لا يُمكن الجزم على وجه الدقة بما كان يقصده السفير الإماراتي في واشنطن «يوسف العتيبة» في مقابلته مع قناة «بي بي إس PBS» الأمريكية، مشخّصًا أزمة بلاده مع قطر بأبعد من كونها أزمة دبلوماسية أو سياسية عادية، بل معتبرًا إياها مسألة «فلسفية» بالمقام الأول، قبل أن يستطرد مفسّرًا بأن كلًا من الإمارات والسعودية والبحرين ومصر والأردن تسعى إلى أن تكون حكومات المستقبل في الشرق الأوسط حكومات «علمانية» مستقرة، وهو الأمر الذي لا تريده قطر على حد وصف العتيبة.

يعرف العتيبة، وهو الذي تخرج من الجامعة الأمريكية في القاهرة قبل أن يكمل دراسته في جامعة جورج تاون الأمريكية ليصبح بعدها واحدًا من أهم الدبلوماسيين في واشنطن، كم هي مربكة لفظة «العلمانية» في المعجم السياسي العربي والغربي على السواء، وكيف يمكن أن تكون حمّالة أوجه فلا يقف لها اثنان على المعنى ذاته، لكنه يعرف كذلك السحر الذي تمتلكه كلمة كهذه على قلوب رجالات السياسة والإعلام في الغرب، وكيف يمكن أن توفر عليه عشرات الملايين التي تضخ في جيوب اللوبيات ومكاتب العلاقات العامة، وحدها كلمات مثل «العلمانية» و«مكافحة الإرهاب» يمكن أن تفتح الأبواب الموصدة وتمهد الطرق الوعرة في أروقة واشنطن.

لكن والحال كهذه، وإذا سلّمنا بأن العلمانية في أكثر حالاتها اعتدالا وتسامحًا مع الدين تعني «تحييد» الأخير من المجال العام، والفصل التام بين الدولة وبين المؤسسة الدينية، فيصبح جميع الناس – بغض النظر عن أطيافهم وأديانهم أو حتى عن موقفهم من الدين ذاته – سواسية أمام القانون، انطلاقًا من ذلك التعريف، هل يمكن أن تكون تصريحات العتيبة حقيقية فعلًا؟ هل يقع «الموقف الفلسفي» في مركز الخلاف بين معسكري الأزمة الخليجية حقًا؟

«مشيخة» الإمارات وشركاؤها

يُمكن القول إن فلسفة الحكم في بلد ما، والقوانين التي تسير شؤون البلاد والعباد فيه، هما وجهان لعملة واحدة، وهنا ربما قد يتوجّب على السفير العتيبة أن يفسّر لماذا تتعارض فلسفة بلاده «العلمانية» التي تحدث عنها، مع الهيكل القانوني والسياق الاجتماعي الذي يحكم دولته ذاتها، والذي يستند أولًا وقبل كل شيء على نقيض العلمانية: للدين ذاته.

فمثًلا، تنص المادة السابعة لدستور دولة الإمارات العربية المتحدة على أن «الإسلام هو الدين الرسمي للاتحاد، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع فيه، ولغة الاتحاد الرسمية هي اللغة العربية»، كما أن المادة السابقة لها تضع الدين «الإسلامي» في مقدمة الروابط التي تربط شعب الاتحاد بالوطن العربي.

مسابقة دبي للقرآن الكريم أحد أكبر مسابقات القرآن في العالم

تبعًا لذلك، فإن الكثير من القوانين الإماراتية هي قوانين مستَمدة من «الشريعة الإسلامية»، إذ يعاقب القانون المسلمين المدانين بشرب الخمور بالحبس أو الغرامة أو الجلد أحيانا – وهي عقوبة تبدو مرتبطة حصرًا بالنسق التشريعي الإسلامي ولا تزال المحاكم الإماراتية إلى الآن تعاقب بها، الأمر نفسه ينطبق على جرائم أخرى كالزنا، ويمتد إلى الأكل أو الشرب في نهار رمضان، وهو فعل مجرم وفقًا للقانون الإماراتي قد يكلف صاحبه حبسًا لمدة شهر أو غرامة تصل إلى 2000 درهم.

وفي حين أن الإمارات تكفل حرية العبادة لأصحاب الديانات السماوية، إلا أن الحرية الدينية فيها ليست مطلقة تمامًا كما تقتضي أسس العلمانية التي تغزّل بها العتيبة، إذ لا يُسمح للكنائس بوضع الصليب، ولا يُسمح للمرء بتغيير دينه من الإسلام، ولا يُسمح لغير المسلمين أن يمارسوا «التبشير» – أي أن يحاولوا إقناع المسلمين بترك الإسلام – ومن يفعل ذلك يجد مصيره السجن أو الترحيل، كما لا يُسمح بتعليم أي دين غير الإسلام في المدارس والأماكن العامة، وإلا واجهت تلك المؤسسات شبح الإغلاق.

الإمارات، وهي التي ترعى أكبر جائزة بالعالم الإسلامي لخدمة القرآن الكريم وعلومه، لم تلتزم بجوهر العلمانية ها هنا على الأرجح، وهو أن تنأى الدولة بنفسها عن المؤسسة الدينية، مضت أبوظبي في تثبيت «إسلامها الخاص»، فاستضافت ومولت ورعت شبكات الإسلام الصوفي الممتدة من أقصاها إلى أقصاها: مجلس حكماء المسلمين، ومنتدى تعزيز السلم، ومؤسسة طابة بمرجعيتها الشرعية ولجنتها الأكاديمية الاستشارية، وكلها تتخذ من أبوظبي مقرًا لها، تطول القائمة لتشمل أفرادًا ومؤسسات يغطون تقريبا كافة أرجاء العالم الإسلامي، وضاربين المثل الأبرز على طموح أبوظبي في الهيمنة على الحقل الديني وتطويعه في سبيل أجندتها بحسب العديد من المراقبين.

لم يكتفِ العتيبة في لقائه المذكور في التحدث باسم بلاده، بل إنه تطوع لتأكيد أن هدف «العلمانية» هو هدف مشترك مع كل من السعودية والبحرين ومصر والأردن. فهل الأمر كذلك حقًا؟

سُعوديًا، بمثل ما أثار ذلك التصريح الاعتراض فإنه قد أثار السخرية عند البعض، آخر ما يُمكن أن يوصف به النظام السعودي هو «العلمانية»، ابتداءً تأسست الدولة السعودية كتحالف يبدو غير قابل للانفكاك بين آل سعود وأتباع محمد بن عبد الوهاب – نُسبت إليه الوهابية لاحقا – لآل سعود السلطة وللوهابية المجتمع والدين، وربما هي الدولة الوحيدة في العالم التي تمنع النساء من قيادة السيارات وتبرر ذلك لأسباب دينية تراها وجيهة جدًا، ولا تبخل محاكم السعودية بأحكام الجلد وقطع الأيادي والإعدام على من يخرجون على تعاليم الدين، وقد وصف بعض الكتاب المملكة بأنها هي «داعش التي نجحت».

لا يختلف الموقف من العلمانية في البحرين عن جارتيها الخليجيتين، فيما النظام المصري الذي يعتبر «الإسلام السياسي» عدوه اللدود يسعى هو الآخر على الدوام إلى تدعيم شرعيته بخطاب ديني واضح، ويحكم قبضته على الأزهر والأوقاف الإسلامية، كما يتلقى دعمًا وتأييدًا صريحًا من الكنيسة القبطية.

أما الأردن، وهي التي لا يُعلم إلى الآن لماذا حرصَ العتيبي على إلحاقها بالتحالف الرباعي رغم حرص عمّان على البقاء على مسافة من التحالف شكلا وموضوعًا، فيكفي ذكر كيف يكرر الهاشميون التذكير بنسبهم إلى النبي محمد، سعيا لترسيخ شرعية الحكم في المملكة عبر البوابة الدينية، يكفي ذلك لمعرفة موقع الأردن من معادلة «العلمانية» التي ساقها العتيبي.

الإمارات تدعم كتائب سلفية في اليمن تحارب العلمانيين!

الزمان: في أبريل (نيسان) الماضي.

المكان: الطريق العام بمديرية الشيخ عثمان في عدن.

الحدث: الأهالي يتجمعون حول جثة مضرجة بالدماء، ومقتولة برصاصة في الرأس، تبين لاحقا أنها للناشط الشاب عمر باطويل، كان باطويل قد تلقى قبل مقتله رسائل تهديد اتهمته بـ«الإلحاد والردة» على خلفية منشورات له على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، دأب فيها على انتقاد التشدد الديني.

لم تكن تلك الحادثة – التي تبدو غريبة على السياق اليمني المعروف بتسامحه تجاه تعدد الآراء وتنوع الأفكار – هي الوحيدة، فقد أشار تقرير سابق للـ«المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان» إلى انتشار جماعات في عدن جنوبي البلاد، نصبت نفسها صاحبة وصاية دينية وفكرية على الناس، إلى درجة «ملاحقة الناشطين أو اغتيالهم بعد إلصاق تهم فضفاضة بهم تتراوح بين العلمانية والإلحاد والردة»، وهو ما أحال حياة الناس جحيمًا، بحسب تقرير المرصد.

المفارقة أن تلك الجماعات التي اتهمها التقارير بممارسة «الإرهاب الديني» مدعومة بشكل مباشر من الدولة التي قال أهم سفرائها إنها تسعى إلى حكومات «علمانية»، دولة الإمارات.

يَعرف اليمنيون جيدًا اسم «هاني بن بريك»، بلحيته الكثيفة ووجهه الصارم، والرجل هو قيادي سلفي لعب دورًا كبيرًا في المواجهات مع الحوثيين قبل أن يصير من أكثر النافذين في مدينة عدن – عاصمة البلاد المؤقتة – ليؤسس هو والتيار المحسوب عليه ميليشيا سُميت باسم «الحزام الأمني»، وهي الميليشيا المرتبطة بشكل مباشر بدولة الإمارات.

لم تقف الخلفية الإسلامية لابن بريك حاجزًا أمام الدعم اللا محدود الذي قدمته أبوظبي له ولرجاله، وهم الذين لم يدخروا وسعًا في إعلان ولائهم للتحالف – والإمارات على وجه التحديد – مرارًا وتكرارًا -، كما تماهى بن بريك تمامًا مع السياسات الإماراتية، فلم يترك مناسبة إلا ويؤكد عداءه للإخوان المسلمين برغم كونهم – نظريًا على الأقل – يقفون في نفس الجهة من عداء الحوثيين وصالح.

وقد ازداد نفوذ «الحزام الأمني» يومًا بعد يوم، ودفع اطمئنان بن بريك إلى الدعم السخي من أبو ظبي، دفعه إلى التصرف بمعزل عن الحكومة اليمنية برئاسة هادي، فكان يرفض الأوامر الصادرة من وزير الداخلية ورئيس الوزراء، ووصل الأمر إلى تحدي هادي نفسه، فضلا عن دعواته المتكررة لانفصال الجنوب، وهو ما حدا بالرئيس إلى إصدار قرار تنحيته من منصبه كوزير للدولة وإحالته للتحقيق.

السيناريو ذاته الذي طبقته الإمارات مع بن بريك في عدن، سعت إلى تطبيقه في تعز، والبطل هنا هو السلفية الجامية مجددًا، فيما سُمّي بـ«كتائب أبو العباس» التي كثفت الإمارات تسليحها ودعمها، في محاولة لموازنة نفوذ الحكومة الشرعية وحزب الإصلاح في المدينة، وقد وصل الاستقطاب في المدينة إلى وقوع اشتباكات بين الطرفين، الأمر الذي جعل البعض يتهم الإمارات وحلفاءها من السلفيين بعرقلة جهود التحرير في المدينة.

على بعد آلاف الكيلومترات من اليمن، وتحديدًا في ليبيا حيث حليف الإمارات الأوثق «خليفة حفتر»، وفي حين يعلن الأخير كل يومٍ تقريبًا أن هدفه هو مكافحة الإرهاب والتشدد، فإن أبرز حلفائه هم سلفيون متشددون ينتمون إلى التيار المدخلي، فيما عُرف بـ«كتائب التوحيد»، وحين سُئل حفتر عن تلك المفارقة، وكيف يحارب الإسلاميين ثم يستعين ببعضهم، أجاب بأنه يرى أن «الفرق بين السلفيين والفرق الأخري كالفرق بين الجنة والنار».

https://www.youtube.com/watch?v=yy0Uk7vqU7U

ينتشر المقاتلون السلفيون في كتائب الجيش المختلفة التابعة لحفتر، وقد لعبوا دورًا هامًا في السيطرة على مواقع عسكرية في أجدابيا وبنغازي والجبل الأخضر، ولا يقتصر نفوذهم على المستوى العسكري، بل يمتد إلى السيطرة على الخطاب الديني الرسمي، إذ إن لهم سلطة نافذة في الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية التابعة لحكومة طبرق، ولهم السيطرة الفعلية على المساجد في الشرق الليبي.

يهيمن السلفيون على المجال العام في مناطق سيطرة حفتر، حيث يتم بشكل ممنهج التضييق على النشاط الصوفي في معاقلها التاريخية، وتُهدم الأضرحة الصوفية، وقد ألقي القبض على ثلاثة شبان نظموا احتفالية بيوم الأرض، إذ اعتبرها قياديون سلفيون «بدعة ماسونية» و«حضًا على الفجور والعصيان»، كما أصدر الحاكم العسكري في شرق ليبيا قرارًا يقضي بمنع سفر السيدات بدون محرم، في استنساخ للتقاليد الوهابية، قبل أن يتم التراجع عن القرار تحت الضغوط.

قد تبدو تونس مثالا آخر على كون السياسة الإماراتية في الخارج لا تحكمها القناعات الأيديولوجية العلمانية تمامًا، إذ كانت الإمارات ولا زالت العدو اللدود للرئيس التونسي السابق «منصف المرزوقي» وحزبه، رغم أنه محسوب على اليسار وليس الإسلام السياسي الذي يحتفظ مع أفكاره بمسافة واضحة.

كما تحدثت تقارير على ممارسة الإمارات ضغوطًا على الرئيس الحالي «باجي قايد السبسي» بسبب رفضه طلب الإمارات استنساخ النموذج المصري، أي الإطاحة بالتجربة الديمقراطية ككل، وهو ما يشير – بحسب مراقبين – إلى أن المسألة ليست ثنائية الإسلامية/ العلمانية كما صرح العتيبة، بل هو موقف الإمارات المبدئي من كل تجارب التحول الديمقراطي التي تراها خطرًا عليها وعلى سياستها الإقليمية ونظامها الداخلي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد