تنعم الإمارات باقتصاد وطني يحقق معدلات عالية النمو في ظل عائد نفطي كبير، ومع هذا تعاني بلد الاستثمار والعمران الضخم من نسبة مرتفعة من البطالة بين مواطنيها.

لحل أزمة البطالة، توجهت الحكومة الإماراتية نحو التوطين في القطاع الخاص، بعد أن وصلت نسبة التوطين في القطاع العام لحوالي 79%، إذ تنخفض نسبة توظيف المواطنين الإماراتيين في القطاع الخاص الذي يستهدف بشكل أساسي الأجانب، لكن هناك الكثير من الأسباب المتسببة في إعاقة التوطين في القطاع الخاص، الذي يعد عصب الاقتصاد الوطني الإماراتي، منها ما يتعلق بثقافة المواطن الإماراتي الذي لا يعجبه التوظيف في هذا القطاع، كونه أقل في الراتب وأكثر في ساعات العمل من نظيره العام، كما أن العمل به يفقد الفرد المركز الاجتماعي المرموق، بالإضافة إلى تفضيل أرباب العمل في القطاع الخاص توظيف الأجانب عن المواطنين.

البطالة في الإمارات

يشكل الأجانب في الإمارات نحو 86% من السكان، البالغ عددهم 9.5 ملايين نسمة، إذ جذبت فرصُ العمل في المشاريع والمؤسسات الخاصة والأنشطة الاقتصادية المتنوعة هؤلاء القادمين من الهند وباكستان وبنجلادش، لتحسين ظروفهم الاقتصادية، لكن هذه العمالة نالها الكثير من حملات التسريح مؤخرًا نتيجة حملة التقشف التي أعلنت عنها الإمارات بعد أن تأثر اقتصادها بانخفاض أسعار النفط عالميًا.

برزت أيضًا مشكلة أمام الحكومة الإماراتية تتعلق بارتفاع نسبة البطالة بين مواطنيها، إذ تصل نسبة البطالة بين المواطنين من 11% – 13% من إجمالي القوى العاملة، وتتحدث بعض المصادر عن وصول نسبة البطالة إلى 23 بالمائة بين الإماراتيين في ظل عدم وجود إحصاءات رسمية معلنة. يقول الخبير الاقتصادي العراقي المقيم في الإمارات وضاح ألطه: «إن انخفاض أسعار النفط، ترك أثرًا واضحًا على خطط التوظيف عمومًا في الخليج، ولا سيما في الإمارات»، وتابع ألطه: «من المتوقع في حال استمرار تراجع العوائد، أن تتجه بعض الشركات الإماراتية إلى تبني إجراءات أكثر صرامة عند وضع ميزانياتها، وهناك انخفاض بالفعل في مستويات التوظيف، وخاصة في قطاعات النفط والغاز والتشييد والبناء».

وتظهر ورقة عمل أصدرتها جامعة الإمارات للشؤون الأكاديمية في أبريل (نيسان) الماضي، سبعة أسباب وراء تزايد معدل البطالة بين مواطني الإمارات، أول هذه الأسباب حالة الركود الاقتصادي العالمي، وانعكاساته على الاقتصاد المحلي، والسبب الثاني ارتفاع معدلات النمو السكاني، دون خلق واستحداث فرص عمل جديدة، أما فيما يتعلق بالسبب الثالث فهو عدم مواكبة التعليم في بعض الأحيان للتطور التكنولوجي، والرابع نتيجة غياب التنسيق بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، ويخص السبب الخامس سياسات استقدام العمالة الوافدة بطريقة الباب المفتوح، دون ضوابط تحد من تعدد جهات الاستقطاب، ولم تستثنِ ورقة العمل عدم مساهمة القطاع الخاص بشكل كبير، ولا سيما شبه الحكومي، في استيعاب الخريجين المواطنين بوصفه سببًا في البطالة.

ورغم أن البطالة مشكلة لها أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إلا أن الأخطر هي الأبعاد الأمنية التي تعتبرها الحكومة الإماراتية وقودًا للإرهاب، وكما يقول مدير جامعة الإمارات محمد عبد الله البيلي: «العاطلون عن العمل يمثلون عجينة ليّنة للاستغلال، من حيث المال أو من باب الدين، وهي تدفع إلى اليأس، الذي بدوره قد يدفع الشباب إلى الانخراط في الجريمة والإرهاب»، معتبرًا أن: «مشايخ الإرهاب يجدون في أوساط العاطلين، الشباب الجاهز للتجنيد، لا سيما أنهم يلعبون على وتر الدين والحوريات«.

التوطين في القطاع الخاص

تمكنت الإمارات من قطع شوط كبير في توطين الوظائف في القطاع العام، وكان المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي ناقش مؤخرًا خطة لتطبيق التوطين بنسبة 100% في الوظائف الحكومية بحلول عام 2023.

ويصطدم جهد الإمارات بتبعيات انخفاض أسعار النفط، والذي أدى إلى تباطؤ برامج التوطين المعلنة في القطاع العام، وساد اعتقاد لدى الإماراتيين شهورًا طويلة أن انتظار الوظيفة في القطاع الحكومي أمر لم يعد واقعيًا، وتبددت آمالهم في وظيفة أو عمل مناسب في المجالات الحكومية، وبعد أن بلغت نسبة التوطين في كافة دوائر ومؤسسات الحكومة الإماراتية نحو 79%، توجهت الحكومة نحو التوطين في القطاع الخاص، كأحد أهم المبادرات لحل أزمة البطالة وتحقيق توظيف وتطوير للموارد البشرية في هذا القطاع على وجه التحديد، بخلق كوادر وطنية قادرة على أخذ زمام التنمية من خريجي الجامعات والمعاهد والكليات.

وتعمل الإمارات على الإحلال التدريجي لمواطنيها في هذا القطاع ضمن خطة زمنية تمتد بين خمس إلى عشر سنوات، وقد حُدد العام 2013 عامًا للتوطين، وبدأت فيه تنفيذ العديد من مبادرات التوطين، وتعمل الحكومة الإماراتية على تحفيز القطاع الخاص على مضاعفة نسب التوطين إلى عشرة أضعاف.

لماذا فشل التوطين في القطاع الخاص الإماراتي؟

سعت الحكومة الإماراتية بجدية لمشاركة مواطنيها في القطاع الخاص كحل لمواجهة البطالة واستقطاب الكفاءات الوطنية ورفع الإنتاجية على يدها في هذا القطاع، وأيضًا لتحقيق توازن نصت عليه التشريعات الوطنية وبرامج معايير الجودة والكفاءة.

ومع هذا لم تفلح الجهود الحكومية الإماراتية بدفع المواطنين نحو العمل في القطاع الخاص، فرغم الجهد المستمر ما زال الإماراتيون يفضلون «البطالة الاختيارية» على وظائف لم يقتنعوا بها في القطاع الخاص، وتظهر الأرقام أن القطاع الخاص شهد تسربًا كبيرًا من موظفيه المواطنين الذين لم يستطيعوا المكوث فيه أكثر من سنة أو عدة أشهر، فقد سجل العام الماضي تسرب بنسبة 35% من بين الموظفين المعينين في القطاع الخاص.

ويفضل الإماراتيون وظيفة حكومية مريحة قصيرة الدوام وبتكاليف وظيفية أقل، براتب يمثل أضعاف راتب الوظيفة الخاصة، فالإماراتيون كما غالبية سكان الخليج ينظرون إلى وظيفة القطاع الخاص على أنها أقل جاذبية وأقل في المستوى الاجتماعي من الوظيفة الحكومية، كما يعتقدون أن القطاع الخاص لا ينعم برواتب وحوافز وترقيات مغرية، إضافة إلى أنه يتميز بضغط العمل ويحتاج إلى خبرة عملية مميزة، كما توجد قناعة لدى أصحاب المؤسسات الخاصة بأن المواطن الإماراتي لديه ضعف في ثقافة العمل، مما يضعف جديته والتزامه في العمل، وهم مضطرون للتهرب من توظيف مواطن يكلفهم الكثير من المطالب المادية والمزايا العينية عن الموظف الوافد، ويرى البعض أن الحكومة الإماراتية تتحمل مسؤولية ضعف التوطين في القطاع الخاص، فبرامج توطين الوظائف غالبًا ما تكون ضعيفة التنظيم، وتتوقف بعد بضع سنوات من انطلاقها ثم يعاد استئنافها كحل فيما بعد.

وينتقد البعض الحكومة الإماراتية أيضًا في عدم توفيرها قاعدة بيانات وطنية شاملة للقوى العاملة، وخطط التوطين في الإمارة، ويفتقد القطاع الخاص للتهيئة من أجل استيعاب المواطنين، كما أن برامج توطين الوظائف لا تقدم حوافز كبيرة على الإصلاح. يقول الأكاديمي النمساوي بجامعة الإمارات العربية «أنجو فورشتينلتشنر»: «القطاع الخاص هنا مصمم للاستغلال، ليستغل المستثمرون الأجانب وأصحاب النفوذ من المواطنين عمالة أجنبية مؤقتة ورخيصة، فهو ليس مصممًا لتوظيف عمالة دائمة محلية«.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد