“لقد فقدتُ وظيفةً فحسب، ولكنّ عدداً لا يُحصى من سكان دارفور ما زالوا يفقِدون حياتَهم” ! الكلام للمغربية عائشة البصري المتحدثة السابقة في بعثة حفظ السلام المشتركة في دارفور المعروفة اختصارًا بـ(يوناميد)، وقد قالت الموظفة الدولية ذلك في الأمم المتحدة بعدما استقالت من منصبها الأممي، احتجاجًا ورفضًا لما سمّته في أكثر من تصريح إعلامي بـ”المجازر” المرتكبة في حق مواطني دارفور تحت سمع وأنظار موظفي الأمم المتحدة، بمن فيهم الأمين العام الأممي بان كي مون، دون أن يحركوا ساكنًا، برأيها.

تصريحات صادمة

عائشة البصري الناطقة السابقة باسم يوناميد بدارفور

التصريحات النارية والاعترافات الصادمة التي أدلت بها هذه الموظفة الأممية، والتي تحمل في طياتها الكثير من التهم الثقيلة الموجهة إلى عناصر بعثة حفظ السلام في دارفور، بقدر ما لقيت ترحيبا وتعاونا من قبل العديد من وسائل الإعلام الدولية، بقدر ما جوبهت بصمت مطبق، من قبل الأمم المتحدة، التي لم تصدر ما يكذب ما ذهبت إليه السيدة البصري. وفي بعض الأحيان اكتفت الأمم المتحدة بالإحالة إلى القرارات ذات الصلة، والتي تكذبها البصري جملةً وتفصيلًا، وتعتبرها مجانبةً للصواب، هذا إذا لم تكن محرِّفة للوقائع كما تمت على أرض دارفور.

تكشف عائشة البصري، في مقال لها نشرته في مجلة (Foreign Policy)، بتاريخ 9 أبريل/نيسان 2014، (نُشرت نسخةٌ مترجمة عنه في أكثر من موقع باسم الصحافي السوداني صلاح شعيب) بعنوان “لا يمكننا أن نقول كل ما نراه في دارفور” ، على عن أن بعثة الـ”يوناميد” اختُطِفت من قِبل “شخصين أو ثلاثة أشخاص”، وأن “هناك الكثير من التلاعب، وهؤلاء الأشخاص لهم أجندات أحيانًا لا تتماشى مع ولاية البعثة، ولا مع مصلحة أهل دارفور”، ونقلت عن إحدى زميلاتها المقربة من رئيس البعثة، “أن جميع المعلومات الواردة من البعثة تم التلاعب بها وتحويرها”.

عناصر من البعثة الأممية في دارفور

وتضيف الموظفة السابقة في بعثة الأمم المتحدة التي استقالت من مهامها في يوم 4 أبريل/ نيسان 2013، أنه مع مرور الوقت أصبح من الواضح أن الكذب، والكتمان، وأنصاف الحقائق لا تقتصر على بعثة اليوناميد في دارفور، بل إنها تشمل إدارة عمليات حفظ السلام، وبعض وكالات الأمم المتحدة، وحتى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون. وتؤكد في هذا السياق أن تقرير بان بشأن دارفور الذي يغطي الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2012 (S/2012/771)، تجاوز ذكر حقيقة الهجوم على “طويلة” (منطقة بدارفور). كما أنه لم يسعَ إلى تنبيه مجلس الأمن إلى حملة القصف المكثفة للحكومة السودانية التي قتلت أعدادًا كبيرة من المواطنين في دارفور، بما في ذلك أكثر من 100 مدني في منطقة “هشابة” وحدها.

نشطاء يحذرون!

الأهالي يرحبون بقدوم البعثة الأممية

اتهامات الموظفة في البعثة الأممية لقيت تأييدًا واسعًا من نشطاء يحذرون من دارفور وينتمون لما يسمى “سوادنيو الشتات”، أي المتواجدين في عدد من دول العالم. هؤلاء اعتبروا كلام السيدة البصري تزكيةً لما ظلوا منذ سنوات ينبهون إليه الأمم المتحدة، والرأي العام العالمي، لكن لا أحد انتبه إلى تحذيراتهم.

إحدى المجازر المرتكبة في حق أهالي دارفور

هؤلاء النشطاء يعتبرون أن “مجازر وجرائم” النظام السوداني و “ميليشيات جنجويد” أو “الميليشيات العربية” الموالية لنظام الخرطوم، في إقليم دارفور، وجدت أخيرًا من يُغطي عنها وتحت يافطة مبادئ الأمم المتحدة، من قبيل “حقوق الإنسان” و”القيم الإنسانية” و”نشر السلام” وغيرها..وتحت يافطة أو شعار “اللغة الدبلوماسية”، كما نقلت ذلك السيدة البصري على لسان أحد قيادات البعثة الأممية، يتم التستر على أكبر عملية “ارتشاء” أممية، يقول بعض النشطاء، الذين برأيهم أن التستر على جرائم نظام عمر البشير في دارفور، إنما يتم بعلم أو تواطؤ الجهات التي أرسلت هذه البعثة، ولاسيما الاتحاد الإفريقي، ومجلس الأمن الدولي، اللذين بالإضافة إلى أنهما لم يمكنا أفراد البعثة من الدعم اللوجستي والعتاد الكافييين، فإنهما لم يعملا على المواكبة والمراقبة اللازمين لعمل هذه البعثة.

هجوم إحدى الميليشيات على قرية بدارفور

ويواصل النشطاء اتهامهم لأفراد البعثة وقياداتها بأنهم لضمان مواصلة “نشاطهم”، كموظفين أو مبعوثين دوليين، وبالتالي ضمان حصولهم على الامتيازات والتعويضات الدولية السخية، فإنهم لا يريدون “إغضاب” نظام عمر البشير في الخرطوم، الذي قد يكون سببًا في رحيلهم عن الإقليم الذي يشهد هذا النزاع المتواصل، ومن ثم يغضون الطرف عن “جرائمه” ولا ينقلون الحقيقة كاملة إلى العالم، بل الأخطر من ذلك والأنكى أن قادة البعثة الأممية يُخفون على الرأي العام حتّى هجمات نظام الخرطوم على أفراد البعثة؛

من يتاجر بمآسي دارفور؟

مقبرة جماعية في دارفور

لعل هذا ما ذهبت إليه أيضًا السيدة عائشة البصري، حين ذكرت في مقالها المشار إليه آنفًا، أنها وقبل أيام فقط من مغادرتها منصبها في البعثة، “تجلّى السر وراء تشويه الأمم المتحدة الّلفظي المفَضل للحقائق، وأعني بذلك السر وراء استخدام عبارة “معتدين مجهولي الهوية” (رغم علم البعثة بهوية المهاجم) لوصف من يهاجم قوات يوناميد؛ ففي ليلة 18-19 أبريل 2013 تعرضت قوات اليوناميد لهجومين في غضون أربع ساعات في مدينة مهاجرية (في شرق دارفور) من قبل قوات الحكومة السودانية، تقول البصري، أسفرت المعركة الطويلة عن وفاة أحد جنود حفظ السلام وضابط سوداني. وفي الصباح الباكر الذي أعقب وقوع الحادث اقتحم الملازم إبراهيم أبو بكر عبد الله، يرافقه بعض الجنود، مقر يوناميد، وهناك هدد بشن هجوم آخر في حال فشل البعثة في دفع الدية مقابل قتل يوناميد لأحد ضباطه”.

على إثر ذلك قرر رئيس يوناميد الجديد، محمد ابن شمباس (من غانا)، “تشويه” هذه الحقائق، تقول البصري، وأصدر بيانا “حوّل من خلاله الجناة التابعين للحكومة إلى مهاجمين مجهولي للهوية، وتم طمس كل الحقائق التي تثبت مسؤولية جنود الحكومة عن الهجوم”، بالرغم من أن السيدة البصري أعربت عن قلقها إزاء هذا التقرير غير الدقيق والناقص الذي يضلل الحقائق، بما قد يشكل انتهاكًا للسياسة الإعلامية للأمم المتحدة، كما قالت.

لاشك أن الاعترافات “الصادمة”، كما وصفها نشطاء، للموظفة الأممية السابقة، السيدة عائشة البصري، بقدر ما تطرح أسئلة من قبيل ماهية الأسباب الحقيقية وراء هذه الضجة الإعلامية، التي خلفتها هذه الموظفة، والذهاب في الجواب إلى حد طرح كل احتمالات الإجابة من قبيل الرغبة في مزيد من “توريط” نظام الخرطوم في “جرائم ضد الإنسانية”، بقدر ما تجعل المرء أو المتتبع من حقه أن يتساءل أيضا عن المهام الحقيقية للبعثات الأممية فيما إذا كانت حقًا تعمل على نشر القيم الإنسانية والسلم والسلام أم أنها تبيع وتشتري في آلام وآمال الشعوب لفائدة أجندات وقوى معينة!

عرض التعليقات
تحميل المزيد