في 15 مايو (أيار) 2011، وقفت مجموعة شبان متحمسين أمام مبنى مُجمّع التحرير في قلب العاصمة المصرية القاهرة، يتقافزون عشوائيًّا على نغمٍ مُنضبطٍ، مُرددين: «مش ناسيين التحرير يا ولاد (…) الثورة كانت بالنسبة لكم نكسة»، يحملون في أيديهم أعلام فلسطين، ومصر.

وفي حين كانت بعض الجموع متناثرة هنا، وهناك في ميدان التحرير، في انتظار الحافلات التي ستنقلهم إلى معبر رفح الحدودي مع قطاع غزة المُحاصر؛ للمشاركة في الفعالية الدولية التي عُرفت آنذاك باسم «الانتفاضة الفلسطينية الثالثة». كانت تلك المجموعة نقطة جذب لمن حولهم بأغانيهم الحماسية، وأهازيجهم التي حملت معاني ثورية، وبعض السباب بين الحين والآخر لمن اعتبروهم على مدار أعوام «رموز القمع».

كان هؤلاء الشباب مجموعة مُختلطة من مشجعي فريقي الأهلي والزمالك لكرة القدم، وقد اجتمعوا يومها معًا للمشاركة في مسيرة الانتفاضة الثالثة، كما فعلوا على مدار الشهور السابقة مع فعاليات ثورية، بدايةً من يوم 25 يناير (كانون الثاني) 2011، مرورًا بـ28 يناير، أوّل جُمعة غضب شهدتها مصر على إثر ثورة يناير، التي فجّرت غضب مجموعات الألتراس ضد من خاضوا صراعًا طويلًا معهم.

«لا علاقة لهم بالسياسة»

في الوقت الذي كان يُنظر فيه إلى كرة القدم في مصر على أنّها ملهاة الشعب عمّا يدور في كواليس الحكم، والسياسة، بخاصة خلال الفترة الأخيرة من عهد الرئيس المخلوع محمد حُسني مُبارك، ورغم أن مجموعات الألتراس كانت مُشاركةً بطبيعة الحال في تلك الملهاة، إلا أنّ حركة خفية وراء الستار لم تلق اهتمامًا من الإعلام، كانت لاحقًا في القلب من الثورة المصرية؛ إذ إن كل مُباراة كرة قدم، بخاصة لفريقي الأهلي والزمالك، كانت بمثابة سبب آخر لمزيد من الغضب لدى مجموعات المشجعين تلك، ومن ثمّ دافعٌ آخر لمواجهات عنيفة قادها أفراد الألتراس أثناء، وعقب الثورة المصرية.

في تقرير لوكالة مونت كارلوا الدولية من قلب القاهرة، يصف الألتراس بأنّهم مجموعة من الشباب لا علاقة لهم بالسياسة «لكن في مصر هم أكثر من ذلك»، والسبب يعود إلى الشرطة المصرية، التي اعتبرتهم مجموعة منظمة من المخرّبين، ومن هنا بدأت الحكاية مع رفع ألتراس فريق الإسماعيلي (ييلو دراجونز) في إحدى المباريات، لافتةً كُتب عليها «الثورة مبادئنا»، وحتى تصنيف وكالة أنباء أسوشيتد برس، لمجموعات الألتراس في مصر كان أنها أكثر المجموعات تنظيمًا بعد جماعة الإخوان المسلمين، وذلك في 2013.

حفريات «الألتراس»

الألتراس (Ultras) في الأصل كلمة لاتينية تعني «الفائق عند الحد»، أو «التعصّب»، أو «الزائد عن الطبيعي». سر ارتباط الاسم بمجموعات مُشجعي الأندية الرياضية غير معروف على وجه الدقة، لكنه غالبًا الأكثر تعبيرًا عن الحالة التي يُمثّلونها من الصخب الزائد في التشجيع، والانتماء الفائق عن الحد للفريق الذي يُشجعونه، والذي يعني في أحيانًا كثيرة الاعتداءات المتكررة على مجموعات مشجعي الأندية الأُخرى، وهو ما حدث في مصر عندما أشعل ألتراس الأهلي النيران في جسد أحد أعضاء ألتراس الزمالك بعد أن صب عليه البنزين، خلال إحدى مُباريات كرة السلّة في عام 2010.

ويُقال إن أول رابطة تشجيع كرة قدم تتطابق وحالة الألتراس المعروفة الآن، ظهرت في البرازيل في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، فيما يُعتقد أنّ أول مرة استخدم فيها هذا الاسم تحديدًا كانت عام 1969 في إيطاليا، عند تأسيس ألتراس نادي سامبدوريا، ثم انتقل الأمر إلى عدّة نوادي في إيطاليا، وبدأت تلك المجموعات في استخدام الأساليب التي باتت عرفًا لدى كافة مجموعات الألتراس حول العالم، من قرع الطبول الكبيرة، وكتابة اللافتات الضخمة، وإشعال الألعاب النارية و«الشماريخ».

الألتراس

يُعتقد أن أوّل مرة استخدم فيها اسم «ألتراس» كانت في إيطاليا


في مصر بدأ ظهور الألتراس فعليًّا عام 2007، وثمّة اختلاف فيما إذا كان ألتراس النادي الأهلي قد سبق أم ألتراس الزمالك (وايت نايتس)، قبل أن تنتشر الظاهرة مع كافة مُشجعي الأندية المصرية الأُخرى، مثل الإسماعيلي (يلو دراجونز)، وغزل المحلة (ألتراس ويلز)، والنادي المصري البورسعيدي (ألتارس جرين إيجلز)، الذي وصفهم تقرير لصحيفة الأخبار اللبنانية بأنهم «الأكثر عُنفًا في لغة الخطاب، وطريقة تعاملهم مع مُشجعي الفرق الأُخرى»، ليصل بهذا العدد التقريبي لأعضاء هذه المجموعات لأكثر من 200 ألف شخص، كانوا كفيلين للنظر إليهم على اعتبارهم قوةً مُؤثرةً في الشارع المصري، بعد ثورة 25 يناير 2011.

حرب الجموع الغاضبة

تُمثّل روابط الألتراس في مصر مجموعات شبكية من الشباب الذين ينتمي كثير منهم للشرائح الدنيا من الطبقة المُتوسطة، يجمعهم في ظاهر الأمر الانتماء الجارف للنادي، ومن وراء الكواليس الغضب الجامح تجاه ما يُمكن تسميته بـ«النظام» الاجتماعي كما السياسي، وهو ما تعبر عنه أدبياتهم بشكل واضح، وفقًا لما يرصده المدون المصري محمد جمال بشير في كتابه «كتاب الألتراس»، إذ يرفض أعضاء الألتراس الظهور في وسائل الإعلام التي لا يُمكن تغافل التوتر الحاصل بينها وبينهم، كما أنهم ضد ما يُسمونه بـ«الكرة الحديثة» التي تتحكم فيها الرأسمالية ومصالحها، وأخيرًا ضد الشرطة بطبيعة الحال للصدام الدائم بينهما، باعتبارهما في النهاية تنظيمًا غير مفهوم! بحسبه.

اقرأ أيضًا: في 10 أسئلة.. كل ما قد تريد معرفته عن الألتراس

حالة الغضب التي هي كما تقول تعريفات علم النفس، رد فعل، دفعت أعضاء الألتراس إلى المشاركة الفاعلة في أحداث الثورة المصرية، ليسوا كمجموعات مُنظّمة تحت رايات روابطهم، ففي النهاية الانتماء الجامع الوحيد لهؤلاء، بالإضافة إلى الغضب، هو ناديهم، أو كما يقول الباحث السياسي المصري محمد الجوهري، إن «اللبنة الأساسية التي تقوم عليها فكرة الألتراس هي الانتماء الشديد للنادي»، وإنما كأفراد تحت رايات صنعوها بأنفسهم تعبيرًا عن الثورة بنهكة الألتراس.

يرى الجوهري أيضًا أن الثورة المصرية خلقت بُعدًا آخر للانتماء لدى أعضاء روابط الألتراس المتمردين واليائسين، وهو ما دفع بهم للمشاركة في أحداثها، أو كما قال: «ساد الشعور عقب سقوط النظام المباركي بأن بلدنا قد عادت إلينا من جديد، وأننا كمجموعات ألتراس سوف ندافع عن الحرية والكرامة»، إذ بنى تحليله على أن سر ذلك الانتماء الشديد لتلك المجموعات لنواديهم، هو البحث عن بديل للوطن، من جملة دوافع الغضب والتمرد، وربما اليأس.

قد يبدو ذلك واضحًا بالإشارة إلى أغاني الألتراس للثورة المصرية، أو في سياقها، والتي تعني بشكل ما تحوّل هؤلاء إلى استخدام أحد أهم أسلحتهم لصالح الوطن
الذي كان مفقودًا بالنسبة إليهم. العديد من أغنياتهم تُعبّر عن ذلك، كما أنها لم تنس وصم
«العدو» في العديد من الأغنيات مثل «قلناها زمان للمستبد»، و«يا حكومة بكره هتعرفي بإدين الشعب هتنضفي»، و«يا غراب ومعشش»، ولعل أغنية «مش ناسيين التحرير» واضحة التعبير عما مثلته الثورة بالنسبة إلى هؤلاء: أمل بعد يأس.

في السادس من سبتمبر (أيلول) 2011، كان فريق كرة القدم للنادي الأهلي المصري يلعب مُباراته مع نادي كيما أسوان في إستاد القاهرة الدولي، ضمن مباريات كأس مصر؛ أدّى ألتراس الأهلي «دخلة» مُختلفة عما اعتادته الجماهير، وقوات الشرطة التي يُفترض بها تأمين الملعب أثناء المباراة.

كانت الدخلة هي الأغنية التي اشتهرت لاحقًا من بين أهازيج الألتراس في سياق الثورة المصرية، «يا غراب ومعشش».

«كان دايمًا فاشل في الثانوية.. يا دوب جاب 50%

بالرشوة خلاص الباشا اتعلم.. وخد شهادة بـ100 كليّة

يا غراب ومعشش جوه بيتنا.. بتدمر ليه متعة حياتنا

مش هنمشي على مزاجك.. ارحمنا من طلة جنابك

لفّق لفّق في القضية.. هيَّ دي عادة الداخلية

ممسوك مكتوبلي إرهابي دولي.. ماسك شمروخ وبغني أهلي».

تلك كانت كلمات الأغنية التي رددها ألتراس الأهلي أمام صدمة ذهنية واضحة من أفراد الشرطة، الذين قبل شهور قليلة ذاقوا مُرّ الثورة عليهم بهتافات «الداخلية بلطجية»، وبتصريح وزير الداخلية الأسبق منصور العيسوي: «الداخلية انتقلت إلى رحمة الله في 28 يناير 2011».

لكنّ صدمة أفراد الداخلية المصرية تحوّلت إلى عنف مُوجّه نحو المشجعين، تسبب في مقتل أحد المشجعين، وإصابة 130 آخرين، قبل أن تنتقل الاشتباكات إلى خارج الاستاد حتى صباح اليوم التالي.

وبتحليل للنص، نكتشف كيف أنّه يُلقي الضوء على مُكوّنات جهاز الشرطة المصرية من البدايات وحتى النهائيات، بدءًا من سياسة القبول في أكاديمية الشرطة (بالرشوة خلاص الباشا اتعلم)، مرورًا بالإشارة إلى طبيعة الشخصية التي تُنتجها الأكاديمية غير المتوافقة مع قدراته (كان دايمًا فاشل… خلاص الباشا اتعلم)، بالإضافة إلى السخرية الكامنة في تعبير «باشا» الذي يُفترض حظر استعماله رسميًّا، منذ ثورة الضباط الأحرار في يوليو (حزيران) 1952، فضلًا عن اقترانها بـ«فاشل»، و«خد شهادة بـ100 كلية»، فيما تبدو أنها إشارة إلى أن هذه المكانة الاجتماعية المتمثلة في «الباشاوية» مزيّفة، وقائمة في الأساس على «الرشوة».

وبمرور النص تنتقل كلماته بين مراحل المؤسسة لكيان جهاز الشرطة في مصر، كما يراه هؤلاء، حيث يتحوّل جهاز الشرطة إلى «غراب ومعشش جوه بيتنا»، إشارة إلى تضخّمه بخاصة خلال عهد وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، وتسلطه على كافة مناحي حياة المواطن المصري. هذا التسلط «جوه بيتنا» دمّر «متعة الحياة» المتمثلة في سياق أغانٍ أُخرى لهم، في الحرية.

الوعي الذي كوّنه هؤلاء من قبل الثورة يتجلّى في «مش هنمشي على مزاجك»، كما سبق وأن تجلّى في «مش ناسيين التحرير»، و«يا حكومة بكره هتعرفي.. بإدين الشعب هتنضفي».

في النهاية، تُلقي الأغنية الضوء على طبيعة الصراع، وأصوله بين الألتراس «ممسوك مكتوبلي إرهابي دولي»، مُوضحةً أنّ السبب هو «ماسك شمروخ وبغني أهلي»، وهي أيضًا تأكيد الانتماء الأوّل، الانتماء للنادي الرياضي.


عرض التعليقات
تحميل المزيد