يونيو (حزيران) عام 2016 تقرر المملكة المتحدة في استفتائها التاريخي الخروج من الاتحاد الأوروبي. قرارٌ تدفع بريطانيا ثمنه حتى اللحظة. مناورات سياسية من أجل خروجٍ سلس، وتأزم بعد وصول بوريس جونسون إلى القيادة. جونسون يعد بخروجٍ في أكتوبر (تشرين الأول) 2018 سواء باتفاقٍ أو لا. تركيز واسع من جميع الأطياف على الآثار الاقتصادية لهذا القرار، لكن ماذا عن آثاره في دفاع المملكة وجيشها وسياساتها الأمنية! 

الدراسات التي أُجريت بعد الاستفتاء تؤكد أن هذا السؤال لم يكن حاضرًا في أذهان 49% ممن صوتوا للخروج من الاتحاد الأوروبي. وثلث آخر من المصوتين كان يفكر في الشئون الاقتصادية عامةً، والحد من الهجرة خاصةً. لكن ما لم يدركه المواطن البريطاني حينها أن الاقتصاد والدفاع وجهان لعملة واحدة. ففي عشية إعلان نتيجة التصويت خسرت البورصة ما يقارب 120 مليار جنيه إسترليني. وانخفض الجنيه الإسترليني إلى أدنى معدلاته أمام الدولار الأمريكي منذ 31 عامًا. وأعلن البنك المركزي خفض الفائدة بنسبة لم تشهدها بريطانيا من قبل 0.25%. هذه الانتكاسات الاقتصادية على الفور سلّطت الضوء على ضرورة خفض الإنفاق الدفاعي.

«ذي أتلانتك»: ماذا تعرف عن خبايا العلاقة بين ترامب وبوريس جونسون؟

الحديث عن خفض الإنفاق على الجيش يؤكد أن ساسة بريطانيا لم يدر في حسبانهم أن يصوت الشعب من أجل الخروج. إذ كانت بريطانيا قد وضعت لتّوها خطةً طموحةً للالتزام بهدف حلف شمال الأطلسي. الحلف يريد من أعضائه الوصول إلى مرحلة إنتاج 2% كاملة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع. هذا الطموح كان وثبةً إضافية من بريطانيا صاحبة أعلى إنفاق على الدفاع في أوروبا. كما كانت المملكة تنوي زيادة ميزانية الدفاع بنسبة 0.5% سنويًّا حتى عام 2021. بجانب نيّتها إنقاق 178 مليون جنيه إسترليني سنويًّا على شراء معدات عسكرية جديدة.

قبل «بريكست» لم تكن بريطانيا تملك استراتيجيةً واضحةً للوفاء بكل هذه الأحلام العسكرية. كما لم يكن من المتوقع أن يساعدها اقتصادها المنتعش على الوفاء بهذه الالتزامات. فكيف تتوقع المملكة أن تحقق هذه المتطلبات بعملتها الآخذة في الانخفاض، خاصةً وأن متطلبات الدفاع، كالمقاتلة الشبح «إف-35» يجب أن يُدفع مقابلها بالدولار الأمريكي فقط. 

لا شراء ولا صناعة

إذا قلنا إن الحل هو أن تبتكر وتطور المملكة أسلحتها داخليًّا، ولا داعي للشراء؛ فسوف تصدمنا معضلة أن المملكة المتحدة كانت تحصل مع فرنسا وألمانيا على 92% من إجمالي تمويل الاتحاد الأوروبي للبحث والتطوير البالغ ملياري يورو. كما يقوم جانب ضخم من أبحاثها على تمويل يمنحه لها الاتحاد الأوروبي، إذ حازت المملكة خمس منح منذ عام 2007، وصلت قيمتها إلى 8.04 مليار دولار. هذه المنح تمثل 25% من التمويل الذي تعتمد عليه بريطانيا في الأبحاث المتعلقة بالدفاع، نسبةٌ أكبر من أي دولة أخرى في الاتحاد الأوروبي.

 

كما أن «بريكست» جاء في مرحلة يخطط فيها الاتحاد الأوروبي لإطلاق صندوق بقيمة مبدئية 90 مليون يورو، من أجل الأبحاث العسكرية. يزداد رأس مال الصندوق 500 مليون يورو سنويًّا؛ فبريطانيا خسرت إذن ما هو موجود، وما هو قادم.

إذا تجاوزنا نقطة التمويل واستطاعت المملكة توفيره من أي مكان، تتبقى نقطة العقول. البحث يعتمد على محوريّن لا يغني أحدهما عن الآخر، المال الوفير والعقل النابغ. وبخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فإنها تجازف بخسارة إمكانية الوصول إلى العقول الأوروبية ذات الموهبة والمهارة. بحيث سيكون من الصعب على الدول الأخرى عقد اتفاقيات لتبادل الخبرات والعقول العسكرية مع بريطانيا. هذه الخسارة ستكون دراميةً لبريطانيا؛ فهي تعتمد حاليًا على 32 ألف باحث أوروبي في أراضيها بما يمثل 17% من إجمالي الباحثين.

بريطانيا تخسر سلاحها النووي

إذا كانت المملكة صوتت للانفصال عن الاتحاد الأوروبي، فهل يلوم أحد إسكتلندا إذا أرادت أن تنفصل عن المملكة. دعوات الانفصال آخذة في الصعود، خاصةً وأن إسكتنلدا صوتت بأغلبية 62 % للبقاء في الاتحاد الأوروبي. لهذا يأخذ «الحزب الوطني الإستكلندي» على عاتقه مهمةً من اثنتين: أن تعود بريطانيا عبر استفتاءٍ ثانٍ إلى حضن الاتحاد الأوروبي، أو تنفصل إسكتلندا هي الأخرى عن بريطانيا.

إسكتلندا وضعت خطتها بالفعل حال انفصالها. 2.5 مليار جنيه إسترليني ميزانية الدفاع، و15 ألف جندي مقاتل، و5 آلاف جندي احتياط. وطالبت المملكة المتحدة بتقسيم أصول الدفاع المشتركة، ومنحها سربًا واحدًا من الطائرات المقاتلة، وفرقاطتين، وأربع كاسحات ألغام، وطائرات هليكوبتر.

قطعًا لهذا الاستقلال تحدياته على الجانب الإسكتلندي، لكننا ننظر الآن من منظور بريطانيا وكيفية تأثرها. فتداعيات الانفصال على بريطانيا يشمل صعوبة وصول القوات البريطانية إلى العديد من القواعد الحيوية، خاصة الجوية. كما ستخسر المملكة إيرادات الضرائب الإسكتلندية. كما يمكن أن تتعرض القوات البريطانية لانتكاسة مرعبة، إذا قرر بعض ضباط وجنود القوات البريطانية الانتقال إلى الجانب الإسكتلندي. كما ستفقد بريطانيا سلطتها على نهر كلايد موطن بناء السفن البحرية. وتكلفة نقل مرافق البناء إلى موقع جديد، ميناء بورتسموث مثلًا، ستكلف 3.5 مليار جنيه إسترليني.

المعضلة الأشد والأكثر حساسيةً للدول مؤخرًا هى السلاح النووي؛ فاستقلال إسكتلندا سوف يزلزل سياسة «الردع المستمر في البحر» الذي تعتمدها المملكة. السياسة تقوم على وجود أربع غواصات محملة بصواريخ «فانجارد» في فاسلان بإسكتلندا. ليس لأن الغواصات سوف تكون في مياه ليست ملكًا مباشرًا للمملكة فحسب، بل لأن إسكتلندا لا تحب تلك السياسة.

«الحزب الوطني الإسكتلندي» يتعهد بإجراء أسرع إزالة آمنة لهذا المشروع حال الاستقلال. كما يعترض لأسباب أخلاقية ومالية على مشروع الردع. أخلاقية، لقرب فاسلان من مدينة جلاسكو المكتظة بالسكان. ومالية للتكلفة الباهظة من أجل الإبقاء على هذا المشروع متأهبًا باستمرار.

ليست إسكتلندا هي المعضلة الوحيدة أمام السلاح النووي حال «بريكست»؛ فأي محاولة بريطانية للتقشف سوف تنعكس بشراسة على البرنامج النووي أولًا؛ لأنه الأكثر كلفة والأقل احتمالية للاستخدام في العصر الحالي.

ثغرات وثغور

إضافةً إلى معضلة إسكتلندا هناك أيرلندا الشمالية. أيرلندا صوتت بأغلبية كاسحة للبقاء في الاتحاد الأوروبي، وصرّح مسئولوها أكثر من مرة بأن الاتحاد الأوروبي هو الداعم الرئيس لعملية السلام بين أيرلندا والمملكة المتحدة. تصريحاتٌ ليس من العسير قراءة الجانب غير المرويّ منها، بأن خروج بريطانيا من الاتحاد يهدد السلام بين الطرفين. حتى وإن بقي الطرفان متصالحين رسميًّا، فإن الواقع الجديد سوف يضع الجيش البريطاني تحت ضغط هائل. عمليات تفتيش أمنية وجمركية على 300 نقطة عبور رسمية، يمر منها 30 ألف شخص يوميًّا ذهابًا وإيابًا لأعمالهم.  

بجانب إسكتلندا وأيرلندا يوجد جبل طارق. 96% من سكان المنطقة صوتوا لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي. وصرّح رئيس وزراء جبل طارق أن مغادرة بريطانيا للاتحاد خطر يهدد استمرار وجود المنطقة. إذن، قرار الخروج جاء بالأغلبية، لا أحد يشكك في ذلك، لكن من رفضوه ليسوا أقليةً أيضًا. والرافضون يمثلون في بعض المناطق أغلبيةً كاسحةً فيها. ما يُنذر بفتح جبهات متعددة سيتوجب على الجيش البريطاني الوجود فيها.

هذه الثغور الجديدة تأتي والجيش البريطاني، وأوروبا عامةً، منهك من الهجمات الإرهابية. 211 هجومًا إرهابيًّا حتى يوليو (تموز) 2016، راح ضحيتهم 230 فردًا أوروبيًّا. فبينما كان التنسيق المشترك هو الدافع لمن صوّتوا للبقاء، كان ترسيم حدود المملكة هو حُجة راغبي الخروج. حجتهم ترسيم حدود واضحة للمملكة، بعيدًا عن الاتحاد الأوروبي، ومن ثم يتوّجب على الجيش الدفاع عنها بنفسه. ليصبح مأزق الجيش البريطاني شديد الوضوح: جبهات قتال جديدة، أعداء أكثر وأشد شراسة، تمويل أقل، وجنود منهكة.

يزيد من صعوبة الأمر أن الاتحاد الأوروبي ذاته لن يتأثر بهذه الصورة. بل على العكس، فإنه يرى خروج بريطانيا حافزًا على مزيد من التكامل بين دول أوروبا. خاصةً وأن بريطانيا كانت عائقًا حقيقيًّا أمام العديد من مقترحات زيادة إنفاق الاتحاد على الدفاع. وأعرّب قادة الاتحاد بشكل غير مباشر عن أن التقدم البطيء في مجال التعاون العسكري كان سببه الاعتراضات البريطانية الكثيرة. إذن فعصر ما بعد «البريكست» يعني زيادةً لقوة أوروبا العسكرية، وخفوتًا لشمس المملكة التي لا تغيب عنها الشمس. 

«واشنطن بوست»: ماذا سيحدث في بريطانيا؟ 4 خيارات صعبة أمام منافسي بوريس جونسون

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد