إن كانت الأمومة، التي يقال إنها الغريزة الكبرى بداخل كل امرأة، يمكنها أن تجلب الندم، فهل حب الأطفال لآبائهم الغريزي، والذي ينبع من الفطرة السليمة – كما يقال – هو الآخر ليس بغريزة؟ وما هو الحب الفطري بالنسبة للأطفال حقًا؟

في تقريرٍ يمكن وصفه بالصادم بصحيفة الجارديان عن الأمومة، صرحت العديد من الأمهات بأنهن نادمات على إنجاب الأطفال، تقول إحدى الأمهات بحذر: «لا أريد أن أُفهم بشكلٍ خاطئ، ولكنني دفعت ثمن الأمومة باستنزاف عقلي وجسدي ومشاعري»، مُشيرة بأنها تعلم أيضًا كلفة صراحتها هذه، التي قد تجعلها تبدو في عيون البعض كوحشٍ كاسر لا يستحق وسام الأمومة، ولكن الحقيقة – كما تقول – إنه لكي تصبح والدًا، فعليك أن تمحو ذاتك تمامًا، في سبيل نجاح طفلك.

اقرأ أيضًا: الفلسفة اللاإنجابية.. لماذا لم يعد العالم في حاجة لمزيد من الأطفال؟

فرويد.. الأنانية هي الحب

في كتابه «محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي» – وهي مجموعة محاضرات ألقاها بين عامي 1915 و1917 لتكون مدخلًا إلى التحليل النفسي عرض فيها نظرياته وبحوثه – يكشف سيجموند فرويد أن طبيعة الطفل في سنواته الأولى التي يطويها فيما بعد النسيان تحتوي على قدر كبير من الأنانية، قائلًا: «الطفل يحب نفسه أول ما يحب، وفي طور لاحق فحسب يتعلم أن يحب الآخرين، وأن يضحي في سبيل الغير بشطر من أناه. وحتى الأشخاص الذين يبدو على الطفل وكأنه يحبهم من البداية، فإنه لا يحبهم أول الأمر، إلا أنه يحتاجهم، ولا يسعه الاستغناء عنهم». والتي هي في الأساس أسباب أنانية للحب.

Embed from Getty Images

بالنسبة لفرويد حب الأطفال لآبائهم هو حب أناني؛ سببه الأساسي حاجة الطفل لمن يعتني به، فهو يحب أبويه؛ لأنهما يطعمانه عندما يجوع، ويعتنيان باحتياجاته الأساسية من مشرب ونظافة وتدليل، ويستدل فرويد على وجهة نظره من خلال الفارق بين معاملة الطفل لأبويه ومعاملته لإخوته وأخواته، مصرحًا بأن الطفل الصغير لا يحب إخوته بالضرورة، بل قد لا يحبهم على الإطلاق؛ نظرًا لأنهم منافسون محتملون له، يشاركونه اهتمام الوالدين واعتنائهم، وأن ذلك هو السبب الرئيس وراء الاتجاه العدائي من الأطفال تجاه إخوتهم.

يشير كذلك إلى أن الحب هو عاطفة مكتسبة عند الأطفال، وأن الأنانية هي التي تعلم الطفل الحب، ففي وقتٍ متأخر يبدأ الطفل في تكوين مفهوم آخر عن الحب؛ يسمح له حينها بأن يتنازل عن جزءٍ من أنانيته؛ قائلًا إن الأطفال من سن الثانية والنصف وحتى الخامسة، تستطيع أن تلمح لديهم هذا الاتجاه العدائي حين تستقبل العائلة مولودًا جديدًا، فغالبًا لا يستقبلون الطفل استقبالًا وديًا، بل بالاحتجاج على وجوده، أما إذا كان فارق السن كبيرًا بين الطفل والمولود القادم – ثمانية سنوات أو أكثر – فقد يتحول هذا العداء إلى ود وتعاطف، خاصة لدى الفتيات اللواتي يظهرن للوليد عطفًا شبه أمومي، وهذا يرجع إلى تغير مفهوم الحب لدى الطفل نفسه.

