يجب علينا النظر في مستقبل أوراسيا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، فمنذ 1999 وقد تفتت المنطقة وانهارت، ولكن روسيا استطاعت أن تخرج من هذه الفترة وقد جددت الثقة بالنفس، ولكنها لا يمكنها الدفاع عن الجيوسياسية، وإذا لم تعمل روسيا بنفسها لخلق منطقة نفوذ لها، فالاتحاد الروسي في حد ذاته يمكن تجزئته وتفتيته.

بالنسبة لمعظم النصف الثاني من القرن العشرين, فقد سيطر الاتحاد السوفييتي على أوراسيا – من وسط ألمانيا إلى المحيط الهادي، وجنوبًا حتى القوقاز وهندوكوش – ولكن عندما انهار الاتحاد السوفييتي تزحزحت حدوده الغربية شرقًا إلى ما يقرب من 100 ميل من الحدود الألمانية الغربية إلى الحدود الروسية مع روسيا البيضاء، ولكن لقد تراجعت القوة الروسية الآن شرقًا أبعد مما كانت عليه فى القرون السابقة وخلال الحرب الباردة، ولقد ابتعدت غربًا من أي وقت مضى، ولكن في العقود المقبلة سوف تستقر روسيا في مكان ما بين هذين الخطين، وبعد حل الاتحاد السوفييتي في نهاية القرن العشرين تحركت القوى الأجنبية من أجل الاستفادة من الاقتصاد الروسي وخلق حقبة من الفوضى والفقر.

فإذا كان الغرب قد نجح في الهيمنة على أوكرانيا ففي هذه الفترة أصبحت روسيا لا يمكنها الدفاع عن نفسها؛ حيث الحدود الغربية لروسيا مع روسيا البيضاء كانت مفتوحة على مصراعيها.

عودة روسيا

بعدما اعتبرت روسيا أن المحاولة الأمريكية كانت سعيًا للإضرار بها، عادت موسكو إلى إستراتيجية إعادة تأكيد نفوذها في مناطق الاتحاد السوفييتي السابق، والتراجع الكبير للقوة الروسية في أوكرانيا قد انتهى، وللجيل القادم – وحتى حوالى عام 2020 – فسوف يكون الشاغل الرئيسي لروسيا هو إعادة بناء الدولة وإعادة تأكيد القوة الروسية في المنطقة.

ولكن من المثير للاهتمام أيضًا هو أن التحول الجيوسياسي كان موائمًا مع التحول الاقتصادي للدولة، ففلاديمير بوتين يرى أن روسيا أقل كقوة صناعية مقارنة بها كدولة مصدرة للمواد الخام وأهمها هو الطاقة “الغاز الطبيعي بشكل خاص”، لذلك فهو يحاول تغيير مسار روسيا من بلد فقير إلى بلد أكثر إنتاجية، وكان يدفع روسيا لتكون أداة لتخويف أوروبا: “صمام على خط أنابيب الغاز الطبيعي”.

ولكن نقطة الوميض الحقيقية هي أنه في جميع الاحتمالات سوف تنضم روسيا البيضاء إلى روسيا التي تقع على حدودها الغربية، وكانت روسيا البيضاء من جميع البلدان الموجودة في الاتحاد السوفييتي السابق الأقل من ناحية الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، ولكنها كانت الأكثر اهتمامًا بإعادة خليفة أو وريث للاتحاد السوفييتي، وهي ترتبط بطريقة أو بأخرى لروسيا، وسوف تعيد القوة الروسية إلى حدود الاتحاد السوفييتي السابق.

والمنطقة من جنوب البلطيق إلى الحدود الرومانية كانت حدودًا غير مؤكدة تاريخيًّا والصراعات كانت متكررة فيها بسبب الحدود، وفي الشمال كان هناك سهل ضيق طويل يمتد من جبال البيرينيه إلى سان بطرسبرج، وهذا المكان هو الذي دارت فيه أعظم الحروب في أوربا، وهو الطريق الذي سلكه كل من نابليون وهتلر لغزو روسيا.

هناك عدد قليل من الحواجز الطبيعية، لذلك يجب على الروس دفع حدودهم الغربية إلى أقصى حد ممكن لخلق منطقة عازلة، وبعد الحرب العالمية الثانية سار الروس إلى وسط ألمانيا آخذين هذا السهل، ولكنهم اليوم قد تراجعوا إلى الشرق، وعليهم التحرك لأقصى الغرب على قدر الإمكان، وهذا يعني أن دول البلطيق وبولندا ومشاكل روسيا يجب أن تحل.

إن ظهور حدود النفوذ الروسي مثير للجدل، فالولايات المتحدة والبلدان التي كانت في مجال التحاد السوفييتي السابق لا يريدون لروسيا الظهور والخروج عن السيطرة، وهذا يعني أن روسيا سوف تصطدم مع أوروبا؛ حيث لا تزال الحدود الروسية الأوربية متصدعة، ومن غير المعقول الحديث عن أوروبا كما لو كانت كيانًا، فهذا لم يحدث, على الرغم من وجود الاتحاد الأوروبي، فأوروبا تتكون من سلسلة من الدول القومية ذات السيادة والمثيرة للجدل.

باختصار أوروبا أصبحت في فوضى ما بعد الحرب الباردة، وروسيا الآن تمثل تهديدًا إستراتيجيًّا حاليًا لأوروبا، فروسيا حاليًا لا تهتم بقهر أوروبا، ولكنها تريد إعادة تأكيد سيطرتها على الاتحاد السوفييتي السابق.

ومن وجهة النظر الروسية فإن ذلك محاولة معقولة لإنشاء بعض المجال الأدنى من التأثير وإجراء أساس للدفاع.

ومن الواضح أن الأوروبيين الشرقيين يريدون منع عودة الروس، والسؤال الحقيقى هنا ماذا تفعل بقية أوروبا؟ وخاصة ما يمكن أن تقوم به ألمانيا؟ فالألمان الآن في وضع مريح مع المنطقة العازلة بينهم وبين الروس، ومن الناحية الأخرى إن كل ما يهمها الآن هو التركيز على المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، وبالإضافة إلى ذلك؛ فإن تراث الحرب العالمية الثانية يشكِّل حملاً ثقيلاً على الألمان، ولا تريد ألمانيا أن تعمل وحدها ولكنها تريد العمل كجزء من أوروبا الموحدة، ورغم أن روسيا تعتبر الجزء الشرقي لأوروبا ولكنها اشتبكت مع بقية أوروبا في مناسبات عدة.

الإعاقة الجغرافية .. وممتلكات الطاقة

إذا أردنا أن نفهم سلوك روسيا ونواياها فعلينا أن نبدأ مع مواطن الضعف الأساسية لديها وأولها السهل الحدودي ولا سيما في شمال غرب البلاد – سهل شمال أوروبا – وبغض النظر أين تقع حدود روسيا إلا أنها مفتوحة للهجوم، وهناك عدد قليل من الحواجز الطبيعية الهامة في هذا السهل، وعلى الرغم من دفع حدودها الغربية على طول الطريق إلى ألمانيا – كما فعلت عام 1945 – إلا أن الحدود الروسية مازالت بدون مرتكز محدد، والميزة الحقيقية لروسيا هي أن تكون في العمق، وبالتال فإن روسيا دائمًا تضغط غربًا على السهل الشمالي الأوروبي، وأوروبا دائمًا تضغط شرقًا.

أوروبا متعطشة للحصول على الطاقة، وروسيا تعمل على بناء خطوط أنابيب لتغذية الغاز الطبيعي لأوروبا، فهي تهتم باحتياجات أوربا من الطاقة ومشاكلها الاقتصادية الخاصة، وهذا يضع أوروبا في موقف الاعتماد على روسيا، وقد استغلت روسيا بالفعل موارد الغاز الطبيعي لإجبار الدول المجاورة على الانحناء لإرادتها، وقد وصلت تلك القوة إلى قلب أوروبا؛ حيث الألمان والأقمار الصناعية السوفيتية السابقة في أوروبا الشرقية كلها تعتمد على الغاز الطبيع الروسي، وبالإضافة إلى ذلك فهناك مواردها الأخرى، ويمكن لروسيا أن تحدث ضغطًا كبيرًا على أوروبا.

إن الاعتماد على الغير يمكن أن يكون سلاحًا ذو حدين؛ حيث إن روسيا ضعيفة عسكريًّا، ولا تستطيع الضغط على جيرانها، لأنهم قد يقررون الاستيلاء على ثرواتها، لذلك يجب أن تستعيد روسيا قوتها العسكرية، لأن أي دولة غنية من جانب وضعيفة من جانب آخر فهذا يمثل موقفًا سيئًا لها، فإذا كانت روسيا غنية بالموارد الطبيعية وتصدرها لأوروبا، فيجب عليها أن تكون قادرة على حماية ما لديها من موارد وتشكيل البيئة الدولية التي تعيش فيها.

في العقد القادم؛ روسيا سوف تصبح أكثر غنى على نحو متزايد – نسبة إلى ماضيها على الأقل – ولكنها غير آمنة من الناحية الجغرافية، وبالتالي فسوف تستخدم بعضًا من مواردها لإنشاء قوة عسكرية مناسبة لحماية مصالحها وإنشاء مناطق عازلة لحمايتها من بقية دول العالم، وتنطوى الإستراتيجية الروسية الكبرى على إنشاء حواجز عميقة على طول سهل شمال أوروبا، لتقسيم جيرانها وخلق توازن إقليمي جديد للقوى في أوروبا؛ حيث إن الشيء الذي لن تستطيع روسيا التساهل فيه هو الحدود الضيقة دون مناطق عازلة واتحاد جيرانها ضدها، ولهذا السبب سوف تظهر تصرفات روسيا في المستقبل على أنها عدوانية ولكنها في الواقع تعود لأسباب دفاعية.

تصرفات روسيا سوف تتكشف من خلال ثلاث مراحل: في المرحلة الأولى تقوم روسيا باستعادة النفوذ والسيطرة الفعليين على الاتحاد السوفييتي السابق، وإعادة إنشاء نظام الحواجز الذي قدمه الاتحاد السوفييتي من قبل، وفي المرحلة الثانية تسعى روسيا إلى خلق الطبقة الثانية من الحواجز خارج حدود الاتحاد السوفييتي السابق؛ حيث إنها ستحاول القيام بذلك دون خلق جدار صلب من المعارضة من النوع الذي خنقه خلال الحرب الباردة، أما في المرحلة الثالثة فستحاول منع تشكيل تحالفات مناهضة لروسيا.

إذا كنا نعتقد إن الاتحاد السوفييتي هو تجمع طبيعي للدول المعزولة جغرافيًّا ومعاقة اقتصاديًّا، فالبلدان التي تشكل منها الاتحاد السوفييتي تربطهم الضرورة، وهذه العلاقات الاقتصادية القديمة لا تزال تهيمن على المنطقة، إلا أن النموذج الروسي الجديد المصدر للطاقة، قد جعل هذه الدول أكثر اعتمادًا عليه مما كانت عليه في السابق، وإذا كانت أوكرانيا قد انجذبت إلى بقية أوروبا فإنها لا يمكنها التنافس أو المشاركة مع أوروبا، فالعلاقات الاقتصادية الطبيعية لها هي مع روسيا، بل إنها تعتمد على روسيا في الطاقة اعتمادًا كليًّا، وفي نهاية المطاف فإنها تميل إلى أن يُهيمن عليها عسكريًّا من قِبَل روسيا، ولذلك روسيا تستفيد من أجل تأكيد نفوذها، ومن الأهم أن نشير هنا إلى أن النفوذ الروسي سوف يهيمن على المنطقة على مدى 5 إلى 10 سنوات، فالروس سوف يسحبون الأوكرانيين إلى تحالفهم مع روسيا البيضاء، وستكون القوات الروسية على طول الحدود البولندية وجنوبًا حتى البحر الأسود.

كان هناك قدر كبير من الحديث في السنوات الأخيرة عن ضعف الجيش الروسي، وهذا الحديث كان صحيحًا ودقيقًا في عقد ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولكن الواقع الجديد أن الضعف بدأ ينعكس في عام 2000 وبحلول عام 2015 سيكون شيئًا من الماضي، وإن المواجهة المقبلة في الشمال الشرقى لأوروبا لن يحدث فجأة، ولكن ستكون المواجهة ممتدة، فالقوة العسكرية الروسية لديها الوقت للتطوير، ففي منطقة روسية واحدة استمرت الأبحاث والتطوير في عام 1990 في تكنولوجيا عسكرية متقدمة.

وبحلول عام 2010 سيكون لروسيا بالتأكيد الجيش الأكثر فاعلية فى المنطقة، وبحلول 2015-2020 فسوف يكون لها القوة العسكرية التي من شأنها أن تشكل تحديًّا لأي قوة تحاول إبراز القوة في المنطقة حتى لو كانت الولايات المتحدة.

 

 

 

 

 

 

 


عرض التعليقات
تحميل المزيد