رائحة خشب الصندل تفوح بالمكان، وعلى جانبيه تنتشر متاجر لبيع تماثيل «الآلهة» وأكاليل من الزهور، المارون من هنا يحصلون على جوز الهند والفواكه والزهور والحلويات ليقدموها داخل المعبد لآلهة الهندوس.

لست بحاجة للسفر إلى الهند لترى المشهد السابق في أحد معابد الهندوس، حيث يذهبون للصلاة وتأدية واجباتهم الدينية، بالإمكان أن ترى ذلك بعد ما يقارب العام من الآن في عاصمة الإمارات أبو ظبي، حيث تم الاحتفاء قبل أيام ببدء بناء أكبر معبد هندوسي خارج الهند، بعد أن فتحت الأبواب لعشرات الآلاف من المتعبدين الهندوس والسيخ لممارسة طقوس العبادة في المعبد الأول في دبي.

«أعبد رام».. إله الهندوس في أبوظبي

يوم الثالث والعشرين من فبراير (شباط) الحالي، صعد ممثل دولة الإمارات، الكاتب «سلطان بن سعود القاسمي» إلى منصة حفل افتتاح بناء معبد هندوسي في العاصمة «أبوظبي»، قال الرجل مبتسمًا والهندوس من حوله «أعبد رام»، فأضحك ذكره اسم إله الهندوس مئات الهندوس الذين حضروا للاحتفال، ومضى في كلمته يؤكد أن: «الإمارات هي دولة المحبة والسلام للجميع».

هذا المعبد الذي سيوفر عناء السفر على آلاف الهندوس المقيمين في أبوظبي، إلى دبي التي تبعد مئة كيلومتر، حيث معبدهم هناك، خصصت أرضه باعتبارها هدية من قبل الحكومة الإماراتية خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي «ناريندرا مودي» للبلاد عام 2015، فقد وفرت مساحة 20 ألف متر مربع في منطقة الوثبة لإقامة المعبد الذي سيكلف بناؤه 400 مليون.

ويشكل الهنود بالإمارات -وأغلبهم من الهندوس- 30% من سكان الإمارات يتركزون في أبوظبي ودبي والشارقة، ليشكلون بذلك أكبر جالية من الأجانب في الإمارات، حيث يصل عددهم إلى 2.6 مليون نسمة، كما تظهر إحصائيات السفارة الهندية في أبوظبي.

الجدير بالذكر أن المعبد المزمع إقامته في أبوظبي ليس المعبد الهندوسي الأول في الإمارات، ففي عام 1958، منح الشيخ «راشد بن سعيد آل مكتوم» إذنًا لإقامة المعبد الهندوسي الأول في دبي، وتحديدًا في منطقة «بُر دبي» القديمة، وهو  عبارة عن مجمع يضم معبدي «شيفا» و«كريشنا مندير»، للهندوس والسيخ معًا، قبل أن ينفصل السيخ عن الهندوس عام 2012، ويقيمون معبدهم الخاص في (جبل علي) في دبي؟

يقول أحد أعضاء اللجنة الإدارية لـمجمع دبي لمعبدي الهندوس، نارين ساولاني: «لا نواجه أي مشاكل في ممارسة ديننا الهندوسي في دبي، حتى إننا لم نضطر إلى تعديل أو تغيير أي شيء في طقوسنا»، ويضيف: «الهندوس يمارسون دينهم كما يفعلون ذلك في الهند، نحتفل على سبيل المثال، بعيد ديوالي أو مهرجان هولي، أو مهرجانات جنوب الهند بالطريقة نفسها التي نحتفل بها في وطننا الأم».

الإمارات تضيّق على المساجد

«شهادة على التسامح في هذا البلد الخليجي المسلم»، هكذا تحدث رئيس الوزراء الهندي، «ناريندرا مودي» عن أول معابد الهندوس في الإمارات، لكن يبدو أن هذا التسامح –على سبيل المثال- لم يشمل مدير عام مؤسسة رأس الخيمة للقرآن الكريم وعلومه «صالح الظفيري» الذي اعتقل بسبب «فزاعة الإخوان المسلمين» التي تستخدمها الإمارات باعتبارها أداة لترويع الناس وسحب جنسياتهم. اعتقل الظفيري ومنع من إلقاء الخطب قبل أن يجبر على التقاعد.

هندوس وإماراتيون (المصدر: indiadivine)

كما حاربت الإمارات على أرضها بكل قوة من أجل كبح جماح تزايد نفوذ جماعة الإخوان المسلمين بعد ثورات الربيع العربي، حيث حاربت الجمعيات الإماراتية الخيرية المحسوبة على هذا التيار، فهي قلقة من أي احتمال لصلات بين الإسلاميين في الداخل ونظرائهم في الخارج.

ويؤكد على ذلك التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكة الخاص بوضع الحريات الدينية حول العالم في العام 2016، حيث ذكر أن: «حكومة الإمارات لاحقت قضائيًا أفرادًا لانتمائهم أو دعمهم لمنظمات قالت إنها إرهابية ومن بينها حركة الإخوان المسلمين»، وحسب منظمات حقوقية فإن: «بعض هؤلاء الأفراد لم يستخدموا العنف ولكنهم استخدموا منصات التواصل الاجتماعي لانتقاد سياسات الحكومة».

وفي سبيل ذلك تواصل الحكومة الإماراتية تضييق الخناق على المساجد داخل أراضيها، بدءًا بتحديد أوقات لفتح وإغلاق المساجد بشكل سريع، وقيامها بتغيير أئمة المساجد إلى آخرين تابعين لجهازها الأمني، ثم قرارها توحيد خطبة يوم الجمعة، وكذلك متابعة من يداومون على الصلاة، والتعامل معهم باعتبارهم مشتبهًا بهم، كما وضعت كاميرات مراقبة سرية داخل المساجد.

وتكريسًا للهيمنة الأمنية الإماراتية على المساجد، أقر المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قانون «تنظيم ورعاية المساجد» الذي يمنع العاملين في المساجد من ممارسة أي نشاط سياسي أو تنظيمي، ويمنعهم من إلقاء إلقاء الدروس أو الخطب أو تحفيظ القرآن الكريم خارج المساجد أو الجهات المصرح بها من قبل السلطة المختصة، ويوجب عليهم الحصول على إذن في حال أرادوا جمع التبرعات أو المساعدات المالية أو العينية لشخصه أو للغير، ويمنع هذا القانون توزيع الكتب والنشرات والأقراص المدمجة أو إلصاق الإعلانات والمنشورات، والاعتكاف في المساجد، وإدخال مصاحف أو أثاث، وإقامة موائد الإفطار والولائم.

بل ذهبت الإمارات لتحريض أوروبا على تشديد الرقابة على المساجد فيها، حين قال وزير «التسامح» فيها، «نهيان مبارك آل نهيان» مخاطبًا الغرب أنه: «لا يجوز فتح المساجد ببساطة هكذا والسماح لأي فرد بالذهاب إلى هناك وإلقاء خطب. يتعين أن يكون هناك ترخيص بذلك».

وتابع القول: «نعتقد أنه يتعين حدوث شيء في أوروبا، فالدول الأوروبية كانت حسنة النية عندما سمحت لهؤلاء الناس (يقصد الأئمة) بإدارة مساجدهم ومراكزهم الخاصة، لكن في المقابل يتعين تدريب القادة الدينيين ليكونوا على دراية جيدة بالإسلام، ولينالوا ترخيصًا بإلقاء الخطب في المساجد، فلا يمكن لأحد في أوروبا أن يذهب إلى كنيسة ويخطب فيها ببساطة».

وفي خارج الإمارات، لاحقت تلك الحكومة النشاطات الإسلامية وضيقت على القائمين عليها، وأنفقت المليارات لتهميش دور الإسلام السياسي، فصنفت 83 من المؤسسات الإسلامية باعتبارها منظمات إرهابية، منها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وأيضًا فروع جماعة الإخوان المسلمين المنكل بهم في السجون الإماراتية.

لماذا تحاول الإمارات استرضاء الهندوس؟

1- التقرب من الهند باعتبارها حليفًا اقتصاديًّا

«منصة لتحديد ومناقشة فرص جذب الاستثمارات في مختلف القطاعات والترويج للمزايا التنافسية لإمارة أبوظبي باعتبارها وجهة عالمية مفضلة للاستثمار، بالإضافة إلى البحث في الآليات وفرص الشراكة بين الشركات الإماراتية ونظيرتها من الشركات الهندية»، هكذا تحدث موقع «العين الإخبارية» الإماراتي عن «أسبوع أبوظبي في الهند» الذي عقد في بداية هذا الشهر في العاصمة الهندية -نيودلهي-.

مودي خلال زيارته للإمارات (المصدر: indiadivine)

وبغية توثيق الاقتصاد الهندي مع اقتصاد الإمارات القائم على النفط، أشرف رئيس الوزراء الهندي «نارندرا مودي» في الثاني عشر من فبراير (شباط) الحالي على شراء شركات هندية لحصة تصل إلى 10 في المائة من امتياز نفطي بحري تابع لشركة بترول أبوظبي، وهو الحدث الذي وصفه الإعلام الإماراتي بالأول من نوعه.

ويبدو أن الإمارات معنية أكثر بالتقرب من الهند باعتبارها حليفًا اقتصاديًّا قويًّا بالنسبة لها، فهي ثالث أكبر شريك تجاري للهند، والشراكة التجارية بين البلدين، عززت مستوى التبادل التجاري غير النفطي خلال السنة المالية 2016-2017 بنحو 194.5 مليار درهم (53 مليار دولار)، بنسبة 60 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة، فقيمة التجارة غير النفطية بين الإمارات والهند بلغت نحو 131.7 مليار درهم (36 مليار دولار أمريكي) في 2016 وحدها، وبلغت واردات الإمارات من الهند نحو 82.9 مليار درهم (حوالي 22.7 مليار دولار)، والصادرات الإماراتية إلى الهند نحو 18 مليار درهم (4.9 مليار دولار تقريبًا).

ويبلغ النفوذ الاقتصادي الهندي في الإمارات لحد تأكيد «المجلس الهندي لرجال الأعمال والمهنيين في دبي» الذي يضم في عضويته 800 ما بين شركات ورجال أعمال على: «وجود 30 ألف شركة هندية في دبي وأكثر من 40 ألف شركة هندية في أبوظبي باستثمارات تقدر بأكثر من 200 مليار درهم (55 مليار دولار)».

وفي القطاع العقاري الإماراتي يستثمر الهنود ما بين 12 إلى 15 مليار دولار أمريكي، وتجذب دبي المستثمرين الهنود، فبينما تصل أسعار العقارات لأرقام فلكية في مدن هندية كمومباي أو دلهي، تقدم دبي صفقات واتفاقات بشروط مغرية لهؤلاء، حتى أصبحت ثاني أكبر قبلة لهم، ويقيم في الإمارات ودول الخليج الأخرى حاليًّا مئات الأثرياء الهنود ويملكون استثمارات ضخمة في مجالات مختلفة.

وتكشف «قوائم الأثرياء» التي تنشرها الجهات المختصة أن 90 في المائة من الأثرياء الهنود يقيمون في الإمارات، وفي هذا العام تربع رئيس مجلس الإدارة مجموعة اللولو العالمية، رجل الأعمال الهندي «يوسف علي ما» على قائمة أقوى 50 هنديًّا في دولة الإمارات التي تعدها «أريبيان بزنس»، إذ تحظى شركاته بقوة عاملة تتجاوز 40.000 موظف وعمليات في 37 دولة مختلفة.

2- إظهار التسامح الديني

احتفت وسائل الإعلام الإماراتية كثيرًا بالتقرير الصادر عن مكتب الحرية الدينية وحرية الإنسان والعمالة بوزارة الخارجية الأمريكية لعام 2017، والذي أشاد بالحرية الدينية في دولة الإمارات، ودعم التسامح الديني فيها.

وفيما تحاول الإمارات أن تظهر بأنها بلد لتسامح الأديان، عبر ضمها كل الطوائف بين جنباتها، تثور الانتقادات في المقابل حول دور الإمارات في استخدام الإرهاب الديني ضد اليمنيين حيث طارد حلفاؤها من التيار السلفي النشطاء والصحفيين اليمنيين بتهمة «العلمانية».

ويؤكد تقرير للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان على وجود مجموعات تمارس ما وصفه بـ«الإرهاب الديني» في عدن، وجاء في التقرير: «الأخطر في ظاهرة تنصيب جماعات سلفية نفسـها صاحبة وصاية دينية وفكرية على مخالفيها، فقد أضحى دارجًا اغتيال الناشطين أو ملاحقتهم بعد إلصاق تهم فضفاضة بهم تتراوح بين العلمانية والإلحاد والردة».

3- التغطية على الانتهاكات بحق العمال الهنود

أحد الأسباب التي تفسر بناء معبد الهندوس الجديد، قد تكون رغبة الإمارات بإخفاء الانتهاكات بحق العمال الهنود، الذين سجلت بحقهم وغيرهم من العمالة الأجنبية انتهاكات واسعة داخل أراضي الإمارات والتي من آخر فصولها معاناة العمال في موقع بناء متحف اللوفر أبوظبي، فـأكثر من 490 عاملًا قضوا في الفترة ما بين 2015 و2017 بسبب «العبودية الحديثة» في الإمارات، كما تم طرد 14 ألفًا و600 عامل آسيوي عشوائيًا من العمل في الإمارات عام 2016 ولم تدفع لهم الرواتب وتعرضوا للإهانة وتم ترحيلهم.

وكان برنامج وثائقي حمل عنوان «الوجه الآخر لدبي»، وبثته قناة NDTV الهندية قد سلّط الضوء على معاناة العمال الهنود في الإمارات، وسرب البرنامج شهادات لعمال قالوا إنهم يعملون لمدة 10 ساعات مقابل 100 فرنك سويسري (101 دولار) إلى 200 فرنك سويسري (202 دولار) يحصلون عليها في آخر الشهر، ويظهر البرنامج أن الأبراج الشاهقة والمباني الفخمة شيّدها ملايين العمال الأجانب، الذين قدم معظمهم من بلدان شبه القارة الهندية هروبًا من البؤس ورغبة في تحسين ظروف معيشة أسرهم.

وفي أكتوبر (تشرين الثاني) 2017، قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن مؤشرات «حقوق العمال والعبودية الحديثة» المعروفة عالميًّا تصنف الإمارات بشكل سلبي، وتحدث المركز عن: «عائلات 26 شخصًا من العاملين في مجال البناء منذ 3-4 أعوام في مدينة دبي الإماراتية، وهم من ولاية (راجستان) في الهند قدموا شكوى إلى سلطات الولاية في بداية شهر أكتوبر الحالي، قالوا فيها إن أبناءهم يتعرضون للمعاملة القاسية والمهينة في شركات البناء الإماراتية التي يعملون فيها».

وأكدت العائلات –حسب المركز- أن: «أبناءها يعيشون على الطرق منذ أكثر من 20 يومًا دون أموال؛ بسبب خلاف مع صاحب العمل واعتراضهم على شروط شركة البناء والتي تجبرهم على العمل لمدة 16-18 ساعة يوميًا والعيش في مبان متهالكة».

 

المصادر

تحميل المزيد