مع تطوُّر التهديد الإيراني، وتمخُّض “الربيع العربي” عن حالة من الغموض السياسي، تأثَّرت حسابات الجغرافيا الاستراتيجية والأمن الإقليمي بعمق لدى الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي (GCC)، الذي يضم: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر وعمان والكويت والبحرين. وفي ظل عدم وجود نهج موحد، أو حتى مشترك، لمواجهة تلك الأزمات، أصيبت العلاقات بين أمريكا وحلفائها الرئيسين في الخليج بإحباط، وأثارت سُخطًا من المنطقي ألا تكون كافة مصادره قابلة للاحتواء. ومن الواضح أيضًا أن الفشل المتزايد في رفع مستوى الجهود المبذولة في هذا السياق سوف يكون له آثار سلبية ومكلفة على المصالح الأمنية الأمريكية والخليجية على المدى الطويل.

بيئة استراتيجية مفتتة

وبينما تستعد الولايات المتحدة الأمريكية ودول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة بيئة استراتيجية جديدة تتسم بالتفتيت غير المسبوق، وصعود جهات فاعلة غير حكومية عابرة للحدود الوطنية، وظهور جيل جديد من الجماعات الإرهابية، وانتشار الأسلحة، لا يوجد بديل استراتيجي عن بناء هيكل أمني تعاونيّ يعتمد على القدرات القائمة لتوفير التوافقية الحقيقية وتقاسم الأعباء الأمنية.

ورغم الإجماع الواضح بين أمريكا ودول الخليج على تطوير البنية الأمنية الإقليمية – حيث تُمنَح الأولوية للتعاون في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي والتعاون الأمني البحري الإقليمي- تواصل المسائل التقنية عرقلة التقدم. ففي مجال الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، على سبيل المثال، قامت دول الخليج باستثمارات ضخمة للحصول على نظام “ثاد” للدفاع الجوي من الولايات المتحدة، وتطويره على مدى السنوات العشرة الماضية، لكن في المقابل كان التقدم يسير بخطى السلحفاة في مجال التكامل التشغيلي بسبب القيود الأمريكية المفروضة على استخدام التقنية. مقارنة بالتقدم الأكثر وضوحًا في مجال الأمن البحري؛ نظرًا للتدريبات المشتركة المستمرة والجهود المبذولة لتطوير التكتيكات والتقنيات والإجراءات.

ومع ذلك، تبقى السرية الأمريكية عقبة أمام الارتقاء بالأداء إلى المستوى المتوقع من تبادل المعلومات مع الشركاء الخليجيين. فيما لا يمكن الاستدلال بحجم مبيعات الأسلحة الموجهة إلى دول الخليج في حد ذاتها لاختبار مدى التزام الولايات المتحدة حيال حلفائها الخليجيين والأمن الإقليمي، أو اعتبارها بديلاً عن بناء هيكل أمني تعاوني حقيقي.

انتهازية سياسية أمريكية

ما فعلته أمريكا باختصار هو تبني نهج إقليمي يعتمد تقريبًا على طبقات من العلاقات الثنائية مع دول مجلس التعاون الخليجي؛ وهي الاستراتيجية التي أتاحت لأمريكا مساحة من التعاون تتميز بعدد أقل من القيود، وتسمح لها في بعض الأحيان بالاختلاف – جزئيًّا أو كليًّا- مع التوجهات التي اتفقت عليها الأغلبية في المنطقة.

وينبع هذا النهج التقليدي من تيار فكري داخل دائرة صنع القرار في الولايات المتحدة يعتبر دول مجلس التعاون الخليجي “طرفًا ثالثًا” في الأمن الإقليمي، ويتردد في قبول فكرة أن التعاون الأمني الأمريكي مع دول المجلس سيتحقق أكثر من الشركات الثنائية الفردية.

ورغم أن توافق الآراء عملية تراكمية وتواؤمية تتطور وتتكيف مع الظروف المتغيرة حتى تُثمِر في نهاية المطاف، أدى نقص الاستثمار السياسي الأمريكي في الشراكة مع دول الخليج إلى ظهور أحد أشكال الانتهازية السياسية على الجانب الأمريكي، والتي ربما تهدد عملية بناء الإجماع بين دول مجلس التعاون من الخارج.

بيدّ أن المنطق التقليدي لتبرير هذه الاستراتيجية لم يعد صالحًا في ظل هذا السياق الناشئ. وبموازاة عملية إعادة التمركز الاستراتيجي الأمريكي في منطقة القيادة المركزية، نشأت تحديات وفرص جديدة للعلاقات بين الطرفين، لا يمكن التعامل معها إلا في سياق التعاون الاستراتيجي بين أمريكا ودول الخليج.

إزالة الحواجز السياسية والتقنية

وبينما يشير المسئولون الأمريكيون إلى أن دول مجلس التعاون هي التي يجب عليها أن تأخذ زمام المبادرة لتحقيق تقدم على المستوى السياسي، من أجل بناء توافق داخلي في الآراء، فإنهم غالبًا ما يتجاهلون أن الولايات المتحدة هي العامل الخارجي الأكثر أهمية لنجاح هذه العملية، وعليه الامتناع عن الانتهازية السياسية، وتحويل رؤى التوافق إلى عناصر محددة من التعاون الأمني القابلة للتنفيذ.

ولتحقيق ذلك يجب أن يتجاوز الدعم المؤتمرات الوزارية والتواصل على مستوى القيادة، ويترجم إلى تقارير محددة ومفصلة بجداول زمنية واضحة وموارد مناسبة، بالإضافة إلى رفع الحظر التقني المفروض على الجيوش الخليجية (وهو ما يعكس عجزًا كبيرًا في الثقة) بما يسمح بتنفيذ التكامل التشغيلي المشترك فيما بينهم.

وإذا كان التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي يهدف إلى الحفاظ على توازن القوى العالمي والإقليمي، يتعين على أمريكا إزالة الحواجز السياسية والتقنية بما يعزز قدرات الردع الجماعي الخليجية ويسمح بتطوير برامج التعاون المتقدمة، ويحافظ على المصالح الحيوية للأطراف ذات الصلة، ويضمن الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.

 

* إينجما؛ هي الاختصار الإنجليزي لـ مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري Institute for Near East and Gulf Military Analysis.

* اقرأ أيضًا:

الانهيار المرتقب لممالك الخليج

عرض التعليقات
تحميل المزيد