تُعد الإمارات قبلة عمل مميزة للأجانب والمُغتربين العرب خصوصًا، وهو ما استغلته الإمارات كسلاح ووسيلة ضغط سياسي لتنفيذ أهدافها في عدد من دول الربيع العربي، من خلال تقييض إقامة المُغتربين بوقف تصاريح عمل أو بالاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري لمُنتسبين للثورات العربية في تونس ومصر وسوريا وليبيا، في الوقت الذي تستقبل فيه الإمارات رموزًا محسوبين على الأنظمة التي اندلعت ضدها الثورات العربية مطلع 2011.

تُعد الإمارات العربية المتحدة، قبلة عمل مميزة للأجانب، والمُغتربين العرب خصوصًا، وهو ما استغلته الإمارات كسلاح ووسيلة ضغط سياسي؛ لتنفيذ أهدافها في عدد من دول الربيع العربي، عبر تقييد إقامة المُغتربين، بوقف تصاريح العمل أو بالاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري لمُنتسبي الثورات العربية، في تونس ومصر وسوريا وليبيا. في الوقت الذي تستقبل فيه الإمارات رموزًا محسوبة على الأنظمة التي قامت ضدها ثورات «الربيع العربي» مطلع 2011م.

الإمارات تميل «للوبي الإيراني» في الملف السوري

رغم الدعم الظاهري للثورة السورية، التي قد تُظهره الإمارات باعتبارها إحدى دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن وثائق مُسربة عن وزارة الخارجية السعودية، نشرها موقع ويكيليكس، في يونيو (حزيران) الماضي، تكشف عن «غموضٍ» في الموقف الإماراتي تجاه القضية السورية. بحسب الوثائق، فإنّ الإمارات أحيانًا ما تُبدي ميلها لنظام الأسد، مُتأثرة بما أسمته الوثائق بـ«اللوبي الإيراني». وقد وصل الأمر إلى عدم التزام الإمارات بقرار مجلس التعاون الخليجي، الخاص بطرد السفراء السوريين من دول المجلس، واستدعاء سفراء الدول الأعضاء، من دمشق.

من بين هذه الوثائق، كشفت وثيقة سرية، إبعاد سوريين معارضين للأسد عن أراضيها، إذ أشارت برقية سرية صادرة من سفارة السعودية في أبوظبي إلى أنّ «بعض الإجراءات التي اتخذتها السلطات الإماراتية، بإبعاد المتظاهرين السوريين من المقيمين في الدولة، والمناهضين للنظام السوري، بحجة تظاهرهم دون تصريح، مخالفة لقوانين الدولة التي تمنع التظاهر».

وربطت البرقية بين تلك الإجراءات، وبين«المعلومات التي توفرت لدى السفارة، حول المستجدات في العلاقة بين دولة الإمارات وإيران، فيما يتعلق بالملف السوري من جهة، والعلاقات الثنائية بين البلدين من جهة أخرى، بخاصة بعد الزيارة المفاجئة التي قام بها الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير خارجية دولة الإمارات إلى إيران».

صورة للبرقية المُسربة

مُحاولة فاشلة لتكرار المشهد المصري في تونس

لدى الإمارات موقف واضح ضد الإسلام السياسي، ومن يُمثّله، وبالأخص جماعة الإخوان المسلمين. لذا كان خيار الإمارات لا رجعة فيه، من حيث دعمها للباجي قائد السبسي، مُرشح حزب نداء تونس في الانتخابات الرئاسية التي فاز بها، في مُواجهة مُنصف المرزوقي المدعوم من قِبل حركة النهضة.

يكمن تميز التجربة التونسية في تحالف الغريمين نداء تونس و حركة النهضة،ما أثار غضب الإمارات التي أرادت التخلص من إخوان تُونس كما حدث في مصر، وهو ما كشف عنه الصحافي سُفيان بن فرحات، منتصف العام الماضي، حين قال: «لقد كشف لي الرئيس السبسي، عندما سألته عن المساعدات التي وعدت بها الإمارات قبل الانتخابات الأخيرة، أنه رفض طلب إمارة دبي، عندما أعلمته بأنّ المساعدات والهبات، والمشاريع الاقتصادية، مرهونة في إعادة السيناريو المصري في تونس».

من النفس المُنطلق، يربط البعض القرار الإماراتي، بمنع تجديد إقامات تونسيين، أو منع إعطاء تأشيرة الدخول لآخرين، وذلك في يونيو (حزيران) الماضي (2015).

السيناريو الأسوأ في مصر

استخدمت أبوظبي سلاح التضييق على المُغتربين المصريين في الإمارات، بطرق مُتعددة ومختلفة؛ للمساعدة على تحقيق الأهداف الإماراتية في مصر، مُنذ ثورة 25 يناير 2011م، وصولًا إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي، مرورًا بحكم المجلس العسكري، والرئيس المعزول محمد مُرسي.

في عهد المجلس العسكري، كشفت وثيقة مُسربة، عن ضغوط إماراتية لوقف مُحاكمة الرئيس المخلوع محمد حُسني مُبارك، استخدمت فيها أبو ظبي سلاح التضييق على المُغتربين، كوسيلة للضغط على مصر. وكشفت برقية سرية مُسربة عن السفارة السعودية في أبوظبي، عن أن الهوى السياسي في الإمارات، إبان انتخابات الرئاسة المصرية قبل الماضية، يتجه لدعم أحمد شفيق، باعتباره «أحد رموز الدولة، إبان حُكم الرئيس [السابق] (محمد حُسني مُبارك)، الذي لاقى حُكمه تأييدًا كبيرًا من دولة الإمارات»، كما تُخبر الوثيقة.

وكشفت البرقية عن تردد معلومات تفيدبأن الإمارات «مارست ضغطًا كبيرًا على المجلس العسكري الحاكم بمصر،لكي لا تتم محاكمة الرئيس [السابق] حسني مبارك، تداول وقتها أن زيارة رئيس الوزراء المصري عصام شرف، لدولة الإمارات تأجلت لأكثر من مرة بسبب محاكمة مبارك، وبسبب اتهام عدد من المستثمرين الإماراتيين بأنهم شركاء مع رموز النظام السابق، المحسوبين على الرئيس السابق حسني مبارك».

وكان أحد أهم آليات الضغط السياسي للإمارات، التي لفتت إليها الوثيقة في هذا السياق أن«دولة الإمارات وقتها، أوقفت تجديد تصاريح العمل للمصريين العاملين بالدولة، وكذلك أوقفت تصاريح الزيارة للمصريين».

صورة للوثيقة المُسربة

وبعد وصول الرئيس المعزول محمد مرسي، لسدة الحكم، وصل التصعيد الإماراتي لاعتقال عدد من المصريين، أفرجت الإمارات عن 103 منهم، في 29 أبريل (نيسان) 2013م، بعد مُطالبة مُرسي بذلك بُغية تحسين العلاقات بين البلدين. وعلى ما يبدو، فإن عددًا كبيرًا من هؤلاء المصريين، قد اعتقلوا بعد وصول مُرسي إلى سدّة الحكم، فيما لم يتبين مصير 11 مُعتقلًا آخرين، كانت الإمارات قد اتهمتهم بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين.

واستمرت الإمارات في تعقب من تتهمه بالانتماء للإخوان المسلمين، عقب عزل مُرسي، وتعيين عدلي منصور رئيسًا مُؤقتًا للبلاد، مع بيان الثالث من يوليو (تموز) 2013م. وأفادت تقارير صحافية، عن محاكمة الإمارات لـ 14 مصريًا، في أكتوبر (تشرين الثاني)متهمين بـ«الانتماء لجماعة الإخوان،ومحاولة تجنيد أعضاء جدد وجمع تبرعات في الإمارات». بعد أشهر قليلة من حكم المحكمة الإماراتية العليا، حكمت في الثاني منيوليو (تموز) 2013م، على 69 مصريًا قالت إنهم مُرتبطين بالإخوان المسلمين، بالسجن ما بين سبع سنوات إلى 15 سنة، بتهمة «تشكيل تنظيم سري يهدف إلى قلب نظام الحُكم».

وبعد وصول السيسي للحكم في منتصف 2014م، اعتقلت قوات الأمن الإماراتية، في 21 أكتوبر(تشرين الثاني) 2014م، مُصعب نجل أحمد عبد العزيز، أحد أعضاء الفريق الاستشاري لمحمد مرسي، وشقيق الصحافية حبيبة عبدالعزيز، التي قتلتها قوات الأمن المصرية، في فض اعتصام رابعة العدوية.

«لو طلبوا مني وقتها الاعتراف بأني قادم من المريخ لتدمير الأرض لفعلت، فقط لكي يتم إيقاف التعذيب»، هكذا يحكي مُصعب عن شدة التعذيب الذي تعرض له، ليعترف بالاتهامات المُوجهة له. وقد كان مُصعب قد نفى في تسجيل صوتي باللغة الإنجليزية، نشره الائتلاف العالمي للحريات والحقوق،في 6 فبراير (شباط) الماضي، الاتهامات الموجهة إليه،أو أن يكون لديه أي اهتمام بالشأن السياسي.

وبحسب الائتلاف العالمي للحريات والحقوق، فقد تعرض مصعب للتعذيب البدني والنفسي، وحُبس انفراديًا لمدة أربعةأشهر، قبل أن يُعرض على النيابة، في 10 فبراير (شباط)الماضي، بعد 15 شهرًا من اعتقاله.

ليبيا

ما حدث مع مُصعب، يشبه إلى حدٍ كبير ما حدث مع أربعة آخرين من ليبيا، كان ثلاثة منهم قد اختفوا قسريًا لمدة لا تقل عن أربعة أشهر.

وترجع الأحداث لشهر أغسطس (آب) 2014م، عندما ألقت قوات الأمن الإماراتية القبض على ثمانية رجال أعمال ليبيين، متهمة إياهم بدعم كتيبة 17 فبراير وقوات فجر ليبيا. وحكى أربعة ممن أُطلق سراحهم، في وقت لاحق، لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، ما حدث معهم، لتذكره المنظمة في تقرير لها: «إنّ السلطات الإماراتية أخضعتهم لتعذيب منهجي في منشأة أمن الدولة، بالقرب من أبوظبي، حيث احتُجز أيضًا الرجال الأربعة المحاكمون، لانتزاع ما قالوا إنها اعترافات كاذبة. قال الرجال: «إن المحققين استجوبوهم حول صلاتهم المفترضة بجماعة الإخوان المسلمين – التي تعتبرها الإمارات منظمة إرهابية– ووصفوا مجموعة من الانتهاكات، منها الضرب؛ الإجبار على الوقوف؛ والتهديد بالاغتصاب، الصعق الكهربائي، والقتل».

الإمارات تُرحب برموز «الثورات المُضادة»

وفي الوقت الذي تُضيق فيه الإمارات على مواطني دول «الربيع العربي»، كضغط على سلطات تلك الدول، تستقبل من جهة أخرى رموزًا للأنظمة العربية التي قامت ضدها الثورات. بالنسبة لمصر، استقبلت الإمارات أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء في عهد مُبارك. وأخيرًا استقبلت أحمد الزند، وزير العدل المُقال حديثًا، والمتهم في عدد من قضايا الفساد. كذلك، فإن صحيفة «وورلد تريبيون» الأمريكية، كانت قد قالت: إن «19 طائرة نقلت أعضاء مهمين من نظام حسني مبارك وعائلاتهم إلى مطار دبي بالإمارات العربية المتحدة، يوم 29 من يناير 2011م».

وأما عن ليبيا وتونس، فقد كشف تقرير لمجلة فورين بوليسي الأمريكية، في أغسطس (آب) 2014م، استقبال الإمارات عددًا من رموز نظام القذافي منهم: محمود جبريل وزير التخطيط في عهد القذافي، وعبد المجيد مليقطة، أحد الرموز السياسية في تحالف القوى الوطنية الذي يتزعمه جبريل. كما يعيش اثنان من رموز أجهزة الأمن التونسية المُتهمين في عمليات قمع تظاهرات الثورة التونسية.

وعن سوريا، فقد انتقلت مُؤخرًا شقيقة رئيس النظام السوري، بشرى حافظ الأسد، مع والدتها أنيسة مخلوف، للعيش في دبي، وذلك مع بدايات الانتفاضة السورية في 2011م.

عرض التعليقات
تحميل المزيد