كرة القدم كان لها النصيب الأوفر في عهد عيدي أمين، فقد دعم اتحاد كرة القدم الأوغندي، وقدم له كل الدعم المادي والمعنوي، وأصر عيدي أمين على تشكيل منتخب قوي يفوز بالبطولات مهما كان الثمن.

كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل تختلط بها السياسة والاقتصاد والاجتماع وكل جوانب الحياة تقريبًا، وفي أفريقيا تختلط الكرة بالسياسة بدرجة لا يمكن تخيلها، فحُكام ورؤساء الدول الأفريقية طالما استغلوا الرياضة لتحقيق أهدافهم السياسية، كان الكثير منهم يتوقع أن يحظى بشعبية كبيرة فقط لأنه ساهم في صنع منتخب كروي قوي، يمكنه المنافسة في البطولات الكبرى، وأكبر مثال على ذلك أوغندا.

كرة القدم في رحاب عيدي أمين

تاريخ شاق يحمله المنتخب الأوغندي، الملقب بـ«الرافعات»، في هذه البطولة القارية، بدأ المنتخب تاريخه الكروي مع تأسيس اتحاد الكرة الأوغندي عام 1924، ولعب مباراته الدولية الأولى عام 1926 أمام كينيا، وتعادل فيها إيجابيًا؛ بهدف لكل منهما، أما البطولات الدولية فاشترك فيها بعد انضمامه إلى «الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف)» عام 1959، ثم انضمامه إلى «الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)». 

لم يتأهل المنتخب الأوغندي في تاريخه إلي كأس العالم، أما كأس الأمم الأفريقية؛ فشارك فيها سبع مرات، آخرها النسخة 32 الحالية، وقد بدأ مشاركاته في البطولة عام 1962 حيث حل بالمركز الرابع، وخرج من دور المجموعات أربع مرات أما أقصى ما وصل إليه المنتخب الأوغندي، فكان وصوله إلي المباراة النهائية في نسخة عام 1978، وكان خصمه منتخب البلد المضيف غانا، حيث انهزم في تلك المباراة وحل وصيفًا.

السياسة كانت عاملًا قويًا لأن يتأهل المنتخب الأوغندي ثلاث مرات متتالية في بطولة الأمم الأفريقية، وهم 74، 76، 78، والسياسة أيضًا كانت السبب في أن يحقق مركز الوصيف في بطولة 78 في غانا، وكلمة السر كانت الديكتاتور الراحل عيدي أمين، والذي بانتهاء عهده؛ لم يتأهل المنتخب الأوغندي في بطولة الأمم الأفريقية علي مدار 39 عامًا لاحقة؛ وانتهت السنين العجاف بتأهله في نسخة 2017، وخروجه في دور المجموعات، ثم النسخة الحالية.

ولد عيدي أمين عام 1925، وبدأ حياته العملية بالعمل طاهيًا في بنادقة الملك الأفريقية التابعة للاستعمار البريطاني في أفريقيا؛ ثم التحق بالجيش البريطاني، وشارك في الأعمال البريطانية ضد الثوريين الصوماليين، ونال عدة ترقيات من الجيش البريطاني؛ حتى استقلال أوغندا عن التاج البريطاني عام 1962، وفي الجيش الأوغندي تدرج في المناصب حتى وصل إلى ترؤس القوات المسلحة في الجيش الأوغندي عام 1970.

استولى عيدي أمين على السلطة في انقلاب عسكري في مطلع عام 1971، بينما كان الرئيس ميلتون أوبوتي يحضر اجتماع قمة الكومنولث في سنغافورة، وأعلن في الراديو عن انتهاء حكم أوبوتي بسبب الفساد، وحين خرجت الجماهير في الشوارع اعتراضًا، طمأنهم عيدي أمين أنه مجرد جندي وليس سياسيًا، وأن وجوده في الحكم مرحلة انتقالية، ووعد بالإفراج عن جميع السجناء السياسيين، وبإجراء انتخابات حرة ونزيهة لإعادة البلاد إلى الحكم الديمقراطي في أقصر فترة ممكنة، لكنه لم يف أبدًا بأي مما سبق.

استغل عيدي أمين كونه ملاكمًا، وكان بطل ملاكمة في الوزن الثقيل ويحب لعبة الركبي، في تسخير الرياضة لكسب مؤيدين من الشعب، بل إنه في عام 1974 وكان قد صعد على حلبة الملاكمة، ليلعب مباراة فاز فيها على منافسه بالضربة القاضية، أما كرة القدم فقد كان عيدي أمين يعلم جيدًا أنها اللعبة الشعبية الأولى في البلاد؛ لذا رعاها بشكل خاص.

أكثر من مجرد لاعب.. هكذا أوقف ديديه دروجبا الحرب الأهلية في بلاده

بداية العصر الذهبي للمنتخب الأوغندي

لم يبخل عيدي أمين على الرياضة بشكل عام، فقد طور المنظومة الرياضية خلال إعادة هيكلة وتنظيم الاتحادات الرياضية، وفي عهده كانت أوغندا تعتبر واحدة من أفضل الدول الرياضية في أفريقيا، فحصلت على الميدالية الذهبية الأولى في دورة الألعاب الأولمبية في ألمانيا عام 1972، وفي دورة الألعاب الأفريقية عام 1973 حصدت أوغندا على ما يقرب من 20 ميدالية، وحصلت على المركز الرابع بين 30 دولة أفريقية.

كرة القدم كان لها النصيب الأوفر في عهد عيدي أمين، فقد دعم اتحاد كرة القدم الأوغندي، وقدم له كل الدعم المادي والمعنوي، لكن منتخب أوغندا لم يتأهل إلى بطولة الأمم الأفريقية في عام 1972، فما كان من عيدي أمين إلا أن أصر على تشكيل منتخب قوي يفوز بالبطولات مهما كان الثمن، إلى درجة أنه حين عرف أن اللاعب الأسطورة الأوغندي دينيس أوبا، يلعب في مركز الظهير الأيسر في السجن لأسباب قبلية، أرسل طائرة خاصة أخذته من السجن إلى الملعب.

تمكن المنتخب الأوغندي من التأهل لبطولة الأمم الأفريقية عام 1974، كانت البطولة وقتها تُكون من ثمانية منتخبات فقط، ووقع المنتخب الأوغندي في مجموعة تضم مصر وساحل العاج وزامبيا، وخسر المنتخب الأوغندي من مصر وزامبيا، وتعادل مع ساحل العاج وودع البطولة مبكرًا، ولكنه نجح في التأهل للدورة التالية عام 1976، ووقع في مجموعة تضم مصر وغينيا وإثيوبيا، وهذه المرة خسر كل مبارياته، وودّع البطولة أيضًا من دور المجموعات.

حين تأهل المنتخب الأوغندي إلى كأس الأمم الأفريقية عام 1978، قدم عيدي أمين لهم الطائرة الرئاسية لتقلهم إلى ليبيا للتسوق مدفوع الثمن، وفي معسكر المنتخب زارهم عيدي أمين؛ وسألهم عن العراقيل التي تواجههم، أجابه دينيس أوبا أن المحرر الرياضي في الصحيفة الحكومية يهاجمهم دائمًا، قال له عيدي أمين أنه طرد الآن من وظيفته، وأذيع الخبر في الراديو قبل أن يغادر أمين معسكر المنتخب، أما المحرر الرياضي، فهرب إلى كينيا فور سماع إقالته خوفًا من بطش الرئيس.    

بعد كل ما وفره عيدي أمين إلى المنتخب الأوغندي، لم يكن أمامهم حل سوى تحقيق فوز كبير، يصف المدافع السابق توم لوانجا لشبكة «سي إن إن» الأمريكية تلك اللحظات: «كنا المستضعفين وساعدنا ذلك في تحقيق الفوز، كان علينا أن نثبت وجود الفريق»، وقبل سفر المنتخب إلى غانا للبطولة، اتصل بهم أمين وأخبرهم أنه في حال فوزهم سيكافئهم بعقارات وسيارات.

وقع منتخب غانا في هذه البطولة في مجموعة تشمل تونس والمغرب والكونغو، وفاز المنتخب الأوغندي على الكونغو والمغرب، وخسر من تونس، فحل في صدارة مجموعته، وفي دور النصف نهائي لعب أمام نيجيريا وفاز عليها، وجاء النهائي أمام غانا صاحب الأرض، فخسر بهدفين مقابل لا شيء، يقول لوانجا إلى شبكة «CNN» الأمريكية عن لحظات بعد الخسارة: «عندما غادرنا، أرسل أحد أعضاء الوفد رسالة هاتفية أو برقية -أو هذا ما قيل لنا- إلى الرئيس يقول إن هؤلاء الأولاد باعوا اللعبة».

نهاية عيدي أمين.. ومنتخبه أيضًا

لم يعبأ عيدي أمين بخسارة المنتخب الأوغندي، لأن هذه الفترة كانت تشهد تدهورًا في نظامه السياسي ولم تستطع الكرة أن تجمّل وجهه القبيح، وهو الذي أمر بتقطيع إحدى زوجاته، قبل حلول عام 1979 كان العديد من وزراء عيدي أمين ينشقون عنه، ويفرون خارج البلاد، فقد وصل جنونه الذروة، وبالأخص حين أمر بشن الحرب علي تنزانيا، في غضون ستة أشهر، اقتحمت القوات التنزانية والمنشقون الأوغنديون القصر الرئاسي في كمبالا، وفرّ عيدي أمين إلى ليبيا ومنها إلى المملكة العربية السعودية، والتي استقبلته بدورها ورحبت به، وعاش في فندق في جدة، إلى أن توفي عام 2003.

على إثر سقوط نظام عيدي أمين تشرذم المنتخب الأوغندي، قتل اثنان على الأقل من لاعبي المنتخب بسبب كونهما جنديين في جيش عيدي أمين، وفر الكثير من اللاعبين بعدما شعروا أنهم محسوبين على النظام المتزعزع، وبعد اختفاء هذا المنتخب، ودعت أوغندا بطولة الأمم الأفريقية لعشرات السنوات، لم تتأهل فيها، ثم عادت وتأهلت في 2017 وخرجت من دور المجموعات، والآن فجرت مفاجأة في بداية البطولة الحالية، وتحاول أوغندا أن تعود إلى ما كانت عليه لكن دون عيدي أمين، وفقط بلعب الكرة دون تدخلات سياسية.

إرهاب وتعذيب.. كيف حول عدي صدام حسين كرة القدم إلى «لعبة الموت»

المصادر

تحميل المزيد