عندما أطلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تصريحات مفاجئة مناهضة للغرب حين التقى قادة جيوش التحالف الدولي لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في الولايات المتحدة، سيطرت الحيرة على العديد من المراقبين بسبب موقف تركيا من الصراع مع المجموعة الإرهابية.

على المستوى الرسمي، تؤكد تركيا استعدادها للقيام بدورها كاملًا في التحالف، ولكن بشرطين كررهما رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو في كلمة له أمام البرلمان التركي. الأول، يجب على التحالف الدولي الموافقة على خطة للإطاحة بنظام بشار الأسد، والثاني، يجب أن يفرض الحلفاء منطقة حظر جوي على شمال سوريا ومنطقة آمنة على الأرض.

إن فكرة إزاحة الأسد لم تعد لها أولوية لدى الغرب، فلا زال الرئيس السوري يحظى بدعم موسكو وطهران، وهو ما يجعل الحصول على موافقة مجلس الأمن أمرًا مستحيلًا. وهو ما يثير تساؤلات حول قيام تركيا بالترويج لتحرك سيحظى بمعارضة روسيا وإيران، اللتان توفران نسبة 76% من احتياجات تركيا من الغاز.

إلى جانب ذلك، فإن الفظاعات التي ارتكبها تنظيم الدولة تفوق ما ارتكبه نظام الأسد من جرائم – كما أشار مستشار للرئيس التركي – ويصعب تبرير أي تراخٍ غربي في التحرك ضدها. فضلًا عن أن التنظيم يهدد حياة مئات الآلاف من الأكراد السوريين وتركيا وحلفاءها الغربيين.

وبالنسبة لشرط منطقة حظر الطيران، فإن خبراء عسكريين غربيين يعتقدون أنه فات أوان ذلك، فربما كانت تلك فكرة مفيدة في 2011 أو 2012، عندما كان نظام الأسد يشن هجومًا بلا هوادة على المدنيين في الشمال السوري، ونتيجة للفظائع المرتكبة من قبل الأسد وتنظيم الدولة، فر نحو مليون ونصف سوري ولجأوا إلى تركيا.

يسيطر تنظيم الدولة حاليًا على حوالي 250 كيلومترًا من الحدود السورية مع تركيا، بينما تسيطر بقية المنظمات الإرهابية على جزء كبير من الحدود السورية مع محافظة هتاي التركية، وهو ما يعرض منطقتين لخطر شن تنظيم الدولة لهجوم تطهير عرقي في عفرين والقامشلي السوريتين، اللتان تسكنهما أغلبية كردية.

إن فرض منطقة آمنة على الأرض قد يوفر الأمان للمدنيين في هاتين المنطقتين ولكنه سيكون بلا فائدة في حالة عدم شن هجوم بري شامل على المناطق الخاضعة لسيطرة الجهاديين.

كل ما سبق يثير تساؤلات حول ثبات تركيا على مبادئها: هل أنقرة مستعدة لحماية الأكراد السوريين عبر الحدود في الوقت الذي تزعم فيه أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري يتبع حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا منظمة إرهابية مثل الدولة الإسلامية؟ وهل لن يدفع فرض منطقة حظر جوي قيام الأسد بشن قصف على المنطقة؟

إن الوقائع السياسية في المنطقة تتغير بسرعة بما يوفر فرصًا جديدة. لقد بدأ حزب الاتحاد الديمقراطي في تغيير سلوكه السياسي، فإذا خفف من حدة تصريحاته تجاه تركيا والتزم بعدم التعامل مع حزب العمال الكردستاني، فقد يصبح أفضل قوة ردع في مواجهة تنظيم الدولة، وذلك بمعاونة من أكراد العراق.

فهل يمكن لأنقرة التوافق مع مثل هذا السيناريو في ضوء المكاسب العسكرية السريعة التي يحققها تنظيم الدولة في سوريا والعراق؟

الاستفسار الأحدث أتى بعد مهاجمة الرئيس أردوغان لاتفاقية سايكس بيكو التي وضعت الحدود الحالية لبلاد الشام، وقد صدم المراقبون الغربيون من التوافق بين تصريحات أردوغان وما عبر عنه تنظيم الدولة الإسلامية في يونيو الماضي عندما هدم الحدود بين العراق وسوريا والتي هي جزء من اتفاقية سايكس بيكو.

إن شن عملية ضد نظام الأسد أمر غير مطروح لدى الغرب وسيسبب المتاعب لتركيا، كما أن إقامة منطقة حظر جوي سينجح فقط إذا كان دفاعًا عن أكراد سوريا أو كان جزءًا من هجوم بري شامل ضد الدولة الإسلامية، وبخلاف ذلك سيرتكب الجهاديون المزيد من المذابح بحق أكراد سوريا الذين سيفرون إلى تركيا، وإذا زادت معاناة الأكراد، فإن عملية السلام بين تركيا والأكراد ستتعرض لخطر الانهيار.

بالنظر إلى تاريخ العلاقة بين تركيا والانفصاليين الأكراد والتغير الحاصل في المنطقة، هل يجب على أنقرة بناء تحركاتها على الماضي؟ أم يجب عليها أن تعيد النظر إلى أكراد سوريا على أنهم حلفاء محتملون كما فعلت مع حكومة إقليم كردستان العراق قبل أعوام؟ إن مثل هذا التحالف سيحمي عملية السلام مع الأكراد وسيتصدى لتهديد الدولة الإسلامية والفوضى المحتملة التي قد يجلبها على البلاد.

إذا حققت أنقرة مثل هذا التحول السياسي، ستحظى بدعم غربي كوسيط سياسي وسيقدم المساعدة لها في جهود الإغاثة الإنسانية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد