ميرفت عوف

6

ميرفت عوف

6

1,869

لا تكف وسائل الإعلام الإماراتية عن ذكر أرقام الأموال التي أُنفقت في سبيل دعم السوريين المالي، مُظهرةً دعمها السياسي أيضًا لهم ضد النظام السوري وحليفته الأولى إيران. لكن في الواقع، الإمارات المستمرة في فرض نفوذها ومعاداتها لتيار الإسلام السياسي على الساحة السورية، لا تكتفي باعتقال المعارضين السوريين، وترحيل المقيمين على أراضيها من السوريين؛ بل زجَّت برجلها الفلسطيني «محمد دحلان» في المراحل الأخيرة لإنهاء الملف السوري، فجلس الرجل قبل فترة واثقًا بجوار سياسية النظام السوري «رندا قسيس» قبل أن يخرج للمعارضة السورية بخيار «بقاء الأسد».

هل عملت الإمارات ضد المعارضة السورية منذ بداية الثورة؟

اعتبر موقف الإمارات من التدخل الروسي في سوريا في ديسمبر (كانون الأول) عام 2015، قبولًا ضمنيًّا منها بهذا التدخل، فهي رأت أنه تدخل يهدف فقط لضرب «تنظيم الدولة»، ورفضت التوقيع على البيان المشترك  الذي طالب بوقف استهداف المعارضة السورية والمدنيين من قبل روسيا.

 صورة أرشيفية: بشار الأسد مع وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد آل نهيان.  (المصدر: الجزيرة نت)

لم يقف الموقف الإماراتي عند ما سبق، فقد كشفت مؤخرًا برقية سرية صادرة من سفارة السعودية في أبوظبي، عن عدم التزام الإمارات بقرارات مجلس التعاون الخليجي إزاء الملف السوري، وجاء في البرقية أنه: «لم يُلمس أي إجراء تم اتخاذه من الجهات الإماراتية لفرض أية عقوبات اقتصادية على النظام السوري، حتى السفير السوري بالدولة لم يُبلغ بالمغادرة تنفيذًا لقرارات دول مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية القاضية باستدعاء سفراء الدول الخليجية والعربية من دمشق».

أما فيما يتعلق بالموقف من السوريين المعارضين المقيمين على أراضيها، فلم تتوان الإمارات عن اعتقال بعضهم، كقيامها باعتقال الناشط السوري «محمد عز» بسبب إدارته لصفحة على فيسبوك كان ينشر فيها آخر تطورات الثورة السورية، وقضت المحكمة الاتحادية العليا قبل أيام بسجنه 15 عامًا، الأمر الذي دفع الفريق الأممي المعني بقضية «عز» لتأكيد أن السلطات الإماراتية لم تحترم ضمانات المحاكمة العادلة الدولية، وذكر الفريق الأممي أن: «اعتقال الناشط السوري تم بمعزل عن العالم الخارجي، وتم حمله على الاعتراف بالإكراه واستجوابه دون الاستعانة بمحامٍ، واستخدام اعترافاته القسرية أدلة وحيدة خلال المحاكمة».

طفلة سورية تحاول الحصول على طعام. (المصدر: الخليج أون لاين)

كذلك، لا يمكن هنا تجاهل قضية اعتقال اثنين من أبناء العقيد الإماراتي الذي انضم للمعارضة السورية «محمد العبدولي»، فرغم أن الرجل استشهد في 3 مارس (آذار) 2013، بعد قتاله في عدة معارك ضد النظام السوري، إلا أن الإمارات لم تترك عائلته وشأنها؛ إذ يعتقل الأمن الإماراتي منذ نوفمبر (تشرين ثاني) عام 2015، كلًّا من ابنه «مصعب» (سرَّح من الجيش الإماراتي بقرار أمني)، وابنته أمينة وهي أم لخمسة أطفال، وقد صدر حكم في نوفمبر 2016 بسجن أمينة خمس سنوات، وبغرامة مالية مقدارها 500 ألف درهم (136 ألف دولار)، فيما حكم «مصعب» سبع سنوات.

