دعا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، أمس، إلى ضرورة إجراء تحقيق «كامل» بشأن مقتل مئات المدنيين، في فض اعتصام «رابعة»، مُثيرًا تساؤلات حول ما تعنيه تلك الدعوة سياسيًا وحقوقيًا.

نشرت «وكالة الأناضول» التركية خبرًا، تسبب في الكثير من الجدل، قالت فيه أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، دعا أمس،  إلى ضرورة إجراء تحقيق «كامل» بشأن مقتل مئات المدنيين، في فض اعتصام «رابعة»، مُثيرًا تساؤلات حول ما تعنيه تلك الدعوة سياسيًا وحقوقيًا. في الواقع نشرت الخبر  بعد ذلك العديد من وسائل الإعلام، واعتمدت معظمها على خبر الأناضول، لكن الأناضول عادت وحذفت الخبر، وما زال الأمر حتى الآن محل شك، لكن ماذا لو أن الأمم المتحدة تذكرت أحداث «رابعة» رحقًا؟

ماهية الطلب الأممي غير المؤكد

بحسب الخبر، فقد قال فرحان حق – نائب المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة – في التصريحات الصحافية التي نقلتها وكالة الأناضول التركية أمس السبت، إن «مون» يعتقد أنه «من المهم للغاية إجراء تحقيق كامل، بشأن مقتل مئات المدنيين خلال فض اعتصام ميدان رابعة العدوية في أغسطس (آب) 2013».

و حول دعوات إنشاء لجنة دولية للتحقيق في الواقعة ومحاكمة المسؤولين عنها، أفاد حق، بحسب الخبر المحذوف، بأن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المُتحدة هو «المخول بإنشاء لجنة للتحقيق في جميع انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن القتل الجماعي للمحتجين خلال ذلك اليوم»، في إشارة  إلى يوم فض قوات الأمن المصرية لاعتصام «رابعة» الموافق يوم 14 أغسطس (آب) 2013.

وجدد حق، بحسب خبر الأناضول، تأكيد الأمم المتحدة على «أهمية احترام حق الاحتجاج السلمي وحرية التجمع خلال المظاهرات، التي يعتزم مناهضو نظام ما بعد الثالث من يوليو (تموز) في مصر، تنظيمها في الذكرى الثالثة لفض اعتصام رابعة» على حد تعبير حق. وتأتي تلك الدعوة بعد ثلاث سنوات، من فض قوات الأمن المصري لاعتصام معارضي بيان القوات المسلحة في الثالث من يوليو (تموز) 2013، في«أسوأ واقعة قتل جماعي غير مشروع في تاريخ مصر الحديث»، على حد وصف منظمة العفو الدولية.

وبالانتقال إلى الحدث نفسه، فقد تباينت أعداد ضحايا هذا اليوم من مصدر لآخر؛ إذ صرح حازم الببلاوي رئيس الوزراء آنذاك، بأنه قُتل ما لا يقل عن ألف شخص، في الوقت الذي أكد فيه «التحالف الوطني لدعم الشرعية» أن عدد القتلى وصل إلى 2600، فيما أكدت بعض الروايات الرسمية من وزارة الصحة  مقتل حوالي 726 معارض، بالإضافة إلى مقتل 55 من أفراد وضباط الشرطة على مستوى الجمهورية.

تجاهل رسمي..  وانتقاد برلماني للخبر غير المؤكد

حتى مثول التقرير للنشر، لم تصدر جماعة الإخوان المسلمين بجبهتيها، بيانات رسمية للتعليق على الطلب الأممي الأخير، كما لم يُصدر «التحالف الوطني لدعم الشرعية» بيانًا رسميًا حول الطلب الأممي الاخير، في الوقت الذي دعت تلك الجهات للتظاهر في الذكرى السنوية الثالثة لفض «رابعة».

وفي المقابل، لم تُعلق الخارجية المصرية على الطلب الأممي، في الوقت الذي أدان فيه عدد من أعضاء مجلس النواب المصري –المؤيدين للنظام المصري –  الطلب الأممي الأخير، باعتباره «تدخلًا سافرًا في الشأن المصري» و«محاولة فاشلة للضغط على السيسي» وقالوا إن «جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية هي من تقف وراء تلك الدعوة الأممية».

وبحلول مساء اليوم، كان العديد من الإعلاميين المؤيدين للنظام المصري، قد نفوا خبر  الأناضول، مؤكدين أنه محض مؤامرة على النظام المصري، قادتها الوكالة التركية، وأكدوا أيضًا أن الأمم المتحدة قد نفت هذا الخبر، وأنها لا تعتزم إجراء أي تحقيق فيما يخص أحداث الفض، بحسب ما قالوه.

ما الذي تعنيه تلك الدعوة سياسيًا لو صحت؟

أثارت خبر الاناضول، عددًا من التساؤلات حول ما تعنيه رغبة الأمم المتحدة لو صحت، وكيفية تفسيرها، والدلالات السياسية لتوقيتها، وللإجابة على تلك التساؤلات، تواصل «ساسة بوست»  مع الباحث المصري «مُصطفى عبد الظاهر»، الذي نفى إمكانية التعويل على ضغط  الأمم المتحدة «وحدها» في هذا الشأن «خاصة مع عدم قدرة الأجهزة الأمنية المصرية على إجراء أي استقصاء حقيقي بهذا المستوى، ناهيك عن رغبتها في ذلك»، مُستبعدًا تدخل لجنة تحقيق دولية في هذا الشأن نظرًا «لطبيعة النظام المصري التي تعتبر كل (غريب) هو عدو طور الإعداد». وأعتبر قضية مقتل الباحث الإيطالي «جوليو ريجيني» خير مثال على ذلك.

ويرى عبد الظاهر أن الدولة المصرية تعتبر هذا النوع من التدخل «مسألة صراع على الوجود (…) لأنه وببساطة، التحقيق الواحد سيفتح ألف تحقيق خلفه»، لافتًا إلى أن سلسلة الفساد والفضائح وإراقة ماء الوجه في مصر، ستذيب بالتدريج الثقة الغربية في قدرة نظام السيسي على إدارة استقرار مصر، وتصبح « محل شك كبير».

تهاوي النظام المصري

وقال عبد الظاهر إن النظام المصري، قد بدأ بالتهاوي في أعين الكثير من صناع القرار والأنظمة السياسية العالمية، مُشيرًا إلى أن التصريح الأممي الأخير لو صح، فهو يأتي كحلقة «من سلسلة استهجان دولي واسع، لكل مهام الإدارة السياسية المصرية، السلسلة التي كانت واسطة عقدها تقرير الإيكونوميست حول انهيار الاقتصاد المصري، وإصرار النظام المصري الدائم على إنكار تسببه في ذلك، وتكاسله في اتخاذ أية خطوة جدية في سبيل حل تلك المشكلات العضال، وكان ثانيها التصريح الإماراتي الرسمي، الذي أعقب تحليل الإيكونوميست، الذي نصح السيسي بلهجة إزدرائية بألا يتقدم لخوض انتخابات رئاسة الجمهورية عام 2018».

ويرى عبد الظاهر، أن تلك السلسلة تبدو «ذات أهمية وتستوجب النظر الدقيق، خاصة في ظل تصاعد قوى اقليمية بديلة وعقد اتفاقات اقليمية دون مشاركة مصر، وهو ما يشدد على صحة التحليل القائل بأن تصريح بان كي مون لن يكون الأخير، في سلسلة ردود الفعل الدولية على الفشل المفزع للنظام المصري في كافة ملفاته، سواء الأمنية أو السياسية أو الاقتصادية أو الإقليمية، وأظن أننا سنرى خلال الفترة القادمة تحركات مصرية واسعة للتدخل في الشأن الليبي، لمحاولة تدارك صورة النظام المصري كعامل مهم في إدارة (استقرار) المنطقة».

ترحيب حقوقي بالخبر

وحقوقيًا، رحّب الباحث الحقوقي، «أحمد مفرح» – المحامي الموكل من بعض أسر قتلى فض «رابعة» –  بدعوة الأمم المتحدة الأخيرة قبل أن تثار الشكوك حول صحتها، داعيًا إلي «استخدام وتفعيل صلاحياته، بتوجيه مجلس حقوق الانسان، بإنشاء لجنة تقصي حقائق دولية، خصوصًا بعدما ظهر للمجتمع الدولي، وبعد ثلاث سنوات علي تلك الجريمة، ومحاولة النظام العسكري الدائمة في مصر، لطمس معالم الجريمة التي ارتكبها، وبناء أسس الإفلات من العقاب فيها».

ولفت في تصريحات صحافية إلى أن «العمل علي إنشاء لجنة لتقصي الحقائق من مجلس حقوق الانسان، للتحقيق فيما حدث من عمليات قتل للمتظاهرين و المعتصمين يوم 14 اغسطس (آب) 2013، يحتاج إلي تضافر جهود ممثلي الضحايا، سواء كانوا محامين، أو منظمات مجتمع مدني، والعمل بمهنية، واستخدام كل وسائل الضغط والتشابك؛ من أجل تحقيق ذلك»، مُشددًا على أن فض «رابعة»، شهد جرائم ضد الإنسانية لن يمحوها الزمن، ولن تسقط بالتقادم.

تم إجراء تعديلات على النسخة الأولى من المقال بتاريخ 14 أغسطس (آب) 2016

عرض التعليقات
تحميل المزيد