هل يولد الأطفال أنانيون؟

انشغل العلماء منذ وقتٍ بعيد بالنفس البشرية، والتي تعد مرحلة الطفولة فيها هي الأساس لما هو طبيعي وأصيل داخل النفس البشرية، وما هو مكتسب من الآخرين والتعاملات اليومية، وهل حب الآخرين وفعل الخير هو الأصل في النفس البشرية، أم الأنانية؟

عندما تحدث فرويد عن نظرية حب الأطفال كان ذلك في أوائل القرن العشرين – تحديدًا في عام 1915 – وقد كان أمرًا صادمًا في ذلك الوقت أن يتحدث علم النفس أن الأطفال لا يحبون آباءهم، إلا من منظورٍ أناني، لكن الآن وبعد مرور أكثر من 100 عام على النظرية، هل يؤيد علم النفس الحديث ذلك؟

على الرغم من أن علماء التطور يميلون إلى فكرة أن الإنسان في طبيعته الأصيلة أناني، وأن المنافسة بين البشر هي التي تسمح بالانتقاء الطبيعي فيما بعد، إلا أنهم لا يستطيعون إنكار أن التعاون بين البشر هو الذي سمح لنا بالاستمرار في الحياة، وهو ما تؤكده دراسة علمية  نشرتها وكالة «بي بي سي» (BBC) عام 2006 وطبقت على الأطفال في سن 18 شهرًا توضح أن الإيثار وحب الغير هو صفة طبيعية أصيلة في النفس البشرية، وقد اقترحت الدراسة أن التعاون وحب الغير متواجد في الرئيسيات من البشر منذ ملايين السنين، حيث أراد الباحثان «وارنيكن» و«مايكل توماسيلو» في الدراسة معرفة إن كان سيكون للأطفال الصغار الذين مازالوا لم يتعلموا المهارات الاجتماعية ميل نحو مساعدة الغرباء أم لا.
يقول «فيليكس وارنيكن» وهو أستاذ علم النفس في معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في لايبزيغ – ألمانيا أن الأطفال – موضوع التجربة – والذين كانوا لا يزالوا مرتدين حفاضاتهم، وبالكاد يستطيعون الكلام، قد أظهروا رغبة حقيقية في مساعدة الغير؛ وهو ما اعتبره نتيجة مذهلة للتجربة.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من أن موضوع الدراسة هذا ينافي نظرية فرويد، إلا أن هناك بعض الدراسات الحديثة التي مازالت تميل إلى النظرة الفرويدية؛ حيث تُشير دراسة علمية أخرى تم نشرها عام 2012 بجامعة لندن في المملكة المتحدة أن الأطفال تنتابهم نوبات الكرم والسخاء مع الآخرين فقط عندما يشعرون أن فعلهم سيحظى بالمدح والتقدير ممن حولهم؛ وهو ما يوضح أن الغرض الأساسي من سخائهم هو إرضاء ذواتهم بالمدح، وهو ما يؤكد أنانية الأطفال.
أُجريت التجربة على 32 طفلًا في الخامسة من العمر بمنطقة نيو إنجلاند (New England)، نصفهم من الذكور والنصف الآخر من الإناث، تم وضعهم تحت ظروف تتوجب تبرعهم ببعض الملصقات، وكانت التبرعات تزيد كلما علم الطفل أن هناك من يراه ويؤيد فعله ويشيد به، وتشير الدراسة أن الأطفال لم يكونوا أسخياء، إلا في حالة أن يكون مُتلقي التبرع على علم تامٍ بالأمر، كما أن التبرعات كانت تصل أقصاها في حالة سابق المعرفة بين الطفل والمُتلقي، أما في حالة الأطفال الذين غاب عن علمهم أن هناك من يشاهدهم أثناء التبرع، فقد كانت قابليتهم للعطاء أقل، وهو ما تدلل عليه الدراسة بأن الأطفال لا يميلون بشكلٍ طبيعي إلى التصرف بلا أنانية.

اقرأ أيضًا: كسر «التابوهات»: أمهات ندمن على إنجاب أطفالهن

الأباء مسئولون عن أنانية الأبناء

«إن كانت الأنانية هي أن تعطي نفسك لنفسك فقط، وأن تكون ذاتك هي مركز الكون بالنسبة إليك، فليس هناك عيب في ذلك»، هكذا صرح «ليون ف. سيلتزر» أستاذ علم النفس لموقع Psychology Today، مُدللًا على أن هذا الأمر قد يكون مفهومًَا إيجابيًا للأنانية، موضحًا أن هناك نوعين من الأنانية، نوع ينطوي على الجشع والطمع والغرور والنرجسية، وهو الذي يحمل النظرة الأخلاقية السلبية لمفهوم الأنانية، وآخر ينطوي على أن تحب ذاتك وتحيطها بالاهتمام وتعمل على رعايتها، وهو ما يقصده. ويشير «سيلتزر» إلى أن هناك الكثير من الأبحاث التي تدعم فكرة أن العطاء للآخرين، ومفهوم الخير نفسه، مرتبط دائمًا بنظرتنا أمام أنفسنا، وهي إحدى طرق العناية بالنفس.

تلك النظرة التي تدل على أن الأنانية الحميدة من صفات الكائن البشري، حتى وإن قام بالعطاء فإنه يقوم به لهدفٍ أناني تدعم فكرة فرويد عن البشر، وأن الأنانية يظل جزء منها داخلنا، حتى بعد أن نكتسب ممن حولنا فكرة الحب غير المشروط، لكن في دراسة علمية حديثة نُشرت في 2014، وأجراها باحثان من ستانفورد، تم الكشف عن أن الأطفال يولدون بلا نفسية محددة، بمعنى أن كل شيء، سواء كان أنانيًا، أم فيه إنكار للذات، هو شيء يكتسبه الطفل في سنوات نشأته الأولى من المحيطين به.

في تلك الدراسة، تم إعادة تجربة عام 2006، ولكن على أطفال تتراوح أعمارهم ما بين العام والعامين، جاءت النتائج هذه المرة مختلفة، حيث اكتُشف أن الطفل لا يميل للمساعدة، إلا بعد أن تنشأ علاقة اجتماعية ولو بسيطة بينه وبين الشخص الآخر، وأن الأطفال يحتاجون للثقة بالآخر قبل أن يقدموا على مساعدته؛ وهو ما يشير إلى أن السلوك الذاتي للأطفال يقوم على العلاقة المتبادلة بينه وبين الآخر. أشار الباحثان في نهاية البحث إلى أن علاقة الطفل بوالديه هي التي تحدد إما أنانيته أم تفضيله إيثار الآخر على نفسه، لكن وإن كان الأمر هكذا فلماذا يكره الأشقاء بعضهم بعضًا؟

Embed from Getty Images

كآباء كل ما نحلم به هو أن يصبح أطفالنا هم أفضل الأصدقاء لبعضهم البعض، ولكن الحقيقة في كثير من الأحيان تخالف توقعاتنا الرومانسية؛ فـنصاب بخيبة أمل عندما نرى أطفالنا يتشاجرون باستمرار، والأكثر مرارة هو ادعاؤهم كراهية بعضهم البعض. تقول الطبيبة النفسية «جولييت هوبكينز» للإندبندنت: «التنافس بين الأشقاء ليس شائعًا فحسب، بل هو أمر طبيعي تمامًا؛ فالطبيعة البشرية في أصلها طبيعة تنافسية، ومن الطبيعي أن نريد الأفضل لأنفسنا دائمًا، بل هي علامة صحية تخبر الوالدين بالضبط ما الذي يحتاجه أطفالهما».

وتضيف «هوبكينز» أن أول ما يتنافس عليه الأشقاء هو والدهم، مُعللة ذلك بأن العلاقة بين الأطفال والوالدين هي التي تحدد كل شيء، فإن كانت العلاقة فقيرة، يصبح الأشقاء حينها حلفاء في مواجهة العائلة، أما وإن كانت قوية، فإن الأطفال يتنافسون عليها؛ لأنها تستحق التنافس.

أما «دوروثي روي» وهو طبيب نفسي، فيقول عن ذلك في كتابه «عدوي العزيز.. صديقي الخطير»، والذي يتحدث بشكلٍ أساسي عن علاقات الأخوة: «إن كل علاقات الأخوة تقوم على أساس حماية الذات، فإما أن تتحقق كشخص من خلالها أو لا».

المصادر

تحميل المزيد