حلقة جديدة من مسلسل القرارات الاقتصادية المثيرة للجدل، ظهرت حين اتخذت الحكومة المصرية ضوابط جديدة منظمة لرحلات العمرة، والتي اعتمدتها «رانيا المشاط»، وزيرة السياحة لهذا العام 1439هـ، إذ تضمنت وضع حد أقصى لإجمالي عدد التأشيرات المستهدف تنفيذها في الموسم الواحد بـ500 ألف تأشيرة فقط، يتم تنفيذ 20% منها خلال شهر رمضان، علمًا بأن عدد المعتمرين وصل إلى 1.3 مليون معتمر في 2016، بينما انخفض العام الماضي العدد لما يقرب من 650 ألف معتمر فقط.

الجديد في الضوابط التي أقرتها الوزيرة مؤخرًا هو فرض رسوم على المعتمرين بقيمة ألفي ريال سعودي (10 آلاف جنيه مصري)، وذلك لمن سبق له أداء العمرة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، و50%‏ من المبلغ (ألف ريال) إضافية للمعتمر الذي يؤدي العمرة أكثر من مرة في الموسم الواحد، وتودع هذه الأموال في حساب باسم تدبير العملة لمكرري العمرة بالبنك المركزي المصري.

هذا الأمر الذي أثار حالة كبيرة من الجدل سواء على مستوى المواطنين أو المستثمرين من أصحاب شركات السياحة، كان تبريره هو الظروف الاقتصادية، إذ اعتبرت الحكومة هذا القرار استثنائيًا نظرًا للظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد، وذلك بهدف تقليل حجم العملة الصعبة التي تخرج من مصر، على حد تعبير الوزيرة.

كيف يتأثر الاقتصاد المصري بزيادة أعداد المعتمرين؟

تسوغ الحكومة المصرية قراراتها تجاه رحلات العمرة بأنها خطوة نحو تقليل حجم العملة الصعبة التي تخرج من البلاد، في ظل حاجة مصر لهذه العملة وسط نضوب مصادرها سواء من السياحة أو الصادرات أو قناة السويس، وهي المصادر التي تضررت كثيرًا في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد خلال السنوات الأخيرة، ولكن رغم هذا التدهور تزايد إنفاق المصريين على السياحة الخارجية، وهو ما تراه الحكومة سببًا أساسيًا في الضغط على العملة المحلية.

في مايو (أيار) 2016، كشف البنك المركزي عن أن إنفاق المصريين على السياحة الخارجية في 2015 بلغ نحو 3.3 مليارات دولار، في حين قال وزير المالية، عمرو الجارحي، إن هذه التكلفة ارتفعت فوق 3.5 مليارات دولار خلال 2016، بالنظر إلى هذه الأرقام نجد أنها تتجاوز ضعف الأرقام المسجلة قبل نحو 10 سنوات، إذ كان إنفاق المصريين على السفر للخارج في 2005 نحو 1.6 مليار دولار فقط، وهو ما يشير إلى ارتفاع ملحوظ، ولكن هل العمرة هي سبب هذا الارتفاع؟

Embed from Getty Images

تتباين الإجابة على هذا السؤال بشكل كبير، ففي الوقت الذي ترى فيه الحكومة أن أغلب الإنفاق يذهب إلى رحلات العمرة والحج، يقول رئيس لجنة السياحة الدينية في غرفة الشركات السياحية، باسل السيسي، إن إنفاق المصريين على العمرة والحج لا يصل سنويًا إلى مليار دولار، وهو الأمر الذي لا يجعل من هذه الرحلات عبئًا على موارد الدولة الدولارية، لأنها أقل كثيرًا من الثلث، لكن بشكل عام فإن عدم وجود أرقام رسمية ترصد هذه الظاهرة تجعل الجزم في الأمر صعبًا جدًا.

السعوديون أيضًا يريدون المزيد

الخطوة المصرية جاءت بعد خطوة سعودية مشابهة وذلك فرض رسوم قدرها ألفا ريال سعودي على مكرري الحج والعمرة، إذ أوضح ولي العهد السعودي، «محمد بن سلمان»، في أبريل (نيسان) 2017، أن بلاده فرضت رسومًا على فيزا الحج والعمرة 50 ريالًا سعوديًا يدفعها الجميع، بخلاف رسوم مكرري الحج والعمرة.

وتابع: «أن حكومة المملكة العربية السعودية لخدمة الحجاج والمعتمرين تكفلت بتغطية تكاليف الحج للمرة الأولى والعمرة الأولى لأي مسلم على حساب الحكومة، وإذا كان هناك مسلم يريد أن يحج أو يعتمر لأول مرة، فهو لا يدفع قيمة الفيزا وتتحملها الحكومة السعودية، لكن إذا كان يريد أن يأتي مرة أخرى وثالثة، فهو يستنزف الاقتصاد السعودي، ونحن خدمناه أول مرة مجانًا».

اقرأ أيضًا:

الحكومة السعودية لم تكتفِ بهذا القدر فقط، ولكن تم تطبيق 5% ضريبة مضافة على كل الخدمات داخل المملكة، بالإضافة إلى تطبيق 5% ضريبة أخرى على قطاع الفنادق الأربع والخمس نجوم، و2.5% على الفنادق ما دون ذلك، وهو الأمر الذي يشير إلى قفزة كبيرة في مدخلات الحكومة السعودية بعد هذه الرسوم خاصة أن مصر تحتل المرتبة الأولى بين الدول الإسلامية من حيث أعداد المعتمرين.

على الجانب الآخر، فإن الحكومة المصرية حصلت على دخل إضافي دون تقديم أي خدمة جديدة مما يجعلها على رأس المستفيدين من فرض الرسوم الجديدة، كما أن حصيلة هذه الرسوم سوف تودع «بحسب القرار» في حساب خاص بالبنك المركزي، دون تحديد أوجه إنفاق هذه الأموال.

كيف سيتضرر المواطن من الرسوم الجديدة؟

تتناقض مع حرية السفر التي أقرها دستور البلاد.

هكذا وصفت «مايسة عطوة»، عضو مجلس النواب، الضوابط الجديدة التي أقرتها وزيرة السياحة، قائلة إنها ستؤدي إلى فقدان أكثر من نصف مليون وظيفة في شركات السياحة، فحسب الخبراء فإن هذه الضوابط قد تؤدي إلى إغلاق بعض الشركات أو تخفيض حجم العمالة التي تعمل في قطاع السياحة الدينية، بسبب تراجع الإقبال المتوقع.

لا يقف الضرر على المواطنين على تقييد حرية السفر وفقد الوظائف فقط، ولكن جعلت الضوابط الجديدة من العمرة مرة أخرى حلمًا صعب المنال للعديد من المصريين، إذ يتوقع خبراء السياحة أن تبدأ أسعار العمرة خلال الموسم الحالي من 15 ألف جنيه في حالة عدم دفع رسوم التكرار، وتصل إلى 35 ألف جنيه لمكرري العمرة، وذلك بدون ثمن تذاكر الطيران، مع إضافة تكلفة البصمة أربعة دولارات ونصف، ناهيك عن تكلفة الرحلة التي لن تقل عن 20 ألف جنيه، بسبب غلاء المعيشة داخل المملكة حالًا رفع أسعار البنزين وتطبيق ضريبة القيمة المضافة.

Embed from Getty Images

ويتوقع عضو الجمعية العمومية لغرفة شركات السياحة، «عادل شعبان»، زيادة أسعار برامج العمرة هذا العام بمقدار 10% بعد تطبيق ضريبة القيمة المضافة على البرامج، وذلك بواقع ألف جنيه. قرار التأجيل كان الحاضر الأبرز بعد الرسوم الجديدة، فبعض المواطنين قرروا عدم الذهاب للعمرة هذا العام، بالرغم من أنهم يجمعون أموال الرحلة منذ 2016، لكن بات المبلغ المطلوب أكبر من إمكانيتهم.

كيف ستتأثر شركات السياحة؟

منذ الإعلان عن الضوابط الجديدة وهناك ثورة عارمة من جانب الشركات التي ترفض هذه الضوابط بشدة، فبحسب نائب رئيس غرفة شركات السياحة، ناصر تركي، فإنه تم تقديم 12 دعوة قضائية ضد القرار ومن المتوقع زيادة عددها في الأيام المقبلة، هذا الرفض يأتي بسبب الخسائر الكبيرة المتوقعة لهذه الشركات، والتي قد تصل إلى تعليق النشاط بشكل كامل.

ووفقًا لبيانات الاتحاد العام للغرف السياحية، فإن عدد شركات السياحة العاملة في مصر يصل حاليًا إلى 2400 شركة، منها 2260 شركة تعمل في السياحة الدينية ورحلات العمرة والحج، ونحو 140 شركة تعمل في نشاط جلب السياحة الخارجية، وهو الأمر الذي يكشف اتساع حجم القطاع.

الاعتراض على الضوابط الجديدة لم يتوقف على الشركات فقط، بل وصل إلى مسؤولين بوزارة السياحة، إذ رفض خالد المناوي، مستشار وزارة السياحة، القرارات ووصفها بأنها مخالفة لكل المبادئ القانونية، كما تقدم أحمد الشريف، عضو مجلس النواب، ببيان عاجل لوزير السياحة؛ اعتراضًا على هذا القرار الذي لا يوجد داعٍ له، ولأنه غير مدروس، سواء لكونه يشكل عبئًا على المواطنين، أو يضر شركات السياحة والعاملين فيها، بحسبه، مشيرًا إلى أن هذا القرار يخالف الدستور المصري، الذي نص على تسهيل القيام بالشعائر الدينية.

اقرأ أيضًا:

بينما تقدمت إيمان سامي عضو لجنة تسيير الأعمال بغرفة شركات السياحة المصرية، باستقالتها من عضوية الغرفة، معلنة رفضها الكامل لقرار فرض رسوم على مكرري العمرة وذلك لتمييزه بين المواطنين، إذ لا تحصل أي رسوم مماثلة من مكرري السفر لأي بلد آخر، على حد ذكرها.

يرى يوسف صالح، مدير شركة بيتش تورز للسياحة، أن العمرة ربما ستقتصر قريبًا على شهر رمضان فقط، إذ يؤكد أن القرارات ستؤثر على شركات السياحة بشكل عام خاصة أن السياحة الدينية تشكل نسبة الأغلبية من عمل هذه الشركات.

وتابع صالح خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن 70% من المتعاملين مع شركته يقومون بتكرار العمرة كل عام بينما تصل نسبة العملاء الجدد إلى 30% فقط، متوقعًا تراجع الإقبال بشدة بعد القرارات الأخيرة، خاصة أن المدة المتاحة فيها العمرة قصيرة جدًا، ونحن في انتظار فتح الباب منذ أكثر من ثلاثة شهور، وهو ما يعرض شركته لخسائر كبيرة.

Embed from Getty Images

بينما تواجه الشركات تحديًا من نوع آخر يهدد 60% منها، فبحسب غرفة شركات السياحة، فإن وزارة الحج السعودية وثقت 40% فقط من عقود العمرة التي وثقتها وزارة السياحة المصرية للشركات، ما يعني تعطل نسبة 60% من الشركات الراغبة في تنظيم رحلات عمرة هذا العام.

هل سنرى سوقًا سوداء للعمرة قريبًا؟

قال «حمدي نصر»، مدير التسويق للسياحة الدينية في شركة «فيو»، إن شركته كان لديها 65 جوازًا تقدموا للعمرة، 34 منهم فقط لم يسبق له العمرة من قبل، وهو الأمر الذي يعني أن الشركة خسرت العدد المتبقي، إذ من المتوقع أن يسحبوا جوازات السفر والعدول عن قرار العمرة بعد الرسوم الجديدة.

وتابع نصر خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن تحديد عدد التأشيرات وتذاكر الطيران، هما المشكلة الأكبر من الرسوم، متوقعًا أن يتسبب هذا القرار في خلق سوق سوداء لتأشيرات العمرة، وذلك لتفاوت قدرات الشركات العاملة بالسوق المصري.

ويضيف: «تحتاج الشركة الآن لتقديم خطاب ضمان للوكيل السعودي، وذلك بقيمة 200 ألف جنيه، بعكس السابق، إذ كان من المتاح للشركات شراء أي عدد من التأشيرات بدون وضع مبلغ التأمين المذكور، ويوضح أن جميع الشركات لا تملك القدرة على وضع مثل هذا المبلغ كضمان، بالإضافة إلى أن الشركات الأخرى ربما لا يوجد لديها الطلب الكافي للتأشيرات المتاحة لديها، وهو الأمر الذي سينتج عنه سوق سوداء تشتري فيه الشركات الصغيرة التأشيرات المتبقية من الشركات الكبيرة».

اقرأ أيضًا:

«لن يحصل على هذه التأشيرات سوى عدد محدود من الشركات، وهو الأمر الذي سيرفع من التكلفة أكثر على المعتمر في النهاية، وقد يودي إلى إغلاق عدد كبير من الشركات التي لن تستطيع التكيف مع هذه التحديات» يقول نصر.

Embed from Getty Images

ويؤكد نصر أن شركته بدأت تدرس الإغلاق بشكل جاد، والعمل من خلال شركات أخرى، وذلك بسبب صعوبة الوضع الحالي، مشيرًا إلى أن بقاء الشركة بات مرتبطًا بقدرتها على تحقيق أرباح من خلال بيع 625 تأشيرة، أكثر من الأرباح التي كانت تحققها من خلال بيع 2500 تأشيرة في الطبيعي قبل القرارات الجديدة، بالإضافة إلى التحدي الأكبر المتمثل في سعر تذكرة الطيران المبالغ جدًا فيه – على حد تعبيره – إذ يصل أقل سعر إلى 7300 جنيه.

وفي مقارنة بين الأسعار الحالية وقبل التعويم، قال نصر إن برنامج العمرة كان من الممكن أن يتكلف نحو 4800 جنيه، ثم أصبح 8500 بعد التعويم، وقد يصل الآن إلى 11 ألف جنيه في ظل الرسوم الجديدة، مع العلم أن الشركة تحجز فنادق تبعد مسافة أكبر عن الحرم المكي من قبل لتوفير أسعار مقبولة.

المصادر

تحميل المزيد