تأتي تلك الاعتقالات في وقت تستضيف فيه الإمارات شقيقة الرئيس السوري بشار الأسد «بشرى»، منذ مقتل زوجها نائب وزير الدفاع السوري «آصف شوكت» في يوليو (تموز) 2012، كما استضافت بعد عام من وصول بشرى والدتها «أنيسة مخلوف» التي توفت في دبي بعد ثلاثة أعوام فقط من إقامتها.

اقتصاديًّا، اتخذت الإمارات موقفًا براغماتيًّا من نظام الأسد، عندما احتوت مصارفها مئات ملايين الدولارات لشخصيات موالية للنظام وعائلته، منهم رجل الأعمال السوري وابن خالة بشار الأسد «رامي مخلوف» المصنف اسمه ضمن العقوبات الدولية، ووصل الأمر حد تورط شركات أجنبية لها فروع إماراتية، بتزويد النظام السوري بالنفط والغاز والمشتقات النفطية، وهو ما كشفه وثائقي الجزيرة «شريان الأسد السري».

«دحلان» يمرر الأجندة الإماراتية في سوريا

لم يبعد القيادي الفلسطيني في حركة التحرير الوطني (فتح)، محمد دحلان أو «قلب المؤامرات السياسية والمالية في الشرق الأوسط» كما وصفته صحيفة «لوموند» الفرنسية عن القضية السورية، فتحرك لتمرير الأجندة الإماراتية.

رجل الإمارات «محمد دحلان».

الرجل الذي ظهر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بجوار رئيسة منصة أستانة، السورية «رندا قسيس»  خلال اجتماع لم يكشف عن تفاصيله، يؤرخ لتحركاته في الملف السوري بشكل واضح في مارس 2016، وذلك عندما ساهم في تأسيس حزب معارض سوري جديد في القاهرة، هو حزب «تيار الغد»، الذي يعد رئيسه، أحمد الجربا، وهو «رجل مرن، من دون مبادئ تذكر، ما عدا عدائه للإسلاميين ولقطر وتركيا، وهو بذلك متناغم مع دحلان»، كما يصفه الكاتب والباحث السوري «سنان حتاحت».

أما في خطوات «دحلان» الأخيرة، التي تترجم كواقع لتقارب المصالح الإماراتية الروسية، فقد رمى «دحلان» بخطوط عريضة لإنهاء الملف السوري أمام أطراف في المعارضة السورية، جاءت تلك الخطوط ضمن خيارين كشفت عنهما صحيفة «القدس العربي» من مصادرها في المعارضة السورية: أولهما بقاء الأسد حتى عام 2021 بصلاحيات محدودة بروتوكوليًّا، والإعلان عن مجلس عسكري أعلى بصلاحيات واسعة يعمل على استتباب الأمن وإعداد بيئة تسمح بحياة سياسية دستورية. أما الخيار الثاني فهو انتخابات رئاسية وبرلمانية عاجلة برعاية أممية، وبمشاركة بشار الأسد فيها مع بداية العام الجديد.

وفي إطار إعادة رسم خارطة التحالفات، وتفاقم الضغوطات على المعارضة السورية لا يستبعد نجاح «دحلان» في تمرير رؤية موسكو وأبوظبي، وإنهاء الصراع بحل سياسي يبقي الأسد ونظامه في الحل السوري.

دحلان مع رندا قسيس. (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

بالترحيل.. الإمارات تقمع السوريين على أراضيها

«سمحت الإمارات لعشرات الآلاف من السوريين الذين انتهت إقامتهم أو وثائق سفرهم بتعديل أوضاعهم، ما يمكنهم من البقاء في الدولة»، هذا ما خرج يصرح به وزير الدولة للشؤون الخارجية، أنور قرشاش، وهو غاضب من نقد المجتمع الدولي لموقف دول الخليج من أزمة اللاجئين السوريين، وعدم استقبالهم على أراضيها، معتبرًا ذلك «حملة إعلامية منسّقة تهدف إلى الإساءة لصورة تلك البلدان لغايات سياسية».

في الواقع، يحدث على الأرض ما يخالف التصريحات الإماراتية التي خرجت لإظهار دعم حكومة «أبوظبي» للقضية السورية، سواء بالدعم المالي الإنساني، أو المناصرة السياسية، فقد انتهجت الإمارات سياسة الترحيل، وإلغاء إقامات السوريين المقيمين على أراضيها مع بداية الثورة السورية، عندما خرج بعض منهم في تظاهرات مناهضة للنظام السوري، حدث ذلك في فبراير (شباط) من عام 2012.

وليس انتهاء بما حدث في أكتوبر الماضي، فقد رحلت الإمارات قسريًّا نحو 70 عائلةً سوريةً، فطلبت منهم المغادرة خلال ساعة واحدة بعد اختيار وجهة سفر، ودون السماح لهم بتسوية أوضاعهم المالية، ولم تقم هذه السلطات بإلغاء أي من جوازات السفر المرحلين حتى لا يتم إثبات أي أدلة قانونية تدين حالات الترحيل القسري.

طفل سوري يحمل معونة إمارتية. (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

وحسب تقرير «المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان»، فإن سبب ترحيل هؤلاء يعود إلى أن «عددًا من تجار الجملة السوريين المنحدرين من مدينة درعا صدّروا بضائع ومأكولات غذائية إلى قطر من دبي، مرورًا بالكويت وعمان، وهو إجراء رأت السلطات الإماراتية أنه تعامل مع قطر، فأمرتهم بالرحيل على الفور، تاركين خلفهم أموالهم وعقاراتهم»، ويضيف المرصد في بيان خاص بترحيل هؤلاء السوريين أن هذه المرة «شملت أكبر عملية ترحيل لعائلات سورية مقارنةً بالفترة الماضية، وعملية الترحيل جاءت على نحو مفاجئ وصادم؛ إذ قامت الجهات الأمنية الإماراتية بالاتصال بالعائلات، وأبلغتهم بضرورة مراجعتها بشكل مستعجل مع اصطحاب أوراقهم الثبوتية كجواز السفر والإقامة، وعند حضور العائلات تم التحقيق معهم، ثم أبلغتهم الجهات الأمنية بضرورة مغادرة البلاد خلال 24 ساعة دون إعطاء أية توضيحات أو أسباب هذا القرار، ودون إتاحة الفرصة لهم لجمع أموالهم، أو الاستفسار عن سبب ترحيلهم».

الصراع مع الإسلام السياسي يحدد خط سير الإمارات في سوريا

تعمل الإمارات في سوريا وفق سياستها الإقليمية المتمثلة في عداء أي تيار تابع للإسلام السياسي، فهي تقدمه على أي عداء آخر. وهي أيضًا تعمل على فرض نفوذها سواء بالاعتماد على نفسها، أو على الآخرين، وفي محطة الاعتماد على نفسها في الملف السوري، تدخلت قواتها بشكل مباشر كما كشف موقع «ستراتفور» في معركة الرقة، وهنا يمكن الاستشهاد بتقرير صحيفة «الجارديان» البريطانية التي تحدث عن الدلالات السياسية التي تعكسها المشاركة الإماراتية، والمتمثلة في «سعى الإمارات إلى فرض نفسها بصفتها أحد الفاعلين الرئيسيين في الشرق الأوسط في إطار التنافس مع قطر»، مؤخرًا وفي إطار صراع النفوذ مع قطر وتركيا، دعت الإمارات في أغسطس الماضي الولايات المتحدة الأمريكية إلى تخفيف دعم المعارضة السورية، والعمل مع النظام السوري مقابل ضمانات بابتعاده عن إيران، ونقل موقع «زمان الوصل» السوري عن مصادر قولها إن الإمارات تهدف إلى منع تمكن المعارضة السورية من الوصول إلى السلطة، فهي ترى أن أغلبية المعارضة السورية باتت بيد القوى الجهادية الإسلامية.

تدريبات على مكافحة الإرهاب في دبي.

أما في إطار الاعتماد على حلفائها في الساحة السورية، فبعدما صنفت 20 فصيلًا سوريًّا في قوائم الإرهاب الإماراتية، عمقت علاقتها مع فصائل المعارضة السورية التي تكن عداءً لتيار الإسلام السياسي السوري، والتي لها نفوذ في المعركة السياسية، وقريبة من وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، كفصيل «مغاوير الثورة»، وفصيل «الجبهة الجنوبية»، المدعوم أردنيًّا في درعا السورية، والمعروف بـ«الموك»، والذي تمكنت الإمارات عبره من تنفيذ عمليات اغتيال لشخصيات سورية، حسب ما غرد به السوري المعروف باسم «مزمجر الشام».