«ذات يوم، وأثناء عملنا في مكافحة الألغام، بالوسائط البدائية المتاحة لدينا بدون وقاية، وكنا على وشك الانتهاء من عملنا في نفس اليوم، حدث ما كنا نخشاه وانفجر اللغم، وفقدت بسببه رجلي وإصبعين من يدي، واضطررت إلى استخدام كرسيّ في فترة علاجي، لمدة خمسة أشهر. والآن أستخدم طرفًا صناعيًا يُمكنُني من الوقوف مرة أخرى، وأستمر في عملي واقفًا على قدمي، وإن كلفني ذلك حياتي»، هكذا تكلم أديب عتيق، الذي عمل مع فريق من المتطوعين في إزالة الألغام، وتوعية الأطفال بسبل تفاديها في سوريا، أمام زعماء العالم بالقمة الأممية الأولى للعمل الإنساني، التي عقدت الاثنين، الموافق 23 مايو (أيار) 2016، بمدينة إسطنبول في تركيا.

تناولت القمة المشكلات الإنسانية التي تواجه العالم الآن، كضحايا الحروب والكوارث الطبيعية والتقاليد «غير الإنسانية» في بعض المجتمعات، إلا أن الموضوع الذي أخذ القسط الأكبر من الاهتمام كان مشكلة اللاجئين.

رؤية العالم لمواجهة المشكلات الإنسانية

نُظمت القمة العالمية الأولى حول العمل الإنساني بهدف «اقتراح حلول للتحديات الأكثر إلحاحًا التي تواجهنا، وإعداد جدول أعمال لجعل العمل الإنساني مواكبًا للمستقبل»، كما جاء على لسان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون. من ثمة كانت القمة الأممية مسرح وجهات نظر مختلفة للعديد من الجهات المعنية بالعمل الإنساني، حول الرؤى المناسبة للتعامل مع النازحين.

شارك في القمة 177 من ممثلي دول العالم، بينهم 65 رئيسًا ووزيرًا، بالإضافة إلى وكالات الأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية الدولية والوطنية، ومنظمات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وأكاديميين، وشركات قطاع خاص، وممثلي المتضررين من الأزمات أنفسهم.

وحث بان كي مون حكومات العالم والمنظمات الدولية على بذل مزيد من الجهود من أجل تقليل عدد اللاجئين في العالم، والبالغ عددهم 60 مليونًا، إلى النصف (30 مليونًا) بحلول 2030، وإيجاد حلول أفضل طويلة الأمد للاجئين والمشردين، تقوم على تقاسم المسؤوليات بصورة أكثر عدلًا.

ولوحظ غياب الدول السبع العظمى، باستثناء ألمانيا، عن القمة الأممية للعمل الإنساني، كما فضلت بعض المنظمات الدولية الانسحاب من المشاركة في القمة، كمنظمة «بلا حدود»، لعدم ثقتها، كما قالت، في إمكانية القمة التعامل مع مشكلة اللاجئين، بخاصة في مثل هذه الحالات الطارئة.

عوائق حل مشكلة اللاجئين

يواجه العالم اليوم عملية النزوح الأكبر من نوعها منذ فترة الحرب العالمية الثانية، ففي الوقت الذي يتواجد فيه ثمانية ملايين عراقي نازح يحتاجون للمساعدة، لجأ أكثر من أربعة ملايين سوري خارج البلاد، ونزح أربعة ملايين آخرين في الداخل، ثم مليون ونصف مليون نازح سوداني، بالإضافة إلى آلاف النازحين من الصومال، وليبيا، وأفغانستان، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وبلدان أخرى.

وأمام هذا العدد الضخم من اللاجئين بالعالم، الواصل عددهم 60 مليونًا، تعاني مفوضية شؤون اللاجئين للأمم المتحدة من نقص التمويل بعجز يبلغ 15 مليار دولار خلال العام الماضي فقط، بسبب تراخي بعض الدول في تقديم نصيبها المالي لمساعدة اللاجئين؛ ولذلك جدّد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، خلال خطابه بالقمة الأممية، دعواته البلدان الغنية بتقديم مزيد من التبرعات المالية للتعامل مع مشكلة اللجوء.

انتبهَ أيضًا المشاركون في القمة العالمية للعمل الإنساني، إلى الضريبة الخطيرة لاستمرار الصراعات المسلحة، كالحال في سوريا، ما نتج عنه أعداد هائلة من النازحين يصعب استيعابها من قبل المنظمات الدولية، ولذلك دعوا السياسيين إلى بذل مزيدٍ من الجهود، لإحلال السلام بالمناطق المتوترة لتفادي التداعيات الكارثية لأعمال العنف.

في السياق نفسه، نادت المنظمات الدولية بضرورة تحسين الكفاءة والحد من الفساد، الذي يستهلك نسبة كبيرة من التمويل، قبل أن يصل إلى المتضررين الذين هم بأمس الحاجة للمساعدة، إضافة لدعوتها إلى التركيز على إحياء الدول الفاشلة، التي تخلف وراءها باستمرار كوارث إنسانية، تتجسد على شكل مجاعات وأوبئة وهجرات جماعية.

هذا وتشكو الهيئات غير الحكومية العاملة في المجال الإنساني، من عدم وجود برنامج عالمي موحد يتعامل مع المشكلات الإنسانية على المدى الطويل، ويتناسب مع حجم الوضع الإنساني، الذي صارت خطورته تتزايد مع استفحال الحروب الأهلية بعدد من بلدان العالم وانتشار العنف الديني.

تركيا وأوروبا يغلقان الباب أمام النازحين

لم تفوت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة، الفرصة خلال القمة الأممية في انتقاد الاتفاق الأوروبي التُركي، الذي أوصد الباب في وجه النازحين، بقولها «الإغلاق المفاجئ للحدود، وتحركات بعض الدول بشكل فردي، أمر غير إنساني تجاه الكثير من الأشخاص المهددين».

من جانبها، طالبت «هيومن رايتس ووتش»، المجتمع الدولي بالضغط على السلطات التركية من أجل فتح حدودها لطالبي اللجوء السوريين، ومُحاسبة كل عنصر حرس حدود، يضربُ أو يطلق النار على طالبي اللجوء، إذ تقول المنظمة الحقوقية إن «حرس الحدود الأتراك منعوا آلاف السوريين من الدخول، وقتلوا خمسة سوريين على الأقل، وأصابوا ما لا يقل عن 14 آخرين، عندما حاولوا العبور إلى تركيا».

وتحاول بلدان أوروبا وقف هجرات اللجوء الجماعية، بعد امتعاض الرأي العام لديها من تضخم أعداد اللاجئين القادمين نحوها، ولا سيما بعد الهجمات العنيفة والتحرشات الجماعية التي حدثت في بعض مدنها، ومن ثم اتجه الاتحاد الأوروبي لتركيا لعقد اتفاق يقضي باستعادة اللاجئين من اليونان مقابل مساعدات وإعفاء مواطنيها من التأشيرة لدول الاتحاد، في محاولة لوقف قدوم مزيد من النازحين.

بيْد أن هذا الاتفاق الأوروبي التركي، الذي خَفّض بشكل كبير الأعداد الفارة إلى أوروبا، هو نفسه مُهدد بالفسخ، بعدما وَجّهت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، انتقادات لاذعة للرئيس التركي رجب أردوغان، على هامش القمة الأممية، بسبب التطورات الأخيرة، قائلة: «إننا بحاجة لنظام قضائي مستقل، وإلى إعلام مستقل، وإلى برلمان قوي، قبل إعفاء المواطنين التركيين من تأشيرة السفر إلى دول الاتحاد»، كما عبرت له عن قلقها من قرار رفع الحصانة عن نواب البرلمان الأكراد بغرض مقاضاتهم. الأمر الذي لم يرق للرئيس التركي وهدد بإلغاء الاتفاق كليًا.

وسبق لتركيا أن اقترحت حلًا لأزمة اللاجئين، مُمَثلًا في فرض منطقة آمنة بالحدود السورية، يعيش فيها النازحون بشكل مؤقت ريثما تهدأ الحرب، إلا أن هذا المقترح لا يلقى ترحيبًا من قبل بعض الدول التي تعتبره غير واقعي، بسبب صعوبة تأمين بقعة جغرافية متواجدة بجانب منطقة مشتعلة بشكل دائم.

عودة إلى القمة الأممية للعمل الإنساني، يرى مراقبون أنها لم تنجح في بلورة إستراتيجية موحدة ومتكاملة، لمواجهة أزمة النزوح العالمية على المدى الطويل، رغم بعض الخطوات الإيجابية في هذا الشأن، كتعهد بعض البلدان برفع تبرعاتها لفائدة اللاجئين السوريين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد