لا ينكر أحد من الخبراء تفوق النموذج الاقتصادي الإماراتي على باقي الدول الخليجية، ونجاحه في الصمود أمام هبوط أسعار النفط، فبخلاف دول المنطقة، تمكنت الإمارات العربية المتحدة من تحقيق أرقام اقتصادية جديرة بالاهتمام خلال العام الماضي، إذ ساهم تنوع اقتصادها، والقدرة على التأقلم مع انخفاض أسعار النفط، في تجنب البلاد الوقوع بدوامة اقتصادية سقطت بها معظم الدول المصدرة للنفط.

ودائمًا ما ينظر إلى اقتصاد البلاد على أنه متنوع ويستطيع أن يتكيف بشكلٍ أو بآخر مع التحديات التي تشهدها المنطقة الغنية بالنفط، إذ نجحت الإمارات أن تقطع شوطًا كبيرًا في عدد من القطاعات الاقتصادية بعيدًا عن النفط، ولكن هل يكفي ذلك لكي تستغني الإمارات عن النفط وتبعات أسعاره المنخفضة سواء في المدى المتوسط أو البعيد؟!

اقرأ أيضًا:

على ما يبدو فإن هذا التنوع لا يكفي لكي تستغني البلاد عن النفط حتى الآن، ولذلك نجد توجهًا إماراتيًّا قويًا نحو الضرائب لتعويض فوارق الإيرادات، فبعد أن أنشأت الإمارات مصلحة الضرائب الاتحادية التي ستكون مسؤولة عن جمع الضرائب، بات الحديث يتزايد عن أنواع متعددة من الضرائب سواء تلك التي سيشترك في تطبيقها دول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام، أو ضرائب خاصة بالإمارات، إذ كشف وكيل وزارة المالية الإماراتي، يونس الخوري، مؤخرًا، عن بدء إجراء دراسات أولية لفرض ضرائب على الشركات العاملة بدولة الإمارات.

دراسات الإمارات ليست الأولى من نوعها، إلا أنها لأول مرة تعلن فيها عن فرض ضرائب على الشركات العاملة في الدولة، بينما بدأت بالفعل في تطبيق سلسلة من الضرائب، أهمها الضريبة على القيمة المضافة والضريبة الانتقائية، وذلك يأتي في إطار الخطط الاقتصادية الرامية إلى تنويع اقتصادها بعيدًا عن الإيرادات النفطية، وفشلت الإمارات في فرض ضرائب على الشركات في السنوات الماضية، ففي العام 2012، بحثت مؤسسات حكومية فرض ضريبة موحدة على الشركات، لكنها لم تطبق.

الضرائب.. البديل الأكثر جاهزية

لا شك أن الضرائب أسهل البدائل التي يمكن الاعتماد عليها لدعم الإيرادات، ولكن ربما تكون نتائجها السلبية صعبة على الاقتصاد، فيما نجد الإمارات تتوسع بقوة في فرض الضرائب مؤخرًا، وذلك لدعم الإيرادات المتضررة من هبوط النفط، ووفقًا للقانون الإماراتي، لا تفرض حكومة الإمارات ضرائب على الشركات باستثناء شركات النفط، وفروع البنوك الأجنبية، إذ تدفع الشركات النفطية ضريبة قدرها 55% والبنوك 20% في حين أن الشركات غير النفطية والأفراد في الإمارات معفيون من ضريبة الدخل، حتى الآن، فيما تقدم المناطق الحرة في كل من أبوظبي، ودبي، والشارقة، وعجمان، وأم القيوين، ورأس الخيمة، والفجيرة العديد من المزايا مثل:

-ملكية كاملة 100% للمؤسسة دون الحاجة إلى وجود شريك محلي.

-إمكانية تحويل رأس المال، والأرباح بنسبة 100%.

-عدم وجود حد أدنى لاستثمار رأس المال.

-عدم وجود ضرائب على دخل الشركات، أو الدخل الشخصي.

