لو كنا نعيش في السبعينيات من القرن الماضي، فإن واحدة من أكثر الكلمات التي كنا سنسمعها في الإعلام والصحف هي كلمة «فدائيين». المصطلح الذي ارتبط بعمليات أفراد المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال على أكثر من جبهة، حتى غدا علامة مسجلة باسمهم. اكتسبت المفردة مع الوقت بعدًا أسطوريًّا للدلالة على الإيمان التام بقضية ما، والدفاع عنها حتى آخر نفس. على جانب آخر، لو قدّر لنا التجول في شوارع مدينة روما، تحديدًا في حي الكوادرارو الواقع شرق المدينة في نفس فترة السبعينيات تلك، لاكتشفنا اكتساح كلمة «Fedayn» حيطان الحي وشوارعه ومدرجات ملعب الأوليمبيكو في الجهة الأخرى من المدينة. لكن مهلاً، ماذا يفعل الفدائيون في روما؟ رافقنا في هذا التقرير لنتعرف سويًا الإجابة. 

جماهير نادي روما تعلق شعار (فدائيون) أثناء التشجيع، مصدر الصورة: cesololaroma

من فلسطين إلى بلاد الكاتيناتشو.. «فدائيو» ملعب الأوليمبيكو

بينما كان الفدائيون الفلسطينيون في سبعينيات القرن الماضي، تحديدًا عام 1972 يلملمون جراح أيلول الأسود في الأردن، وانتقالهم إلى لبنان ليبدأوا رحلة المقاومة من جديد، كانت أخبارهم تجوب العالم شرقًا وغربًا، في الصحف والتلفزة والمحطات الإذاعية، وكانت الكتب والمجلات والمعارض الفنية والأعمال المسرحية وحتى كلمات الأغاني تحمل صورهم ونضالهم من فم إلى فم، ومن عين إلى عين ومن أذن إلى أذن. والحال كذلك فمدينة روما لم تكن استثناءً، إذ كانت إحدى أهم الساحات الخارجية الداعمة للقضية الفلسطينية بفضل الحزب الشيوعي الإيطالي واليسار عمومًا هناك في تلك الفترة.

هكذا وفي أحد المعارض الفنية حول القضية الفلسطينية، شاهد الفتى روبرتو رولّلي، الذي سيصبح بعد سنوات قليلة مؤسس إحدى أقوى جماعات «الألتراس» في إيطاليا، صورة لأحد «الفدائيين» الفلسطينين لأول مرة في حياته، والتي سترافقه بقية حياته باعتباره من ألتراس نادي روما. من يدري كيف كانت صورة ذلك الفدائي المعروضة في صالة عرض كوزموبوليس في شارع لا توسكولانا أوائل السبعينيات عندما وقعت عليها عيني الشاب رولّلي كما يروي ذلك رفيق دربه «Massimo Izzi» الذي يقول: 

«أول لقاء كان بين الشاب ذي الميول اليسارية روللي والمقاومة الفلسطينية كان من خلال صورة لفدائي فلسطيني في أحد معارض المدينة القريبة من سكنه، كان قد نظمه «حزب الوحدة البروليتارية»، أحد فروع الأحزاب الشيوعية الإيطالية آنذاك، صورة ذلك الفدائي بقيت عالقة في ذهن الفتى ذي الثلاثة عشر عامًا يومها حتى ربيع العام 1972 وقت تأسيس رابطة لتشجيع نادي روما سمّاها (فدائيين)». لا نعرف ما الشعور الذي خالج الفتى المملوء حماسة عندما رأى صورة ذلك الفدائي القابض على رشاشه في سبيل قضيته؟ لا نعرف تحديدًا، لكن الأكيد الذي نعرفه أن الفدائي صار مع روللي اسمًا لواحدة من أقدم روابط تشجيع نادي روما والتي ما زالت قائمة لحد هذا اليوم.

صورة للفدائيين عند بداية تشكل الرابطة، مصدر الصورة : asromaultras

هل كان يعرف لاعبو كرة القدم يومها، أن الثوار الفلسطينيين والعرب على جبهات القتال يشاهدون مباراياتهم؟ وهل كان يعرف الثائرون أنهم في بقعة ما من العالم بكوفياتهم، وإيمانهم تحولوا رمزًا وروحًا لواحدة من أكثر جماعات الألتراس حبًّا وعشقًا لناديها؟ لا نعرف ذلك على وجه التحديد، لكن يمكننا أن نؤكد، أن عزيمة المقاتلين تلك وإيمانهم تسربا إلى روبرتو رولّلي، الذي ربما رأى أن مشجع نادي روما يجب أن يكون على صورة هؤلاء الرجال. يجب أن يكون كـ«الفدائي»، صلابة في الموقف، وإيمانًا مطلقًا بالقضية والانتماء. وإذا كان «الفدائي» الفلسطيني يجهز ليلاً، ويقاتل نهارًا، فإن «فدائي» نادي روما في يوم يشجع النادي، وفي اليوم الآخر عليه أن يتظاهر في سبيل القضايا السياسية. 

حي يساري.. وجماهير كرة قدم ثورية

عندما تتجول في حي كوادرارو، حيث ولد ونشأ روبرتو روللي، تدرك عينك سريعًا الطابع اليساري الثوري في الأرجاء. تدخل إلى «بار» على ناصية طريق لتحتسي فنجان اسبرسو ساخن، مر المذاق فتقابلك صور ملك روما الأوحد فرانشيسكو توتي من كل المواسم تغطي المكان، وصورة الثائر الأرجنتيني تشي جيفارا ولوحة الحرية. تكوّن الحي تاريخيًا من الإيطاليين المسحوقين اجتماعيًا الذين طردوا من وسط المدينة، مكان سكنهم الأصلي، عندما بدأ العصر الفاشي بقيادة موسوليني بتحديث العاصمة. فتم طردهم إلى ضواحي العاصمة الشرقية، واقتسموا المكان مع المهاجرين الإيطاليين من أبناء المقاطعات الأكثر فقرًا مثل صقلية وأبروتزو وكالابريا في عشرينيات القرن الماضي. 

شكل الحي الواقع بين اثنين من أقدم شوارع الحضارة الرومانية والبشرية. اثنان من سبعة ضرب فيها المثل المشهور القائل أن كل الطرق تؤدي إلى روما، هما شارع توسكولانا وشارع لاكازيلينا. كان الحي حائط صدّ في وجه الاحتلال الألماني عام 1943 وحلفائه الفاشيين حتى عرف بلقب «عش الدبابير»، وبسبب استبسال أبناء الحي ذوي الطابع اليساري في القتال، صار الحي واحدًا من ملجأين في المدينة يؤمن الفارين بحياتهم إليه من بطش النازية والفاشية إلى جانب الفاتيكان، حتى اشتهر بين أبناء المدينة القول أن من أراد الفرار والنجاة بحياته، عليه إما الفرار إلى الفاتيكان أو إلى الكوادرارو.

امتدت هذه الروح الثورية في الحي إلى كل تفاصيل الحياة هناك مع الوقت. فلن تستغرب مثلاً عندما تقابل راهب أي كنسية هناك وتحس بروح اليسار الثوري متجسدًا فيه، ولن تستغرب تسرب تلك الروح القتالية لجماهير النادي الذي عرف لاعبوه بلقب الذئاب ومشجعوه بـ«الفدائيين». لذا تعتبر جماهير نادي روما من أكثر الجماهير الأوروبية تسيّسًا. إذ شكّلت الملاعب ساحات قتال رياضية وسياسية بين الجماهير، وانعكاسًا صادقًا للمجتمع، تمامًا كما كان يصرّح رولّلي: «في يوم تشجع، وفي اليوم التالي تتظاهر لقضية ما، ذلك أن جيلي تربى على أن النادي لا يُناقش، النادي يُحب. كرة القدم مرآة المجتمع». فكّر فقط في ارتفاع منسوب العنصرية مؤخرًا في الملاعب الإيطالية ضد اللاعبين الأجانب، تحديدًا العرب والأفارقة، بالتزامن مع ارتفاع أسهم أحزاب اليمين العنصرية سياسيًّا، لتدرك الاحتمالية الكبيرة لصحة مقولة الرجل.

يرفع الحي الذي يعد جماهيريًّا منطقة مغلقة لحساب نادي روما، ويشتهر كذلك كونه معقلًا في المدينة ضد السياسيين العنصريين ليس فقط سياسيًا بل حتى رياضيًا، شعار: «الـ(Quadraro) مثل الفاتيكان، مكان غير مسموح للنازيين والفاشيين بدخوله». هذا الحيّ الذي لا ترفع فيه راية لغير نادي ذئاب روما، ولا صورة لغير لاعبيه، ولا شعار غير شعار النادي، ولا جرافيتي على حيطان الحي ونواصيه غير «Fedayn»، اللقب الآخر لجماهير نادي روما، إلى جانب الذئاب، الذي لم ينتشر لأسباب سياسية كان شاهدًا على ميلاد رابطة مشجعين عرفت باسم «فدائيين».

بداية القصة.. هزيمة

كان يوم الأحد، الثاني عشر من شهر مارس (آذار) 1972 كأي يوم ربيعي بارد في المدينة يؤذن بانتهاء فصل الشتاء، وينبئ عن قرب وصول دفء الربيع. إلا أن انخفاض درجات الحرارة ذلك اليوم، لم يكن ليحول دون نار الجماهير المترقبة لمبارة نادي روما ضد نادي فاريزه. خصوصًا وأن آخر فوز حققه النادي كان في منتصف يناير من ذلك العام بنتيجة ثلاثة إلى واحد أمام نادي تورينو، ليسقط النادي بعد ذلك في سبع جولات متتالية من التعادل والخسارة، دون تحقيق أي فوز. وما أن انتهت المباراة عصر ذلك اليوم بحدود الساعة الخامسة حتى أعلنت النتيجة تعثر روما أمام ناد متواضع جدًا بتعادل سلبي. 

      مصدر الصورة: forzaroma

كان العائدون الساخطون من نتيجة المباراة من أبناء الحي في حالة هيجان في الشوارع احتجاجًا على هذه النتائج، خصوصًا وأن التعادل كان أمام ناد من الشمال الإيطالي الذي يربطهم به ذكريات ماضٍ سيء. دعت حالة الانتماء والإخلاص الشديد للنادي أبناء المدينة لتشبيه إخلاص هؤلاء المشجعين لناديهم، بإخلاص الفدائيين الفلسطينيين لقضيتهم، لذا فمرّة كانوا يصفون حماستهم وعنفهم «بالكاميكازي» اللفظ الذي كان منتشرًا في الغرب كمقابل للفظة «فدائي» في اللغة العربية، ومرّة أخرى يقولون لهم: «Siete peggio dei Fedayn»، بمعنى «أنتم بإيمانكم أشد، من الفدائيين بقضيتهم». هكذا التقط الشاب اليساري روبرتو رولّلي الفكرة عن الصورة التي لم تفارق خياله، لذلك الفدائي الفلسطيني ليقرر هو ومجموعة من رفاقه إطلاق لقب فدائيين على المجموعة التي ستكون عاملًا حاسمًا بعد سنين قليلة في تأسيس رابطة مشجعين النادي الأولى عام 1977 والتي نعرفها بصورتها اليوم، ولتبقى حتى بعد انفصالها عن الرابطة، ومن ثم اختفاء تقريبًا كل مجموعات الألتراس، واحدة من أقوى روابط المشجعين والألتراس على مستوى القارة الأوروبية حتى اليوم.

جحيم سان جوفاني.. نوفمبر الألتراس الأسود

شباب الألتراس الإيطاليون الأوائل قد برزوا في مطلع سبعينيات القرن الماضي، على بعد سنوات قليلة من الثورات الطلابية التي اجتاحت أوروبا في العام 1968 وهم محملون بطاقة سياسية، وثقافة مجتمعية قائمة على الثورة والتمرد. وتشير تحقيقات شرطة روما إلى أن اثنين من ألتراس فدائيين كانوا من ضمن المخططين لمظاهرات مدينة روما التي عرفت باسم «مظاهرات الغاضبين»، وتخللها أعمال سمتها السلطات بالـ«الشغب» في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011 احتجاجًا على سياسة الحكومة اليمينية بقيادة برلسكوني وقتها، والأزمة التي دخلتها البلاد منذ فقاعة عام 2008 الاقتصادية.

الألتراس الذي يحمل اسم «فدائيين»، كان بعض أفراده من متقدمي الصفوف في مواجهة الشرطة ظهر ذلك اليوم في ثلاث نقاط بوسط المدينة، حيث جرت المظاهرة التي شارك بها مئات الآلاف من الإيطالين بمشاركة النقابات والاتحادات الطلابية والعاطلين عن العمل من كل مدن البلاد.

دامت المعركة الدامية في المظاهرة، التي رفع العديد من القوى حينها الأعلام الفلسطينية في تضامن مع الشعب الفلسطيني، بين 500 فرد من الـ«Black Bloc» وجماعة «RASH» من جهة، وبين القوات الشرطية ومكافحة الشغب من جهة أخرى لمدة خمس ساعات متواصلة من الكر والفر، وما أن حلّ غروب ذلك اليوم حتى خلّفت الواقعة دمارًا هائلًا في الأرجاء؛ محلات تجارية محطمة، عشرات السيارات تشتعل على الطرقات، حاويات القمامة رأس على عقب في كل مكان، ودرجات نارية ملقاة على أسفلت الشوارع لتمنع هجمات رجال الشرطة وآلياتهم.

كان دخان قنابل الغاز المسيل للدموع وسناج إطارات السيارات المحترقة يملآن الجو بهواء ثقيل وخانق في مشهد سينمائي، عندما تمكن راديكالو اليسار المتنكرين بزي أسود كامل، والمسلحين بالعصي والحجارة ونوع من القنابل الورقية من حرق سيارة مصفحة تابعة لقوات الشغب الإيطالي، وإلحاق الضرر المباشر في عدد من رجال الشرطة. ليعلن وزير الداخلية ومحافظ المدينة، التي استقبلت مشافيها مساء ذلك اليوم أكثر من 100 جريح من الجانبين المدني والعسكري، عن ملاحقة من وصفتهم بالمخربين وأن الحملة لن تتوقف حتى تحديد المتهمين وإلقاء القبض عليهم. وليتم لاحقًا اعتقال بعض المشاركين الذين كان من ضمنهم عضوين من ألتراس فدائيين. 

مصدر الصورة: forumpalestina

بسبب الطبيعة السياسية للحي وأبنائه، فقد انعكس ذلك على هتافات وخطاب الفدائيين سواء في الشارع أو على المدرجات في الملعب. فقد كان أعضاء الرابطة ناشطون سياسيًا قبل أن يكونوا مشجعي نادي كرة قدم، وعدد من أبناء الحي والمدينة من مشجعي النادي كانوا منخرطين في العمل الفدائي الفلسطيني بصور مختلفة، كما يروون همسًا. ربما لنشأة مجموعة فدائيي نادي روما في وقت كان العمل الفدائي الفلسطيني له ألقه الخاص بين شعوب العالم وأحراره في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي دور كبير في ذلك. 

إلا أن هذا النشاط السياسي والمشاركة الفاعلة وغيرها دفع بألتراس فدائيين في السنوات التي تلت عام 2000 للإعلان عن تبنيها طبيعة غير سياسية، للتخلص من ملاحقة السلطات في البلاد التي كانت تراقب تحركها السياسي والرياضي عن كثب، وحتى لا تضر النادي وجماهيره. بالرغم من ذلك لا تزال المجموعة فاعلة سياسيًا في الأحداث الفلسطينية الكبرى على الساحة الإيطالية. فإلى جانب نشاط أفرادها في حركة المقاطعة «BDS» المناصرة للقضية الفلسطينية، تجد الأعلام الفلسطينية حاضرة تقريبًا في العديد من مباريات النادي على ملعب الأوليمبيكو، كما الشعارات الداعمة لمسيرة الشعب الفلسطيني ونضاله. 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد