في اللحظة التي ستمتلك فيها أخيرًا مبلغًا ضخمًا من المال، وتبدأ البحث عن أفضل الأماكن التي يمكن ارتيادها لقضاء عطلتك، ستكون «جزر المالديف» هي وجهتك علي الأغلب، فعبر مناظرها الخلابة وجوِّها البديع، واستنادًا إلى رصيدها الضخم من الفنادق شديدة الفخامة، نجحت الجزر في التسويق لنفسها كوجهة سياحية جذابة، حتى ليكاد لا يقدر على زيارتها إلا أثرى أثرياء العالم.

يزور البلاد من يزورها ثم يولون مغادرين، لا يحملون في ذاكرتهم إلا مشاهد الجمال الخلاب والمعاملة الرقيقة، لكن ثمة تفاصيل في الثنايا لا يلتفتون إليها، منها أنهم لم يروا أهل البلاد الحقيقيين أبدًا، منذ وطئت أقدامهم أرض المطار، لينقلوا برًّا أو بحرًا أو جوًّا إلى منتجعاتهم، ومنها أنه على الجانب الآخر من الشاطئ، ثمَّة شعبٌ فقير مقهور، لا ترتدي نساؤه البيكيني ولا يُسمح لأفراده بتناول الخمور، ولا يقدر فيه أغلب الناس على قضاء ليلة واحدة في أرخص تلك الفنادق الفاخرة، شعب منزوع الثروة والسلطة.

فما هي قصة شعب المالديف؟

كان «مأمون عبد القيوم» بحلول العام  2005 قد قضى نحو ثلاثين عامًا في الحكم، ليصير أكثر الحكام الآسيويين جلوسًا على كرسيّ السلطة، ثلاثون عامًا حكم خلالها البلاد بمزيجٍ من القمع الأمني، والعزل التام للمجتمع، والخطاب القومي ذي الصبغة الإسلامية، شبّه البعض طبيعة حكم عبد القيوم – الذي كان يومًا أحد طلاب الأزهر الشريف – بحكم «حسني مبارك» في مصر، ومن  المفارقات أنهما – وقد حكم كل منهما زهاء ثلاثة عقود – قد غادرا السلطة في فترة زمنية قريبة نسبيًا، وفي سياقات متشابهٍة إلى حدٍ ما.

مَثّل العام  2005 بداية النهاية لحكم عبد القيوم الطويل، إذ انطلق حراك سياسي وحزبي منادٍ للديمقراطية، واندلعت أعمال شغب واسعة على إثر مقتل فتى بأحد السجون، تصدَّع حكم عبد القيوم تدريجيًا، واضطرت السلطات إلى السماح بدستورٍ جديد عام  2008، ولأوَّل مرة في تاريخ البلاد تم السماح بإجراء انتخابات تعددية، هُزمَ على إثرها عبد القيوم، لصالح «محمد نشيد»، وهو صحفي وسجين سياسي سابق.

يروي تقرير لفورين أفيرز تفاصيل ما جرى لاحقًا، وكيف تم إسقاط حكم «نشيد» ، في الحقيقة لم يحكم الأخير البلاد بشكلٍ جدِّي، ظلت المؤسسات على ولائها القديم لنظام عبد القيوم، تتأهب الفرصة للانقضاض على التجربة الديمقراطية الوليدة، لتعيد البلاد إلى سيرتِها الأولى، وكانت مؤسسة القضاء هي رأس الحربة في المعركة، المؤسسة التي سيصفها عبد القيوم لاحقًا بـ«أكثر المؤسسات فسادًا في البلاد».

الرئيس السابق «مأمون عبد القيوم»

«الدولة العميقة» ترفض الديمقراطية

لم يمضِ  وقتٌ طويل بعد إعلان فوز «نشيد» بمنصب الرئيس، حتى بدأ القضاء معركته، صدر قرار من «هيئة الخدمات القضائية» ينص على بقاء القضاة المعينين من قبل الرئيس السابق عبد القيوم في مناصبهم، وعدم جواز عزلهم، لم يكن القرار دستوريًا بالطبع، لكنّ نشيد لم يكن يملك القدرة على إبطاله، ومن ثمّ فقد ظلّ النظام القضائي محصَّنًا من تدخلات نشيد، وفشلت كل محاولات التحقيق مع رموز الفساد في البلاد أو انتهاكات حقوق الإنسان. وفي عام 2012، حين قرر نشيد التدخل بشكلٍ حاسم لاحتجاز رئيس المحكمة الجنائية العليا في البلاد، بتهم تتعلق بسوء استغلال السلطة، قررت ما يمكن أن نطلق عليه «الدولة العميقة» أن تلك هي الفرصة المناسبة لكي تضرب الديمقراطية ضربتها القاضية.

نظَّم أنصار الدولة القديمة احتجاجاتٍ كبيرة، كانت في جانب منها مدفوعة الأجر، وانضمَّت قوَّات الشرطة إلى المتظاهرين، وأعلن نائب الرئيس «محمد وحيد» حسن انضمامه إلى المظاهرات، فشلت قوات الجيش في التصدي للمتظاهرين، وحوصر «نشيد» في قاعدة عسكرية قبل أن يُساق أمام شاشات التلفاز ليعلن استقالته مجبرًا على الملأ، وحينها صارت الأمور واضحة كما لم تكن من قبل: لقد تم الانقلاب بنجاح، صارت رائحة الماضي الكئيب ترفرف في الأجواء، و كانت صور زمن عبد القيوم القريب تتداعى في أذهان المالديفيين.

تم تعيين نائب الرئيس المستقيل رئيسًا مؤقتًا، – وبحسب تقرير الفورين أفيرز – فإن الدوائر الدبلوماسية الغربية لم تنظر في البداية  إلى الحدث بوصفه انقلابًا، بل اعتبرته انتقالًا شرعيًا للسلطة، غير أن التصدي العنيف من قوات الأمن للمظاهرات التي انطلقت رفضًا للحكم الجديد – أو بالأحرى رفضًا لعودة الحكم القديم – فضلًا عن محاولات القضاء إدانة نشيد، كلها دفعت المجتمع الدولي إلى التدخل لوقف تلك الإجراءات، وتم الضغط لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة في 2013.

خاض «نشيد» الانتخابات مجددًا، ومرة أخرى كان على وشك الفوز من الجولة الأولى بفارق ضئيل، لكن فجأة يتدخَّل القضاء ويقرر إلغاء النتائج، ومنع إجراء المزيد من استطلاعات الرأي التي تأتي دومًا في صالح الرجل، وبعد شهور من تمهيد الأجواء وترتيب الأوراق، تجري جولة جديدة من الانتخابات، يُهزم فيها «نشيد»، ويفوز فيها «عبد الله يمين»، الأخ غير الشقيق للديكتاتور التاريخي للبلاد مأمون عبد القيوم، وكأن التاريخ حين يكرر نفسه يأبى حتى أن يغير وجوهه – ولو من باب التجمل -، وحين كان مناصرو الرئيس الجديد يجولون الطرق ابتهاجًا بفوز مرشحهم، كانت أصواتهم تملأ سماء العاصمة وهم يهتفون في شماتة «ثلاثون سنة أخرى».

تعامل «عبد الله يمين» مع البلاد كأي ديكتاتوري كلاسيكي مصاب بالبارانويا، أغلق الصحف واعتقل المناوئين له، ووجد السياسيون – حتى من كان منهم معارضًا لنشيد –  أنفسهم بين  المعتقلات والمنافي، أما نشيد نفسه فقد أعيد فتح ملفاته القضائية، وحكم عليه  بالسجن لمدة 13 عامًا بتهمة دعم الإرهاب، وفي المقابل مُنح أصحاب الفكر الديني – والذين استخدموا يومًا كأداة للمزايدة على نشيد صاحب الخطاب السياسي الليبرالي – حرية نسبية للعمل.

انتهت التجربة تمامًا بعد سنوات من بدايتها، كان القضاء هو نقطة الفصل في هزيمة الديمقراطية الوليدة، وحين سألت صحفية الفورين أفيرز «نشيد» لاحقًا، لماذا كان هو الحاكم الوحيد – من ضمن كل الثورات التي اندلعت بعد مرحلة الربيع العربي – الذي خرج من السلطة بدون أن تتلوث يداه  بالدماء، وعن الثمن الذي دفعه في المقابل، أجابها ببساطة: «الخسارة».

فضائح بالجملة

في حدث صحفي نادر يكشف كواليس عمليات الفساد المالي على المستوى الدولي، عرضت «قناة الجزيرة» فيلمًا وثائقيًا بعنوان «المالديف.. الجنة المسروقة»  يثبت تورط رؤوس السلطة في المالديف في عمليات فساد وغسيل أموال واختلاس أرباح قطاع السياحة المزدهر في البلاد، ونعني هنا برؤوس السلطة رئيس البلاد نفسه، ونائبه ووزرائه، باختصار وبحسب تعبير أحد الشهود خلال التحقيق الاستقصائي: «النظام كله فاسد».

يثبت البرنامج أن وزراء ومساعدي الرئيس خططوا لغسل ما يقرب من 1.5 مليار دولار أمريكي من خلال البنك المركزي في المالديف، وذلك بمساعدة رجال أعمال سريين من سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا. وتضمنت المؤامرة خطة لنقل ما يقرب من مئة مليون دولار نقدًا عبر الجو في كل مرة، وتمرير المبالغ عبر سلطة النقد المالديفية ثم إعادة تحويلها إلى الخارج تارة أخرى.

كما تكشف الرسائل النصية التي استخلصت من هواتف نائب الرئيس عن إساءة هائلة لاستخدام الصلاحيات، إذ أمر بتفجير قناة تليفزيونية معارضة في 2013، كما تآمر مع الشرطة من أجل إشعال مكتب حكومي يؤوي ما يقرب من مئتي موظف، كان المستهدف من الهجوم هو نياز إبراهيم، المدقق العام الذي كان يحقق في مزاعم بضلوع نائب الرئيس في الفساد، كما تكشف الشهادات أن الحكم الذي صدر على الرئيس السابق محمد  نشيد قد صدر بأمر مباشر من الرئيس يمين.

ثمة قضايا خطيرة أخرى يكشفها التقرير، سرقة واختلاس بعشرات الملايين من عائدات السياحة لصالح الرئيس مباشرة، تدخل الرئيس لعرقلة التحقيقات بحق صحفي مختطف، تمويل الرئيس لعصابات في البلاد وتزويدهم بالسلاح والذخائر.

القضاء الذي وصفه نشيد أنه «أفسد مؤسسة في البلاد»، كان له نصيبه من الفضيحة أيضًا، فالرئيس يتدخل في تعييناته، والقضاة يحصلون على شقق وسيارات فارهة كنوع من الرشوة، وحين تورط قاض في فضيحة جنسية ويصير على شفا الطرد من وظيفته، تم الإبقاء عليه  بفعل «توجيهات عليا» ، فيعلن أنه لم يعد يملك الولاء  المطلق للرئيس إلى أن تنتهي فترة حكمه، أو فترات حكمه.

تظهر نتائج البحث عن المالديف Maldives على محرك البحث جوجل آلاف الروابط التي تتحدث عن عظمة الجزر كبلد سياحي، لا تعد زائريها إلا بأقصى درجات الاستمتاع والترفيه، فيما لا يتم الالتفات كثيرًا إلى ظروف الشعب نفسه، تلك الأرواح التي تقطن الأراضي بديعة المنظر، وإن حدث ذلك، فإنه يتم بشكلٍ عابر وموجز للغاية، وكأن جمال الحجر يفوق في أهميته كرامة البشر. في المالديف، يسكن الغرباء في منتجعات فخمة يتلقون فيها أقصى درجات العناية والاهتمام، فيما يتم قمع الشعب وسرقته.

عرض التعليقات
تحميل المزيد