إلا أنه لكل منطقة حرة في الدولة نظامها، وقوانينها الخاصة، وبعد تصريحات يونس الخوري، أصبحت هذه المزايا مهدده في ظل التوسع الكبير في فرض الضرائب بالإمارات والذي يأتي كالتالي:

ضريبة القيمة المضافة

بدأت دول مجلس التعاون الخليجي التفكير في ضريبة القيمة المضافة رسميًا عام 2008، وذلك في أعقاب توصية من صندوق النقد الدولي كانت صدرت في 2003؛ وقتها اتفقت دول الخليج على الدخول المتدرج، بحيث تتراوح النسبة الضريبية ما بين 3 – 5%، أي حوالي ثلث النسب الشائعة عالميًا.

ومؤخرًا، بدأت دول الخليج في اتخاذ خطوات متسارعة باتجاه ضريبة القيمة المضافة المقرر تطبيقها في مطلع 2018 بنسبة 5%، لا سيما بعد إقرار لوائح الاتفاقية الموحدة للضريبة.

يشار إلى أن ضريبة القيمة المضافة غير مباشرة، يدفعها المستهلك وتفرض على الفارق بين سعر الشراء من المصنع وسعر البيع للمستهلك، لتفاصيل أكثر اقرأ أيضًا:

وتشير لوائح الدول الخليجية إلى إخضاع أو إعفاء أربعة قطاعات من فرض الضريبة المضافة فيها وهي: التعليم والصحة والقطاع العقاري والنقل المحلي، وذلك حتى لا تؤثر الضرائب على مستويات الإنفاق الاستهلاكي، بحسب الخبراء.

وترى وكالة فيتش للتصنيف الائتماني، إن خطة تطبيق ضريبة القيمة المضافة في الخليج قد تفرض مخاطر تشغيلية على الشركات وضغوطًا على الأرباح قبل الفائدة والضرائب والإهلاك وإطفاء الدين وكذلك على التدفقات النقدية في بعض القطاعات.

الضريبة الانتقائية

في نهاية مايو (أيار) الماضي عقدت مجلس إدارة الهيئة الاتحادية للضرائب في الإمارات الاجتماع الأول، إذ أكد المجلس تطبيق الضريبة الانتقائية للجمارك في الربع الأخير من السنة، فيما أشار نائب حاكم دبي وزير المال الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، إلى أن مشروع قانون الإجراءات الضريبية يمرّ في المراحل الأخيرة للدورة التشريعية وسيصدر ويُنشر.

يذكر أن ضريبة السلع المنتقاة، خاصة بالمنتجات التي تتسبب بأضرار على الصحة، مثل مشتقات التبغ‏‏، والمشروبات الغازية‏، ومشروبات الطاقة‏، إذ ستفرض على التبغ ومشروبات الطاقة بنسبة 100%، والمشروبات الغازية بنسبة 50%، حيث ستفرض هذه الضريبة باعتبارها نسبة من سعر بيع التجزئة قبل فرض الضريبة، ويتم استحقاق دفعها عند استيراد السلع الانتقائية أو عند خروجها من المصنع، في حال التصنيع محليًا، ووفقًا لـعبيد حميد الطاير، وزير الدولة الإماراتي للشؤون المالية، فإن بلاده تتوقع إيرادات تصل إلى ملياري درهم (544.5 مليون دولار) سنويًا من فرض الضرائب الانتقائية على التبغ ومشتقاته.

رسوم حق امتياز

في نهاية فبراير (شباط) الماضي، قررت وزارة المالية الإماراتية، فرض رسوم حق امتياز على شركتي الاتصالات في البلاد (دو واتصالات) بنسبة 30% من الأرباح، تدفع للحكومة الاتحادية في السنوات من 2017 إلى 2021، وهذه الرسوم تعد شكلًا من أشكال الضرائب التي تتوسع فيها الإمارات.

ضريبة على الشركات

كما ذكرنا تجري الإمارات دراسات أولية لفرض ضريبة على الشركات التي تعمل بالدولة، بحسب ما كشفه، الخوري، موضحًا أن مشروع القانون ما زال في مراحله المبدئية، ولكن في حال تم إقرار القانون هل تستطيع الشركات التي جاءت الإمارات بسبب المناخ المثالي الذي صنعته إيرادات النفط الوفيرة، البقاء في ظل الضرائب الجديدة؟

هل ستستطيع الشركات التكيف مع الوضع الجديد؟

في الوقت الذي تستعد فيه الشركات للتعامل مع ضريبة القيمة المضافة، تظهر استطلاعات للرأي أجرتها «ديلويت الشرق الأوسط» مخاوف بين الشركات العاملة في الخليج، إذ بدأت الشركات الخليجية تعاني مؤخرًا، فقد وصلت الشركات الخليجية إلى نقطة زمنية حاسمة تستدعي منها اتخاذ خطوات عاجلة للتعامل مع بيئة ضريبية بدأت تصبح أمرًا واقعًا بوتيرة متسارعة.

تسعى بعض الشركات للاندماج لتخفيف الخسائر المستقبلية، إذ تتجه أربع شركات تعمل بمجال وساطة التأمين بالإمارات حاليًا للاندماج في كيان واحد، ومظلة قانونية واحدة لمزاولة المهنة، وسط توقعات بإتمام تلك الخطوات بحلول 2018، حيث إن الاندماج سيؤدي إلى خفض التكاليف على الكل والمساهمة في رأس المال والضمان الواحد.

شهدت أرباح الشركات المقيدة في سوق المال الإماراتي خلال العام المنصرم 2016، تراجعًا بنسبة بلغت 5.7% مع تأثر معظم الشركات بالركود الاقتصادي الناتج عن تراجع أسعار النفط على مدار عامين ونصف، ووفق إفصاحات الشركات المقيدة في بورصتي أبوظبي ودبي، بلغت أرباح هذه الشركات 60.81 مليار درهم (16.55 مليار دولار) خلال عام 2016، مقارنة بـ 64.47 مليار درهم (17.55 مليار دولار) خلال عام 2015.

بينما تضررت التوزيعات النقدية للشركات الإماراتية جراء الأوضاع الاقتصادية، إذ تراجعت التوزيعات النقدية لـ 74 شركة إماراتية (مقيدة في بورصتي دبي وأبوظبي) بنسبة 3.7% من 34.9 مليار درهم (9.5 مليار دولار) في 2015 إلى نحو 33.58 مليار درهم (9.14 مليار دولار) في 2016، ويعد هذا أول انخفاض تشهده التوزيعات النقدية للشركات الإماراتية منذ عدة سنوات.

وكانت أرباح الشركات في الإمارات استمرت في الارتفاع بوتيرة كبيرة منذ 2012، وبلغت 22.5 مليار درهم (6.13 مليار دولار) وصولا إلى 24.75 مليار درهم (6.7 مليار دولار) في 2013، ونحو 29.09 مليار درهم (7.9 مليار دولار) في 2014، إلا أنه في ظل الأوضاع والظروف الاقتصادية التي تعانيها معظم دول الخليج بسبب أسعار النفط المنخفضة، تغير الوضع كثيرًا.

على كلٍ يبدو أن الإمارات الغنية بالنفط، -ثاني أكبر اقتصاد عربي بعد السعودية- التي تحتل المرتبة 31 عالميًا في تصنيف أكبر اقتصادات العالم، وفق قاعدة بيانات صندوق النقد الدولي، في موقف حرج الآن، فإما أن تكمل خططها لتحصيل نحو 12 مليار درهم (3.3 مليارات دولار) من خلال الضرائب في السنة الأولى، بحسب وكيل وزارة المالية الإماراتية، دون النظر إلى الأضرار التي ستلحق بالشركات وربما تدفعها للخروج من السوق، وإما أنها ستنتظر قليلا لكي لا تخسر كثير من الشركات التي جاءت إلى الإمارات بسبب المناخ الخالي من الضرائب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد