في 15 يناير (كانون الثاني) 2011، خرج الوزير التونسي الأول محمد الغنوشي كي يدلي بخطاب معلنًا شغور منصب رئيس الجمهورية ورحيل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي إلى السعودية، الخطاب الذي كان بمثابة اعتراف بنجاح ثورة الياسمين التونسية التي ألهبت شرارة «الربيع العربي»، الذي عمد بنسائمه إلى ميدان التحرير في القاهرة، الميدان الذي نجحت من خلاله الثورة المصرية في خلع الرئيس المصري محمد حسني مبارك، وبعد القاهرة أصبح الربيع العربي خريف معمر القذافي الذي فقد حُكمه وروحه على يد ثوار ليبيا بعد أن شغل منصب الرئيس «الزعيم» لأكثر من 40 عامًا، ومن شمال أفريقيا عمت نسائم الربيع على اليمن ليحقق الربيع العربي آخر مكاسبه بإسقاط الرئيس اليمني علي عبد الله صالح.

وكالمعتاد تُتبع الثورات الناجحة بمجموعةٍ من التحركات التي تحاول استعادة الأوضاع والمصالح التي كانت في فترة ما قبل الثورة، وهذه التحركات سميت «الثورة المضادة» والتي تهدف إلى إبطال ما أحدثته الثورة من تغيرات في الأوضاع السياسية والديموقراطية وأحيانًا العسكرية. وقد قوبل الربيع العربي في كل دولة من الدول الأربعة: «تونس ومصر وليبيا واليمن» بثوراتٍ مضادة استطاع بعضها تحقيق انقلابات على ثورة الربيع مثلما حدث في مصر وليبيا وما يُخطط له أن يحدث في اليمن، وهذه الثورات المضادة لا تتلقَّى دعمًا داخليًّا فقط بل دعمًا خارجيًّا أيضًا من بعض الأنظمة الخليجية التي تخشى أن ينهي الربيع العربي حكمها، وبالأخص السعودية والإمارات، أما السعودية فغرقت أكثر في حروبها مع إيران في سوريا واليمن بالإضافة إلى مشكلاتها العائلية والانقلابات الداخلية التي تمت في قصر آل سعود مؤخرًا.

اقرأ أيضًا: دراسة إسرائيلية: هل هناك «ربيع عربي» جديد على الأبواب في الخليج؟

لذلك كانت الإمارات هي الداعم الأكبر للثورات المضادة، وبالأخص الرجل المتحكم في كل شيء هناك: محمد بن زايد ولي العهد الحالي ووزير الدفاع السابق الذي يمتلك نظرة عسكرية بامتياز جعلته يفكر ويعتبر كل شخص يختلف مع الإمارات العربية سياسيًا أو عسكريًا هو «عدو»، وقائمة بن زايد للأعداء تضمُّ الكثير من الطوائف بدايةً من داعش والإخوان المسلمين والنشطاء السياسيين المعارضين وإيران وبالطبع كل من ينتمي إلى ثورات الربيع العربي التي قد تهدد عرش آل زايد حال وصولها المملكة، وكشخصٍ عسكريٍّ مُتميز يعرف محمد بن زايد أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم؛ فلم ينتظر الربيع العربي أن يطرق أبواب الإمارات؛ بل شرع بكل ما يمتلك من قوة في السنوات الأخيرة لإجهاض الثورات التي مرت بالقطر العربي في مصر وليبيا وتونس اليمن، وذلك من خلال تدعيم صفوف قادة الثورات  المضادة.

1- حفتر.. القائد العام للقوات الليبية


في أبريل (نيسان) الماضي استقبل محمد بن زايد الجنرال خليفة حفتر وقام بتقديمه على أنّه «القائد العام للجيش الليبي»، وهو اللقب الذي اعتاد أن يسمعه حفتر من قواته العسكرية والسياسيين والإعلام الليبي الموالي له في ليبيا، وكانت هذه الزيارة هي أول فِعل «رسمي» من دولة الإمارات يبرز فيه تأييدها لحفتر، فكلُّ شيء حدث في الماضي كان في «الظل».

منذ عام 2014 بعد انقلاب حفتر على حكومة المؤتمر الوطني «البرلمان المؤقت»، توالى الدعم الإماراتي لحفتر وقوّاته سواء من خلال ضخّ الأموال أو مدّ قوات حفتر بالسلاح والمساعدات العسكرية بشكلٍ مباشر، وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي نشر موقع «JANS» العسكري تقريرًا عن قاعدة الإمارات العسكرية السريّة في مطار الخادم الذي يقع في مدينة المرج الليبية التي تبعد 100 كم فقط عن بني غازي، وأوضح التقرير بالصور أن القاعدة العسكرية كانت متواضعة التجهيزات حتى مارس (آذار) من العام الماضي ولكن في وقتٍ قصيرٍ جدًّا أصبح هناك إمداد عسكري يتضمّن طائرات مُقاتلة حديثة ومدافع مضادة للطائرات بالإضافة إلى أنه تمَّ إنشاء الكثير من المُنشآت داخل المطار، وبعد حوالي 7 أشهر وفي يونيو (حزيران) الماضي أيَّدت الأمم المتحدة رواية موقع «JANS» عندما أصدرت تقريرًا توضح فيه أن دولة الإمارات انتهكت حظر التسليح الذي فرضته الأمم المتحدة على ليبيا عام 2011، وأن الإمارات زوّدت قوات حفتر بمجموعة من الطائرات الهيلكوبتر والطائرات المقاتلة فضلًا عن أسلحة أخرى وحاملات جنود.

الصورة التي نشرها موقع «JANS» عن قاعدة الامارات العسكرية في ليبيا

بيّن تقرير الأمم المتحدة أنَّ مجموعة كبيرة من الأسلحة التي حصل عليها حفتر من الإمارات وصلت ليبيا من خلال سفينة أبحرت إلى ليبيا من ميناء بورسعيد في مصر، إذ من المعروف دعم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي المتواصل لحفتر، إذ قال الأخير في لقاءٍ تلفزيونيّ مع الإعلامي المصري يوسف الحسيني: «لولا السيسي لما استطعنا الوقوف على أرجلنا ومواجهة الإخوان في مصر وليبيا»، وفي كثيرٍ من المناسبات امتدح السيسي خليفة حفتر وذلك بالطبع غير التنسيق المشترك بين حفتر والسيسي لتجهيز العمليات العسكرية التي شنتها مصر على ليبيا للرد على حوادث قتل جماعي نفذها «تنظيم الدولة الإسلامية» ضد مصريين، وعقب زيارة عبدالفتاح السيسي للبيت الأبيض ولقائه بدونالد ترامب؛ صرح الكاتب الصحفي الليبي عبد الله الكبير: أن عبدالفتاح السيسي تحدث مع ترامب – في رأيه – لكي ينهي حالة حظر التسليح الذي فُرض على ليبيا عام 2011 حتى يتمكن حفتر من القضاء على «الإرهاب» في ليبيا.

ولم يكن السيسي هو الرجل الوحيد الذي تدعم الإمارات حفتر من خلاله، فهناك أبطال آخرون في قصة دعم محمد بن زايد لحفتر وحربه في ليبيا، مثل عارف النايض سفير ليبيا الحالي في أبوظبي وبرناردو ليون ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا ورجل الأعمال الليبي حسن طاطاناكي، وكلٌّ منهم يؤدي مُهمةً مختلفة أسندتها له الإمارات كي يمهِّد الطريق لحفتر في ليبيا، فعلى سبيل المثال:

35 ألف استرليني شهريًّا كانت كافية لشراء برناردو ليون

يمتلك برناردو ليون نجاحاتٍ كبيرة في حلّ الصراعات، وقد أرسله بان كي مون السكرتير العام للأمم المتحدة عام 2014 لأنه أفضل شخص يمكنه حلّ الأزمة الليبية، ولكن على ما يبدو أن برناردو ليون فضَّل الأموال الإماراتية على مهمة الأمم المتحدة، ففي عام 2015 ترك برناردو ليون ليبيا ذاهبًا إلى الإمارات كي يترأس أكاديمية الإمارات الدبلوماسية لتدريب السياسيين الإماراتيين ليكون راتبه 35 ألف استرليني شهريًا بالإضافة إلى 96 ألف دولار أمريكي سنويًا بدلات للمعيشة في أبوظبي، وبعد ذلك نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أنّ مجموعةً من الرسائل  الإلكترونية المُسرّبة قد تهدِّد فكرة الحديث عن السلام في ليبيا، وكان أحد أهم الرسائل هي رسالة من برناردو ليون إلى وزير الخارجية الإماراتي كان فحواها: «سأكون في العون بالسيطرة على المفاوضات طوال وجودي هنا، لكنني لا أنوي البقاء طويلًا كما تعرفون.. ويُنظر لي كشخص منحاز لمجلس النواب – في طبرق – ولذا فقد نصحت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي بالعمل معكم».

برناردو ليون مع الشيخ عبدالله بن زايد، وزير الخارجية الإاراتي-المصدر موقع أكاديمية الإمارات الدبلوماسية.

عارف النايض.. «الرجل الذي يُلمّع صورة حفتر في الخارج»

عارف النايض أو سفير ليبيا في أبوظبي، يُعتبر الوسيط الأهمّ في تحالف قوّات حفتر ومجلس نوّاب طبرق، بالإضافة إلى لسان حفتر عند الإمارات الذي يتوسَّط له للحصول على الدعم المالي والعسكري، وقد اتسع  نطاق عمل النايض دوليَّا؛ ففي مارس الماضي استضافه عضو الكونجرس الأمريكي الجمهوري «ستيفن كينج» في اجتماعٍ سريٍّ بينهما وبعد الاجتماع مدحه كينج في تغريدةٍ خاصة على حسابه على موقع تويتر وكانت التغريدة تتضمن سؤالًا: «هل يكون عارف النايض رئيس وزراء ليبيا القادم؟». مما يشير إلى احتمالية تفكير الإدارة الأمريكية في تمهيد الطريق أمام النايض لكي يترأس الحكومة في حالة انتصار خليفة حفتر وسيطرته على أكبر مساحة من الأراضي الليبية.

[c5ab_tweet c5_helper_title=”” c5_title=”” link=”https://www.google.com/url?q=https://twitter.com/stevekingia/status/839505032659808257&sa=D&ust=1500321251604000&usg=AFQjCNE4pB3KuTan6dTcmd3Rg_b3fc8eVA” ]

حسن طاطاناكي رجل الأعمال المقرّب من الجميع

كان حسن طاطاناكي مقربًا جدًا من نظام العقيد معمر القذافي، وكان ينفق مئات الآلاف من الدولارات على شركات العلاقات العامة الدولية لتحسين صورة نظام القذافي في العالم وبخاصّة في الولايات المتحدة، وبعد الثورة وسقوط معمر القذافي حاول طاطاناكي أن يواكب الأحداث وأسس جمعية ليبيا الخير وخصَّصَ 20 مليون دولار أمريكي لهذه المؤسسة حتى تقوم بمساعدة اللاجئين الليبيين ومتضرري الحرب في ليبيا، وبعد صعود حفتر وتأسيس تحالف الكرامة الذي يضم كلًا من قوات حفتر وبرلمان طبرق؛ انضمّ لهما حسن طاطاناكي وأصبح متواجدًا بشكلٍ شبه دائم في أبوظبي من أجل هذا التحالف.

ومن أجل دعم حفتر إعلاميًا أسس طاطاناكي قناة «ليبيا أولًا» التي تتبنى أجندة معادية لكلّ من ينتمي لتيّار الإسلام السياسي وبالطبع تمدح كل من ينتمي لتحالف الكرامة أو تيار خليفة حفتر، وكانت قناة ليبيا أولاً هي إحدى الوسائل الإعلامية التي أنفقت عليها الإمارات 74.4 مليون دولار أمريكي حتى يكون هناك ظهير إعلامي قوي بجانب حفتر، والمشاريع الإعلامية الأخرى التي دعمت الإمارات تواجدها تتضمن كلًا من صحف الوسيط وبوابة أفريقيا والحدث بالإضافة إلى قنوات ليبيا 24 و ليبيا روحها الوطن و 218 التي تبث من سلطنة عُمان.

حسن طاطانكي

2- محسن مرزوق.. مرشح الإمارات في الإنتخابات الرئاسية التونسية القادمة

في مطلع يونيو (حزيران) الماضي صرّح الصحافي صالح عطية مدير موقع «الرأي الجديد» في إحدى الفضائيات التونسية وقال: هناك 30 ضابطًا ينتمون لجهاز المخابرات الإماراتي وصلوا إلى تونس تحت عنوان صوري «حماية السفير الإماراتي» -طبقًا لرأيه – وتابع حديثه بأن هؤلاء الضباط ما هم إلا محاولة جديدة من الإمارات العربية المتحدة لإفشال العملية الديمقراطية التونسية.

لو صحّت رواية صالح عطية لن تكون هذه هي الحادثة الأولى من نوعها التي تُبادر فيها الإمارات إزاء تونس، فمنذ اندلاع الثورة التونسية التي ألهبت شرارة الربيع العربي واظبت الإمارات على لعب دورها الذي اعتادت أن تلعبه ضد الثورة من عرقلة الديمقراطية من ناحية ودعم الثورات المضادة من ناحيةٍ أخرى، وكان أوّل موقف رسمي أخذته أبوظبي ضد تونس كان بعد موقف تونس من رفض عزل الرئيس المصري محمد مرسي على يد الجيش المصري بقيادة وزير الدفاع حينها عبد الفتاح السيسي؛ إذ أنها أوقفت إصدار التأشيرات للمواطنين التونسيين وأوقفت مشروع شركة سما دبي الاستثماري الضخم الذي كان من المقرّر أن يبدأ في تونس عام 2013، وكما اعتدنا من الإمارات هناك دائما وجوه وشخصيات سياسية تلعب بهم ضد من يمثل الربيع العربي، وأشهر تلك الشخصيات السياسية في تونس: «محسن مرزوق».

ما يجعل من محسن مرزوق الرجل المُفضل للإمارات في تونس هو أنه يحاول تدمير القوى السياسية التي خرجت من رحم الثورة التونسية – على الرغم من انتمائه لها – فهو معروفٌ بمعارضته الشديدة لحركات الإسلام السياسي ومنها بالتأكيد حركة النهضة التونسية – الإخوان المسلمون في تونس – ورئيسها راشد الغنوشي الذي قد يعمد مرزوق لمنافسته على مقعد رئاسة الجمهورية في الانتخابات القادمة، فضلًا عن أنه ساهم في تدمير حزب نداء تونس وهو الحزب الذي ترأسه الباجي قائد السبسي رئيس تونس الحالي.

ففي عام 2014 تم اختيار محسن مرزوق  ليشغل منصب أمين عام حزب نداء تونس ولم يلبث سوى شهرٍ واحد في هذا المنصب حتى اختاره الباجي قائد السبسي مديرًا لحملته الرئاسية، ولكن بعد فترةٍ قصيرة جدًا نشبت خلافات حادة بينه وبين حافظ السبسي – نجل رئيس تونس – قدم مرزوق على إثرها استقالته من الحزب هو ومجموعة كبيرة من الأعضاء والقيادات ليؤسِّس بعدها بحوالي 6 أشهر حركة «مشروع تونس» التي كما تمّ الإعلان عنها تتبنى «إيديولوجية فكرية وسطية ليبرالية» معارضة لتيار الإسلام السياسي المتمثل في حركة النهضة من ناحية، وهي معارضة لحكومة السبسي الرخوة كما يصفها مرزوق دائمًا.

https://youtu.be/8llePp4f0Nc

اتخذ محسن مرزوق جبهة الإمارات كثيرًا في السنوات القليلة الماضية في محاولةٍ منه لشغل مكانة السبسي عند الإمارات، فأثناء الانتخابات الرئاسية الماضية حاولت الامارات بشتّى الطرق مساعدة الباجي قائد السبسي للوصول إلى كرسيّ الرئاسة على أمل أن يحقق أجندتها في مواجهة الثورة التونسية، ولكنه أدار ظهره لهم عندما وصل إلى الحكم، مما مهد الطريق أمام محسن مرزوق لكي يصبح هو رجل الإمارات في اللعبة السياسية في تونس، ومنذ فترة نشر موقع عربي 21 وثيقة يقال إنها مسربة من مكتب السفير الإماراتي تفيد أن جبهة إنقاذ تونس «حزب مشروع تونس وحزب الاتحاد الوطني الحر» تطلب من السفير الحصول على الدعم المادي من الإمارات من أجل الوقوف في وجه تمدد حركة النهضة أو الإسلام السياسي في تونس، وإن صحت هذه الوثيقة فهذا دليل على أنّ جبهة الإنقاذ سوف تكون الجسر الذي  تقدم من  خلاله الامارات الدعم  لمحسن مرزوق.

أمّا عن علاقة مرزوق بقطر (عقارب الساعة المعاكسة للإمارات)؛ فكانت علاقة تعاون في البداية إذ إنّه كان الأمين المؤسس للمؤسسة العربية للديمقراطية التي تترأسها الشيخة موزة، لكنه عندما وجد أنه يمكنه شق طريقه بشكل أفضل بعيدًا عن قطر؛ كان محسن مرزوق من السياسيين الذين رفعوا شعارات «لا أمريكا لا قطر» مما أزعج الحكومة القطرية ودفع الشيخة موزة لرفضها مقابلته في مارس (آذار) هذا العام، وهذا قد يعطي تفسيرًا لماذا طالب محسن مرزوق حكومة السبسي بقطع علاقاتها مع قطر أسوة بالسعودية والإمارات والبحرين.

ومنذ أن قرر محسن مرزوق أن ينضم لمعسكر الإمارات، ربطته علاقات وطيدة بمجموعة من السياسيين والمسؤولين العرب الذين تتوافق أجندتهم مع أجندة الإمارات لدعم الثورات المضادة، وعلى سبيل المثال علاقته بخليفة حفتر الرجل الذي تدعمه الإمارات بالسلاح والتمويل في ليبيا، وعندما تحقق مُراد الإمارات بوصول عبد الفتاح السيسي لمنصب رئاسة الجمهورية؛ قدم محسن مرزوق من تونس لتهنئة الرئيس الجديد في قصر الاتحادية بالقاهرة.

بجانب ذلك، يمتلك محسن مرزوق تاريخًا يصفه البعض بـ«المشبوه»، وذلك لعدَّة أسباب أهمها أنه في العام الماضي عندما خرجت للعالم تسريبات بنما، جاء محسن مرزوق على رأس قائمة التونسيين الذين انخرطوا مع شركة «موساك فونسيكا» في بنما، إذ إن مرزوق أرسل لهم بريدًا إلكترونيًّا عام 2014 ليسألهم عن إمكانية إنشاء شركة خارج تونس دون وجود تتابعات ضريبية.

ولكن هل يستطيع محسن مرزوق الوصول إلى كرسي الرئاسة وتحقيق حلم الإمارات في القضاء على الربيع العربي من منبعه في تونس؟

3- أحمد عبدالله صالح رجل الإمارات القادم لـ«تصفير» عداد اليمن

كانت جملة «تصفير العدّاد» هي إحدى الجمل التي قالها علي عبدالله صالح أثناء محاولته تهدئة موجة الربيع العربي التي مرّت باليمن عام 2011، وقال تلك الجملة في محاولة منه لإقناع الثوار أنه سوف يغير نظام الحكم في اليمن ويعيد الأمور إلى الوضع «صفر» الذي قد يرضي مطالب الثوار، ولكن قوبلت هذه الجملة بكثير من السخرية سواء من قبل الشعب اليمني الُمشارك في الثورة أو على صعيد النشطاء العرب المؤيدين للثورة اليمنية، وهي الثورة التي بالطبع لم تلقَ ترحابًا من قبل بعض دول الخليج وعلى رأسها الإمارات والمملكة العربية السعودية الدولتان اللتان مدّتا يد العون لعلي عبدالله صالح في البداية إلى أن انحرف عن رغبة السعودية والإمارات وتحالف مع الحوثيين والتي يتم دعمها بشكلٍ مباشر من إيران، عدو السعودية والإمارات اللدود؛ لتُشن بعدها حرب عاصفة الحزم بقيادة السعودية والإمارات في اليمن لمواجهة المد الحوثي – كما يدعي الحلف – الموالي لإيران.

في عام 2015 ,مع بدء عمليات عاصفة الحزم بشكل رسمي احتجزت الإمارات سفير اليمن أحمد علي عبدالله صالح نجل علي عبدالله صالح ووضعته هو وأسرته تحت الإقامة الجبرية حتى نهاية شهر أبريل (نيسان) من هذا العام، فعلى ما يبدو أن المسؤولين في الإمارات يرغبون في «تصفير العداد» وعودة آل صالح إلى الحكم ليكون المقابل التخلص من الحوثيين أو التخلص من أذرع إيران في اليمن.

كان أحمد عبدالله صالح يشغل منصب قائد الحرس الجمهوري قبيل عزل والده من الحكم وهو أحد أكبر المناصب العسكرية في اليمن، إلى أن ترك الجيش وأصبح سفير اليمن في الإمارات قبل أن تحدد الإمارات إقامته جبريًّا حتى أعادت التفكير في أمره، وظهر تفكير الإمارات الجديد في تصريح أنور قرقاش وزير الإمارات للشؤون الخارجية إلى إحدى المواقع البريطانية والذي قال فيه: «اقترحنا على أصدقائنا في السعودية والولايات المتحدة وروسيا إتاحة الفرصة لعودة السفير اليمني السابق في الإمارات أحمد علي عبد الله صالح إلى بلاده من أجل القيام بدور أكثر فاعلية في هذا الموضوع، لأن وجوده في الإمارات لا يفيد بأي شيء».

وبعد تصريح أنور قرقاش أعلن شقيّ حزب المؤتمر الشعبي – الشق المؤيد لعبدالله صالح والشق المؤيد للرئيس هادي – موافقتهما على ترتيبات الإمارات، وخرجت الكثير من جماهير حزب المؤتمر الشعبي في الشوارع بمسيرات للهتاف باسم أحمد عبدالله صالح حاملين لافتات مكتوب عليها «غيرك لن نختار»، ومن المتوقع أن تدعم دولة الإمارات تحولًا في العملية السياسية اليمنية ووضع أحمد علي عبدالله صالح على قيادة حزب المؤتمر الشعبي وذلك لتحقيق مجموعة كبيرة من الأهداف أهمها: تمهيد الطريق أمامه كي يعتلي أحد المناصب السياسية الكبرى في اليمن من المتوقع ان يكون المنصب رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية، بالإضافة إلى تكوين جبهة قوية تقف أمام حزب التجمع اليمني الذي يديره الإخوان المسلمون في اليمن، فضلًا عن هدف الإمارات – والسعودية – الأكبر وهو تثبيط قوى الحوثيين وتقليل النفوذ الإيراني في اليمن، وفي حالة نجاح خطة الإمارات سوف يضاف أحمد علي عبدالله صالح إلى فريق محمد بن زايد لقمع ثورات الربيع العربي.

4- عبدالفتاح السيسي «رجل المرحلة»

السيسي رجل المرحلة؛ هكذا وُصِف السيسي في أحد المناهج الدراسية في الإمارات، وذلك ضمن الكتاب  المدرسي «بصمات خالد» الذي أعده مركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية والسياسية، والذي يضم شخصيات بارزة في مجالات السياسة مثل جمال عبد الناصر والشيخ زايد وفي مجال العلوم مثل آينشتين و مجال التكنولوجيا مثل ستيف جوبز، وتم عنونة الجزء الخاص بعبد الفتاح السيسي باسم «رجل المرحلة» لأنه من وجهة نظر معدي الكتاب – وهي وجهة نظر حكومة الإمارات نفسها بالطبع – أن السيسي استطاع استعادة مصر من التنظيم الذي يطلق على نفسه اسم الإخوان المسلمين، وأن السيسي يلعب دورًا بارزًا في القضاء على التطرف والإرهاب في كافة القطر العربي.

لم يتوقّف دعم الإمارات لمصر – أو لنقل دعمها للسيسي – منذ اللحظة التي تم الإعلان فيها عن الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي، وبعدها بليلةٍ واحدةٍ فقط أعلنت الإمارات أنها سوف تقدم 3 مليارات دولار مساعدة أولى لمصر، بالإضافة إلى حصةٍ كبيرةٍ من الوقود لمصر تبلغ قيمتها مليار دولار أمريكي، وبعدها بعامين وتحديدًا في المؤتمر الاقتصادي دعمت مصر باستثمارات قيمتها 4 مليار دولار، وتقريبًا يمكن أن نقول إنَّ الإمارات هي الدولة الأولى التي يعمد إليها السيسي حال احتياجه لدعم مالي، ولم يكن الدعم الذي يتلقاه السيسي من الجانب الإماراتي في شكل أموال فقط؛ بل أحيانا في شكل دعم مشاريع تنموية و منح عسكرية تضمن أسلحة وعربات إماراتية الصنع، بالإضافة إلى حافلة النقل العام المعروفة بأنها وصلت مصر بعد تسلم السيسي مقاليد الحكم، وعلى جانب آخر فإن تسريبات ويكيليكس في يونيو (حزيران) عام 2015 توضح أن الكثير من الأبواق الإعلامية الموالية لنظام السيسي في مصر تتلقَّى دعمًا مباشرًا من الحكومة الإماراتية، مثل مواقع دوت مصر و البوابة نيوز – الذي يديره عبد الرحيم علي – واليوم السابع، وقناة CBC التابعة لرجل الأعمال المصري المعروف بقربه من القيادة العسكرية «محمد الأمين».

ولكن لماذا تدعم الإمارات عبد الفتاح السيسي بهذا الشكل؟

في تصريحٍ لمحمد بن زايد أثناء زيارة السيسي الأخيرة لأبوظبي قال: «إنَّ مصر هي قلب العروبة النابض، واستقرارها يعني استقرار المنطقة العربية بأكملها»، وبالطبع هذا الكلام الذي اعتاد العرب ترديده بعد جمال عبدالناصر، وقد يكون بالفعل استقرار مصر يعني استقرار المنطقة العربية أو قد يعني ـ بطريقةٍ أخرى ـ استقرار دولة الإمارات العربية المتحدة واستمرارها في زيادة نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري في المنطقة.

يمكن تبرير ذلك بأنّ وجود السيسي، وهو أحد رموز الثورات المضادة التي تعمل من أجل إجهاض ثورات الربيع العربي الذي تعاديه دولة الإمارات منذ نشأته، بالإضافة إلى أن وجود السيسي في المنطقة يساعد الإمارات في الحفاظ على نفوذها في ليبيا وذلك أن السيسي يعتبر هو همزة الوصل -العسكري – بين الإمارات وبين خليفة حفتر الذي بدوره يقف أمام الإسلام السياسي في ليبيا الذي تراه الامارات تيارًا متطرفًا يستخدم الدين من أجل أهداف ومطامع سياسية، فضلًا عن أن السيسي جنرال سابق بالجيش المصري، الذي يعتبر أقوى جيوش المنطقة العربية، والذي خاض معارك وحروبًا عسكرية لصالح بعض الدول العربية عندما كان يملك مقاليد السلطة ضباط من الجيش بداية من حرب اليمن مرورًا بحرب الخليج وحتى عاصفة الحزم وضربات ليبيا.

ويعتبر البعض السيسي هو مدخر مهم للإمارات عند الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بالشؤون الإسرائيلية، خصوصًا وأن السيسي يرى أن مصر وإسرائيل في حالة «سلام دافئ»، والجانب الإسرائيلي يرى في السيسي أفضل  حاكم مصري تسلم مقاليد الحكم في مصر.

لذلك فإن رحيل السيسي عن الحكم في مصر قد يكبد الإمارات الكثير من الخسائر، فهل تعتقد أيها القارئ أن الإمارات سوف تسمح بخسارة عبدالفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية عام 2018؟

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد