كتب – فريق ساسة بوست:

تعاظم النفوذ الإماراتي داخل أروقة البيت الأبيض خلال الأعوام الأخيرة، متخذًا في نظر بعض المراقبين من التبرعات السخية وسيلة لتحقيق سيطرته، عن طريق خلق جماعات موالية بدوائر الحكم ومراكز الأبحاث.

الإمارات هي الدولة الخليجية التي صارت تُقدم نفسها في حملاتها الدعائية باعتبارها النموذج العلماني للدولة العربية، وفي هذا التقرير سنبحث في مظاهر هذا النفوذ الذي نما بشكل لافت في الأعوام الأخيرة.

يوسف العتيبة.. أكثر من مجرد سفير

أصلع أنيق، يبلغ من العمر 40 عامًا، عاش طفولته والمراحل الأولى من شبابه بالعاصمة المصرية في القاهرة مع والدته المصرية، واحدة من زيجات وزير البترول الإماراتي السابق مانع العتيبة، قبل أن ينتقل للولايات المتحدة الأمريكية باعتباره دارسًا بجامعة جورج تاون، وينتقل منها مديرًا لمكتب الحاكم الفعلي للإمارات محمد بن زايد، الذي رشحه للعمل سفيرًا بالولايات المتحدة الأمريكية.


عتيبة، هو التجلي الأكثر وضوحًا لحجم النفوذ الإماراتي بالعاصمة الأمريكية والبيت الأبيض، من خلال تبلور آرائه وتأثيره القوي داخل أروقة البيت الأبيض، ودوره الفاعل في تمرير الكثير من سياسات دولته، والتي يشهد عليها لقاءاته الكثيرة مع أعضاء البيت الأبيض، والكونجرس، متخذًا من فندق الفورسيزون في جورج تاون مقرًا لهذه اللقاءات.

يرسم بريت باين، مراسل الأمن القومى لفوكس نيوز، ملمحًا من ملامح نفوذ هذا الرجل، قائلًا: «من أعظم الشخصيات التي استطاع عتيبة الوصول لها، بل وفرض نفوذه عليها في بعض الأحيان هو الجنرال أنتونى زيني، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية»، ويضيف: «لقد أصبح مُقربًا لدى الكثير من العسكريين المتقاعدين ذوي المناصب الهامة».

نفوذ عتيبة يظهر في حفلات العشاء، التي تتحدث عنها الصحف الأمريكية، في منزله، القصر المطل على ضفة نهر البوتوماك بفيرجينيا، والتي يستضيف فيها كبار أعضاء الكونجرس، وموظفين نافذين بالبيت الأبيض كجون إرنست المتحدث باسم البيت الأبيض والمخرج المنفذ لبرنامج (NBC) الشهير Meet the Press، (آرون شوك) و(جوناثان مارتن) من نيويورك تايمز و(جيسيكا يالين) من CNN، وجنرالات سابقين بالنبتاجون.

أحد الملفات التي نجح عتيبة في تسويقها داخل دوائر البيت الأبيض، هي إثناء الإدارة الأمريكية عن اتخاذ أي مواقف تصعيدية ضد الإدارية المصرية، على خلفية عزل جماعة الإخوان المسلمين من السلطة، وتنصيب عبدالفتاح السيسي رئيسًا للبلاد، والمسألة الأخرى هي نجاحه في تعميق حدة الخلافات بين العاصمة الأمريكية وإيران، وهو ما يشهد عليه برقية لويكيليكس، وصفت موقفه حيال إيران «بالقوي والعدواني في بعض الأحيان»، و«بكراهيته العميقة للإسلام السياسي، وخصوصًا جماعة الإخوان المسلمين».

مراكز الأبحاث الأمريكية تحت سطوة المنح الإماراتية

تتمحور أدوار مراكز البحث والتفكير الأمريكية (Think Tanks) في نشر تقارير تتعلق بقضايا الأمن القومي، والسياسة الخارجية للبيت الأبيض، الكونجرس، ودوائر السلطات الأمريكية كي تستضيء بها في إصدار قرارات بشأن قضايا معينة.



يتجلى النفوذ الإماراتي بدوائر مراكز الأبحاث الأمريكية، مثل مركز التقدم الأمريكي ومعهد أسبين ومعهد شرق غرب ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، في تقديم منح وتبرعات مالية كُبرى لعدد من المراكز البحثية الأمريكية، لإعداد أوراق بحث للسياسات وتنظيم ندوات ولقاءات مع المسؤولين الكبار في الحكومة الأمريكية، فضلًا عن توجيه تقارير مراكز هذه الأبحاث التي تصدرها لصالحها، والتي تتخذ بموجبها الإدارة الأمريكية قرارات مصيرية.

وكانت الوثائق المنشورة عن هذه التبرعات، في نهاية عام 2014، كشفت عن دعم الإمارات لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، والتي قدمت له أكثر من مليون دولار أمريكي للمساعدة في بناء مقرّ المركز الجديد بزجاجه المشعّ والجدران الفولاذية، والذي لا يبعد مقره سوى أمتار عن البيت الأبيض.

أحد الأدوار التي قام بها هذا المركز لصالح الإمارات هو نشر تقارير لتوجيه الكونجرس والبيت الأبيض بالجدوى الاقتصادية التي ستعود علي أمريكا من وراء شراء السلطات الإماراتية لسلسة من الموانئ في الولايات المتحدة، وهي الصفقة التجارية التي واجهت معارضة، في 2007، من جانب عدد من نواب الكونجرس، الذين رأوا في تنفيذها تهديدًا للأمن القومي الأمريكي.

أحد أدوار المركز آنذاك للدفع نحو الموافقة على تمرير الصفقة التجارية، كان تنظيم سلسلة من المحاضرات حول أهمية منطقة الخليج الاستراتيجية، وتحديد فرص للتعاون مع الولايات المتحدة؛ وتنظيمه رحلات سنوية للخليج، حيث يلتقي خبراء الأمن القومي مع مسؤولي الحكومة الإماراتية، ويطلعوا على الوضع، وقدم المركز منبرًا للمسؤولين الإماراتيين لعرض قضيتهم.

تساهم الإمارات كذلك في تمويل معهد دول الخليج العربية، بالعاصمة الأمريكية واشنطن، الذي يرأسه شرفيًّا عبدالمنعم السعيد، الرئيس السابق لمركز الاهرام للدراسات السياسية، والسفير فرانك ويزنر، سفير أمريكا السابق بالقاهرة.

وتشرح نيويورك تايمز تأثير هذه الأموال، في تحقيق نشرته عن هذه التبرعات التي تمنحها دول أجنبية للمراكز البحثية الأمريكية قائلةً: «الأموال التي تتلقاها المراكز تقوم بتحويلها إلى ذراع قوي من أذرعة التأثير نيابة عن الحكومات الأجنبية»، وهو ما يضع أسئلة حول حرية البحث الأكاديمي، وتنقل الصحيفة الأمريكية عن أكاديميين أنهم «تعرضوا لضغوط كي يتوصلوا في أبحاثهم لنتائج محبذة للحكومات التي تدعمهم».

شركات العلاقات العامة والتبرعات الخيرية: وجه آخر للنفوذ الإماراتي

وجه آخر للنفوذ الإماراتي بالولايات المتحدة الأمريكية، يتجلى في حجم التبرعات السخية التي توجهها لمنظمات خيرية، تهدف من ورائها للترويج للدور الإماراتي داخل العاصمة الأمريكية، وتبرعت الإمارات بمبلغ قدره 150 مليون دولار لمستشفى واشنطن للأطفال في 2009، كما بلغ حجم إجمالي ما تبرعت به الإمارات لمؤسسة كلينتون فقط قرابة ثلاثة ملايين دولار، بالإضافة إلى مليار دولار من الاستثمارات في شركات أمريكية.



وفي عام 2014، أنفقت دولة الإمارات العربية المتحدة أكثر من 12 مليون دولار على شبكات الضغط والعلاقات العامة في أمريكا.

وكانت الإمارات هي المتكفلة بكافة نفقات تعاقد الحكومة المصرية مع كُبرى شركات العلاقات العامة جلوفر بارك، في مسعى للتخفيف من وطأة هذه الصورة التي تلاحق المسؤولين المصريين بالخارج بعد عزل جماعة الإخوان المسلمين من السلطة، والتوصيف الذي كان يلاحق السيسي بكبرى الصحف الأمريكية علي أنه «الرئيس الانقلابي».

يشرح عبد الله هنداوي، الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، ومدرس مساعد علم الاجتماع السياسي بجامعة جورج ميسون، لـ«ساسة بوست» أهمية هذا التعاقد قائلًا «ما حدث أن هذه الشركة قامت بإظهار أهمية التعاون مع مصر بغض النظر عن ملفات حقوق الإنسان. لتحقيق هذا تقوم الشركات بمقابلات عديدة مع رجال اللوبيات وأعضاء في الكونجرس وشركات السلاح لتوضيح مدى أهمية مصر في تحقيق المصالح الأمريكية، وأنه بدونها قد تخسر الولايات المتحدة شريكًا رئيسيًا في المنطقة».

اقرأ أيضًا: من يدفع ثمن تسويق السيسي فى واشنطن؟

جلوبال فاوندريز.. شركة إمارتية تنافس متعهد البنتاجون لتزويده بالأنظمة التقنية

أحد مظاهر النفوذ الإماراتي بواشنطن، يتجلى في النمو الهائل التي حققته شركة (جلوبال فاوندريز)، المملوكة لمبادلة للتنمية ذراع الاستثمار لحكومة أبوظبي، والتي دخلت في مناقصة بعدة مليارات من الدولارات للاستحواذ على عدة مصانع في نيويورك وفيرمونت، والتي صارت هي المسؤولة بالكامل عن تجارة تصنيع الإلكترونيات الدقيقة وأشباه الموصلات.



النمو الكبير الذي حققته الشركة الإمارتية، التي تعمل في تصنيع الإلكترونيات، أثار مخاطر وقلق واسع من جانب عدد من أعضاء بالكونجرس الأمريكي، الذين أبدوا قلقًا واسعًا من أن نجاح الشركة يجعلها تُهدد المتعهد الأوّل لتزويد وزارة الدفاع بأشباه الموصّلات اللازمة للأنظمة الدفاعية، والجوية وأنظمة حكومية تقنيّة أخرى، وخطورة أن سيُستبدل بشركة مملوكة لدولة أجنبية.

وحازت شركة «غلوبل فاوندريز» على لقب أسرع شركة لتصنيع أشباه الموصلات نموًا على المستوى العالمي من (آي سي إنسايت) وذلك بفضل شبكتها الواسعة التي تضم ثماني منشآت تصنيع تنتشر في مدن درسدن الألمانية ونيويورك الأمريكية وسنغافورة.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد