لم تكُن تصريحات قيادات «الاتحاد العام التونسي للشغل» المُنادية بإقالة الحكومة في الأشهر الأخيرة معزولة عن سياق عام ترسّخت فيه بفعل الزمن، والممارسة ثنائية العمل النقابي من جهة، والممارسة السياسية من جهة أخرى. فقبل الثورة وبعدها، كانت منظمة العمّال في تونس فاعلًا سياسيًّا من بين الفاعلين، بل كانت أحيانًا الفاعل الأبرز.

مُؤخرًا، صرّح الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل، سمير الشفي، بأن الاتحاد «معنيّ بالانتخابات القادمة، وسيخرج من موقف الحياد الذي اتخذه في الاستحقاقات السابقة، وذلك لمواجهة السياسات المضادة لتطلّعات الشعب التونسي، ولمطالبه في العيش بكرامة، وتكريس ديمقراطية حقيقية».

هذه التصريحات وغيرها أحيت جدالًا قديمًا جديدًا حول الأدوار التي تلعبها المُنظمة الوطنية الأكبر في البلاد، بين من يعتبر انتقالها من ملعب المنافحة عن الشغّالين إلى ملعب السياسة أمرًا طبيعيًّا يفرضه التفاعل مع الواقع والتدافع مع السلطة، ومن يرى في هذا التحوّل خروجًا عن مُربّع الفعل الحقيقي، باعتباره تمظهُرًا لحقيقة تغوّلها في المشهد التونسي.

مقابر وحافلات منفصلة للسّود.. الوجه القبيح للعنصريّة في المجتمع التونسي

من الاستعمار للاستقلال.. حركة نقابية فريدة من نوعها

نشأت الحركة النقابية التونسية في ظل الاستعمار الفرنسي للبلاد، تزامُنًا مع ظهور التنظيمات النقابية الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر، لتكون بذلك من أعرق الحركات النقابية في العالم العربي. ويعود أول إضراب شارك فيه العُمّال التونسيون إلى عام 1902.

أعطت القوانين التي أنشأها الاستعمار الفرنسي العمّال الأوروبيين عامةً والفرنسيين خاصة امتيازات مهنية تتعلق بالأجور والعُطَل، وحقّ تأسيس النقابات، وحق الإضراب مُقارنة بنُظرائهم المغاربيين عامة والتونسيين خاصة الذين كانوا يتعرّضون في تلك الفترة إلى صنوف شتّى من الاضطهاد والمعاملة السيئة، وكان لهذا الوضع الفضل في دفع العمال المغاربيّين إلى التمرد على تشريعات السلطة الاستعمارية وقوانينها، وتأسيس نقابات خاصة بهم.

وتميّزت التجربة النّقابية التونسية بحركيّتها ومُضيّها في تأسيس سريع وتراكُمي لنقابات محلية، قبل النّجاح في تأسيس جامعة عموم العملة التونسية الأولى في أواخر عام 1924، بقيادة محمد علي الحامي.

محمد علي الحامي: مؤسس أول تنظيم نقابي عربي (أرشيف)

بحسب بعض الشهادات التاريخية، لم تحظَ التجربة النقابية الوليدة باستحسان قيادات الحزب الحر الدستوري (أول حزب تونسي وطني تأسس عام 1920) الذين كانوا يخشون «مواقفها التصعيدية والمتطرّفة»، بالإضافة إلى تخوّفهم من توسّعها على حساب الحزب. من جهته، كان الاستعمار الفرنسي يتهم الجامعة بموالاتها للشيوعيين، ونتج من هذا الالتقاء الموضوعي بين موقف الحزب وموقف الإدارة الفرنسية في تونس إنهاء التجربة سنة 1926.

وسنة 1936، ظهرت منظمة جديدة تحمل الاسم نفسه، وساهم في ظهورها أصحاب التجربة الأولى، غير أنها انتهت بالفشل هي الأخرى عام 1938 لذات الأسباب تقريبًا، إذ عمل الديوان السياسي للحزب الحرّ الدستوري الجديد (سليل الحزب الحر الدستوري) بقيادة الحبيب بورقيبة على تطويع العمل النقابي لصالح النضال السياسي، وهو ما مثّل نقطة خلاف مع الكاتب العام لجامعة عموم العملة الثانية، بقيادة بلقاسم القناوي، الذي كان يحمل رؤية أخرى تؤمن بفصل النقابي عن السياسي، وكانت نتيجة هذا الاختلاف في الرؤى مُضي الحزب في السيطرة على المحاولة الثانية لتأسيس تنظيم نقابي وطني، وانتهى الشد والجذب بإفشال مُؤتمر الأخير، وإنهاء التجربة مرة أخرى.

أدّى انتكاس المُحاولتين السابق ذكرهما إلى توقف النشاط النقابي في البلاد إلى حدود 1946، حين نجح الزعيم النقابي، فرحات حشاد، في توحيد النقابات الوطنية في الشمال والجنوب والنقابة العامة للموظفين، لتنتهي جهوده بتأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل في 20 يناير (كانون الثاني) من السنة ذاتها.

كيف يمكن للحركة النقابية أن تتطور في بلد لا يوجد فيه أي ضمان للحريات الفردية والطبيعية؟ *مقتطف من خطاب فرحات حشاد

كان تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل بوصفه منظمة نقابية وطنية، نقطة تحوّل فارقة في مسيرة نضال العمّال من أجل تحسين ظروفهم، وأيضًا في دعم حركة التحرر الوطني التي كانت في أوجّها. على المُستوى الهيكلي؛ عرفت المنظمة النقابية الوليدة انتشارًا في كامل أرجاء الوطن تقريبًا، وتوحيدًا لكل القطاعات القائمة وقتها. أما في ما يتعلّق بالمستوى المضموني؛ كانت الرسالة التي بثّها حشّاد ورفاقه مازجة بين النضال النقابي المطلبي، والنضال الوطني المُوجّه ضد الاستعمار، مُتجاوزًا بذلك فلسفة السابقين التي تفصل بين المجالين.

 مواطن تونسي يحمل صورة فرحات حشاد

شارك «الاتحاد العام التونسي للشغل» في ما عُرف لاحقًا بمُؤتمر «ليلة القدر»، وهو مُؤتمر جمع للمرة الأولى كل الأطراف السياسيّة والاجتماعية والثقافية والعلمية في تونس (باستثناء الحزب الشيوعي)، هذا المُؤتمر الذي رفع وللمرّة الأولى في تاريخ الحركة الوطنية التونسيّة شعار الاستقلال، ليكون أحد أبرز تمظهُرات الاندماج بين النضاليْن: الوطني، والنقابي، وليتحوّل العُمّال إلى قوة دافعة مهمّة لحركة التحرير.

وفي ضوء هذا النهج وهذه الرّؤية، خاض الاتحاد، على هذا الأساس، العديد من الاضرابات ذات الطابع الوطني (السياسي)، بالتوازي مع تحرّكات الحركة الوطنية التونسيّة التي أدركت ذروتها بعد قمع قيادة الحزب؛ أي الديوان السياسي سنة 1952، ليقود بذلك الاتحادُ المعركة العنيفة أو الكفاح المسلح إبان ثورة التحرير الوطني في غياب القيادات السياسية المنفية، أو المبعدة، أو السجينة.

ساهم تحوّل الحركة النقابية في تونس من النموذج الكلاسيكي الذي يهتم بالمطلبية العُمّالية فقط إلى رديف أساسي لحركة التحرير، في تأهيله للمُساهمة في بناء دولة الاستقلال التي تحصلت عليها تونس سنة 1956. لا أدلّ على ذلك من إشراك قياداته في التشكيلات الحكومية المُتعاقبة ومن أبرزهم محمود المسعدي وأحمد بن صالح ومُصطفى الفيلالي وأحمد التليلي، بل إن الاتحاد ساهم عبر كفاءاته في صياغة البرنامج الاقتصادي والاجتماعي لمؤتمر الحزب الحر الدستوري الجديد لسنة 1955، وهو ذات البرنامج الذي تبنته الحكومة لاحقًا.

الزمن البورقيبي: وئام فصراع

بالإضافة للمشاركة في الحكومات المتعاقبة بعد الاستقلال، وخلال فترة قيادة الحبيب بورقيبة لمرحلة بناء الدّولة، كان للاتحادِ نوّابٌ في المجلس القومي التأسيسي الذي صاغ أول دستور للجمهورية التونسية، كما شارك في أول انتخابات بلدية شهدتها تونس.

الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة

وتميّزت فترة حكم بورقيبة لتونس بتقلّب العلاقة بين السلطة الحاكمة، والمنظمة النقابية، خاصة مع تحفّظات الأخيرة تجاه السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة. وشهدت العلاقة بين الاثنين أوّج توترها سنة 1978 عندما نظّم الاتحاد إضرابًا عامًّا سُمّي لاحقًا بـ«الخميس الأسود»، سقطت فيه عشرات الضحايا من النقابيين في العاصمة وباقي مُحافظات البلاد، الأمر الذي تعاطت معه الحكومة القائمة وقتها بقيادة الهادي نويرة، بإعلان حالة الطوارئ، وزجّ القيادات المركزية والوسطى للاتحاد في السجن إثر مُحاكمات وُصفت بالصورية، كانت تهدف للَجْم القوّة الاحتجاجية التي أظهرها الاتحاد، في الوقت الذي بدأت فيه الأمور بالانفلات، مع تقدم سن بورقيبة.

شاهد: تقرير مصور حول الخميس الأسود- التلفزة الوطنيّة

عقب ذلك، ومع حلول إدارة جديدة برئاسة الوزير الأوّل الأسبق محمد المزالي، حاولت الحكومة التونسية إيجاد تسوية مع قيادة الاتحاد؛ بهدف نزع فتيل الاحتقان الاجتماعي، ونجحت في ذلك. إلا أن هذه التسوية لم تُعمّر طويلًا: اشتدّت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، واحتدم الصراع على خلافة بورقيبة، ومما زاد الطين بلّة توتر العلاقات بين النظامين التونسي والليبي، فمضت الحكومة في مُحاولة إضعاف الاتحاد من خلال تأسيس مُنظّمة نقابية مُوازية بالاعتماد على بعض القياديين القُدامى، إلّا أن مساعيها كُلّلت بالفشل ليتواصل الصراع إلى غاية وقوع انقلاب بن علي على بورقيبة يوم السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1987.

القوات المسلحة التونسية.. قصة جيش لا يسعى إلى السلطة!

عهد بن علي: تحالف أم تدجين؟

إثر انقلابه على الحبيب بورقيبة، بشّر الرّئيس الأسبق، زين العابدين بن علي، بعهد جديد لا رئاسة فيه مدى الحياة، وتُصان فيه الحُرّيات. في علاقة بالاتحاد العام التونسي للشغل، اعترف نظام الرّئيس الجديد بقياداته الشرعية، وسمح للاتحاد بعقد مُؤتمره الشرعي صيف 1989، والذي أفرز قيادة جديدة.

مثّل مُؤتمر 1989 بحسب بعض القراءات، بداية تحالف بين بن علي وقيادة الاتحاد، وتُعتبر الفترة المُمتدّة من المُؤتمر إلى حدود عام 2000 فترة تبعية المُنظّمة للسلطة عبر مكتب تنفيذي مُوالٍ بالكامل لها.

أعادت السلطة ممتلكات الاتحاد المصادرة منه بعد أزمة 1985، وأقرت تنظيم مفاوضات اجتماعية، وزيادة دورية في الأجور، وكان الثمن بالمُقابل ضمان مساندة الاتحاد للسلطة في كل سياساتها، وخاصة ضد الإسلاميين، الذين شنت ضدهم حرب إبادة سياسية حقيقية طوال الفترة الممتدة من 1991- 2000، إلّا أن هذا الوضع ساهم في إفقاد المُنظّمة استقلاليتها عن السلطة.

في ذات السياق، أدى تأييد الاتحاد لبن علي عقب التعديل الدستوري 2002 الذي فتح الباب أمامه للترشح في الانتخابات الرئاسية بلا عدد محدود من العهدات الرئاسية، إلى فقدانه قوّته السياسية والرمزية السابقة، وتراجع نفوذه لدى قواعده التي لم تعد تجد في قيادتها صدى لتطلّعاتها.

بالمُقابل، ورغم نجاح بن علي في تدجين قيادة الاتحاد (أو التحالف معها)؛ كانت المنظمة مظلة السياسيين التي يحتمون بها للفعل السياسي مع مُحاصرة النّظام لكل أشكال التنظّم والفعل المُعارض، وسرى هذا الأمر على أغلب العائلات السياسية من إسلاميين وقوميين ويساريين.

القصة الكاملة لـ«صراع العروش» في تونس بين الشاهد والسبسي

الثورة واسترجاع المُبادرة

أطلقت حادثة حرق البوعزيزي نفسه في ديسمبر (كانون الأوّل) 2010، موجةً من الاحتجاجات والتحركات الاجتماعية التي سُرعان ما تحوّلت شعاراتها المرفوعة إلى شعارات سياسية تطالب بإسقاط النّظام. قيادة الاتحاد وعلى رأسها عبد السلام جراد، ورغم إعلانها الوقوف مع بن علي لم تنجح في منع التحاق الهياكل الجهوية للمنظمة في المحافظات بالتحرك الشعبي، وتجاوز أمر الالتحاق إلى قيادة هذه التحركات وتأطيرها.

شاهد: الإضراب العام في محافظة صفاقس والذي ساهم في سقوط نظام بن علي

إثر سقوط نظام بن علي، لم يكن أمام قيادة الاتحاد التي واصلت مُساندتها له أيام قليلة قبل انهيار مُلكه إلا الالتحاق بموجة الثورة. القيادة المركزية للمنظمة وقتها حاولت تبرير موقفها بأنه لم يكُن ضمن أجندتها مساع لإسقاط بن علي ونظامه، وإنّما كانت هنالك فصائل داخل الاتحاد كانت تعمل على إسقاطه من خلال إصرارها على تغيير الأوضاع كلّفها ذلك ما كلّفها.

وذهبت بعض التحليلات لتفسير حركة انتقال المركزية النقابية، وعلى رأسها الأمين العام الأسبق، عبد السلام جراد، والذي غادر الأمانة العامة في أول مُؤتمر للاتحاد بعد الثورة، إلى أن هذه القيادة انخرطت في الثورة، بل لعبت دورًا راديكاليًّا فيها مُرغمة لا غير، مُؤكّدة بأن هذا التحول في المواقف كان يستبطن استباقًا لمحاسبته على علاقاته مع النظام السابق، ولم يكُن مُتاحًا غيره بفعل الواقع الجديد.

تحرّكت الأحداث بسرعة وُصولًا إلى تنظيم انتخابات المجلس التأسيسي، والتي فازت فيها «حركة النهضة» بفارق مُريح عن أقرب مُنافسيها. وتزامنت تلك الفترة مع ارتفاع حجم المطلبية لدى العُمّال باختلاف قطاعاتهم لتحسين ظروفهم، والترفيع في الأجور، وتسوية وضعياتهم المهنية.

وشهدت تلك الفترة ارتفاع حجم التوتر بين الحكومة التي تقودها النهضة من جهة، والاتحاد العام التونسي للشغل الذي لعب دورًا في تحقيق نوع من التوازن السياسي في ظل التقدم البارز الذي ظهرت به، وضعف خصومها من باقي الأحزاب، من جهة أخرى.

تدعّم الحضور السياسي للاتحاد العام التونسي للشغل إثر تدخّله رفقة ثلاث منظمات أخرى لإدارة حوار وطني، بعد الأزمة السياسية الخانقة التي عرفتها البلاد إثر حادثتي اغتيال استهدفت قيادات سياسية يسارية، وظهور تجمع حزبي مدني يُطالب بإسقاط الحكومة، وإلغاء نتائج انتخابات المجلس التأسيسي. ونجحت البلاد بفضل هذا الحوار في تجاوز الأزمة، وهو ما أهل الرباعي الراعي للحوار للحصول على جائزة نوبل للسلام.

مؤتمر الحوار الوطني

يثبت هذا السفر في تاريخ «الاتحاد العام التونسي للشغل» أنه لم يكن في مُختلف المراحل الفارطة مجرّد منظّمة نقابية. بين التأثر والتأثير، كان تفاعل الجسم الاجتماعي الأكبر في تونس مع الواقع يدفعه دائمًا ليغوص في بحر السياسة، وإن اختلفت الدرجات والمُنطلقات.

وبعيدًا عن التاريخ، يُمكن اليوم الجزم بلا عناء أن الحراك الاجتماعي في البلاد قائده الأبرز هو الاتحاد، ولئن كان من المُتوقّع أن تخفف المُنظّمة النقابية من الفعل السياسي مع فسح الديمقراطية المجال أمام الأحزاب للفعل والنشاط بكل حرية، إلّا أن ضعف التيار الاجتماعي في المشهد السياسي التونسي وتدنّي تمثيليته الشعبية سواء في البرلمان، أو حتى في البلديات، سيفرض على مُنظّمة حشاد أن تقوم بتعويض هذا الضّعف من خلال تصدّر المشهد، سواء لمعارضة الحكومة صراحة، أو عبر تأطير الشارع.

وحتى ذلك الوقت، أي الوقت الذي يتشكّل في البلاد تيار اجتماعي ناضج قادر على تبني قضايا الاجتماعية بالشكل المطلوب، ستظلّ الأطروحات المُنادية بضرورة ابتعاد الاتحاد عن السياسة بعيدة عن الواقع، فالعمل النقابي التونسي مُتسيّس مُنذ نشأته، وطبيعة المشهد السياسي في الزمن الديمقراطي يفرض تواصل هذا التسيّس.

على المدى المنظور، لا يبدو أن الاتحاد نفسه قد حدّد سقف مُشاركته في الحياة السياسية وحجمها وشكلها في البلاد. لا أدلّ على ذلك من تضارب تصريحات أمينه العام الحالي، نور الدين الطبوبي، الذي صرّح في بحر الأسبوع الماضي بمضمونيْن مُختلفين، نفى في الأوّل مُشاركته المُباشرة في العملية السياسية سواء بدعم أحزاب بعينها أو دخوله الانتخابات بقوائمه الخاصة، ولم يستبعد في الثاني أيًّا من السيناريوهات الممكنة -بما فيها مُشاركته في الانتخابات- مُؤكّدا أن للاتحاد هياكل ومُؤسسات ستقدّر ما تقتضيه المصلحة العامة، وفق تعبيره.

في تعليقه على هذه النقطة، قال الناشط السياسي المستقل، طارق الكحلاوي، إن الاتحاد العام التونسي للشغل جعلته سياقاته التاريخية في دور ليس نقابيًّا تمامًا ولا سياسيًّا تمامًا، وهو ما يعطيه وسائل ضغط قوية، ولكن يضعه في موقع المسؤولية أيضًا، وفق تعبيره.

وأكّد الكحلاوي، في تصريح لـ«ساسة بوست» أنّ هذا الوضع لا يُمكن أن يكون طبيعيًّا، باعتبار أنه لا يُمكن لأي إطار نقابي أن يكون حزبًا، مُستدلًّا بتجارب تاريخية مُقارنة وُجدت فيها نقابات مرتبطة علنًا وبوضوح بأحزاب من أمثال تجربة حزب العمال في بريطانيا، والحزبين الشيوعي والاشتراكي في فرنسا، لكن كانت بالمُقابل تعتمد إطارين تنظيميين مُتباينين أحدهما حزبي والآخر نقابي.

وأضاف: «في تونس هناك تحدٍ تاريخي وهو ولادة حزب يدافع بوضوح على خط سياسي ديمقراطي اجتماعي، وهو عمومًا توجّه الاتحاد العام التونسي للشغل، لكنه قادر على أن يكون جامعًا للعديد من التيارات الفكرية ويحظى أيضًا بتركيبة تنظيمية قوية وإسناد مادي مُحترم. لكن لا أرى أي نجاعة في أن يقوم اتحاد الشغل بصفته النقابية بالمشاركة في العملية الانتخابية. التجارب الانتخابية السابقة لاتحاد الشغل كانت في إطار حصة تمثيلية مُعدّة مُسبقًا مع حزب الدستور. الاتحاد يمكن أن يساعد في بناء هذا الحزب لكن لا يمكن أن يكون هو الحزب».

«هيئة الحقيقة والكرامة».. هل ضلت العدالة الانتقالية طريقها في تونس؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد