة الرئيس بشار الأسد, تسعى الولايات المتحدة إلى الإطاحة بنظام الأسد من خلال دعم المتمردين المعتدلين.

بيد أن الصحيفة ألمحت في ذات الوقت إلى أن أي عمل عسكري أمريكي ضد تنظيم داعش في سوريا من شأنه أن ينهي الدعم الإيراني للأسد, طالما رأت في ذلك طهران تعزيزًا لأجندتها في المنطقة, وتقليصًا لخطر التهديدات التي يشكلها ذلك التنظيم الذي يقف عقبة أمام الطموحات الإيرانية في المنطقة.

وعلى النقيض من تصريحات سابقة للرئيس الإيراني حسن روحاني والتي أفادت بالقبول الإيراني للعمل المشترك مع الولايات المتحدة لوقف الفوضى في العراق, عكست تصريحات روحاني الأسبوع الماضي تراجعًا في مواقفه الداعمة لعمليات التنسيق مع واشنطن, مستبعدًا أن يكون هناك تعاونًا إيرانيًّا أمريكيًّا لمكافحة الجماعات الإرهابية الإقليمية. وهو ما اعتبره البعض بمثابة المناورة السياسية لإعطاء طهران مساحة كبيرة في المفاوضات حول البرنامج النووى الإيراني, أو تهدئة للانتقادات الداخلية للنظام الحاكم.

وفيما يتعلق بالعمليات العسكرية الأمريكية في شمال العراق, أوضحت الصحيفة أن الدوافع الأمريكية لشن تلك الهجمات منذ عدة أسابيع ارتكزت بالأساس على حماية المدنيين الأمريكيين في مدينة أربيل العراقية التي كانت تئن من وطأة التهديدات الإرهابية من تنظيم داعش. بالإضافة إلى دعم وصول المساعدات الإنسانية للآلاف من اليزيديين الذين يشكلون بدورهم مجموعة من الأقليات في العراق، والمحاصرين في جبل سنجار.

وأوردت الصحيفة أسماء بعض المليشيات الشيعية التي تشارك في العمليات العسكرية في شمال العراق، ومن أهمها عصائب الحق, أحد المليشيات التي كانت معادية للولايات المتحدة إبان الاحتلال الأمريكي للعراق, والتي ترتبط في نشأتها بالزعيم الشيعي مقتدى الصدر. وكذلك فيلق بدر بزعامة هادي العامري, وزير النقل العراقي, وغيرها من المليشيات التي تتلقى دعمًا من إيران.

ونقلت الصحيفة عن مهدي تقي, أحد أعضاء مجلس محافظة صلاح الدين, إشادته بدور الجهاديين من مليشيات عصائب الحق في تحرير مدينة أمرلي العراقية من أيدي تنظيم داعش. وفي الوقت الذي أعرب فيه نعيم العبودي, المتحدث باسم ميليشيات عصائب الحق, عن سعادته بهزيمة داعش, قلل العبودي من أهمية الدور الأمريكي, مضيفًا أن المليشيات لا تبدي ثقة من جانبها في الولايات المتحدة قائلاً: “الأميركيون، نحن لسنا بحاجة لهم”.

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد