عندما انطلقت موجة الاحتجاجات الشعبيّة التي عرفت بـ«الربيع العربي» سنة 2011، لم تكن المملكة الأردنيّة مستثناة من موجة الاحتجاجات هذه التي طالت الكثير من البلدان العربيّة؛ إذ شهد الشارع الأردنيّ عدّة احتجاجات شعبيّة عارمة بمطالب متنوّعة، ومنذ ذلك الحين، تلقّت الحكومة الأردنية 10 مليارات دولار، إعانات وقروض ماليّة لتحفيز اقتصادها وتجاوز المشاكل التي يعاني منها.

لكن وبعد أكثر من ثماني سنوات على تلك الاحتجاجات، ما زال الأردن يعاني من نسبة بطالة مرتفعة جدًّا تصل إلى 18.5%، ممّا يجعل إمكانية اندلاع احتجاجات شعبيّة أمرًا قائمًا في أي لحظة، يجعل استقرار النظام على «كفّ عفريت».

ويُرجع البعض المشاكل العميقة التي يعانيها الاقتصاد الأردني، ونِسب البطالة المرتفعة إلى الظروف الإقليميّة الصعبة، والحروب التي اندلعت في جواره منذ 2011، إذ إن إغلاق الحدود مع كل من العراق وسوريا بعد بدء الحرب فيهما وتمدّد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بالإضافة إلى العدد الضخم من اللاجئين الذين استقبلهم الأردن، والذي يقدّر بـ1.4 مليون لاجئ، كلها حملّت الاقتصاد الأردني -الذي يعاني أصلًا- أعباء إضافيّة، ولم تنجح الإعانات المالية التي تقدّر بمليارات الدولارات في معالجتها.

مهندس من بين كل 65 أردنيًّا.. وشبح البطالة ينتظر الخرّيجين

شهد الأردن في صيف 2018 احتجاجات عارمة ضدّ قانون الضريبة الجديد، وسرعان ما توسّعت الاحتجاجات في ظلّ نسب بطالة قياسيّة يعيشها المجتمع الأردني، خصوصًا لدى فئة الشباب حاملي الشهادات العليا؛ إذ إنّ المعضلة التي يعجز الاقتصاد الأردني عن حلّها هي حملة الشهادات العليا والمتعلّمون، الذين يُحالون فور تخرّجهم في الجامعات إلى البطالة. وتصل نسبة البطالة عند هذه الفئة إلى 23.2%، ممّا يشكّل تحدّيًا كبيرًا للحكومة الأردنية لدى فئة كبيرة من الشباب، خصوصًا أن الأردن يبقى أحد أكثر البلدان في نسبة عدد المهندسين لعدد السكان، فواحد من بين كل 65 أردنيًّا هو مهندس.

ومثل العديد من البلدان العربيّة، تعدّ فئة الإناث الأكثر تضرّرًا من ظاهرة البطالة، إذ إنّ نسبة النساء العاطلات عن العمل تبلغ أرقامًا قياسيّة تصل إلى 27.8%. وحسب باحثين، ترجع أسباب نسب البطالة المرتفعة بشكل كبير مقارنة بنسبة البطالين الذكور -المرتفعة أساسًا- إلى الأوضاع الاجتماعية غير المساعدة للمرأة على العمل، مثل توفّر دور الحضانة، والعبء الذي تشكله العاملات للكثير من أصحاب الشغل في القطاع الخاص، من خلال إجازات الأمومة المدفوعة، ورفض العمل في الورديّات الليلية، على عكس الذكور، هذا بالإضافة إلى خروج المتزوجات من سوق العمل مباشرة بعد الزواج، وهي العوامل التي تجعل أرباب الشغل يفضّلون توظيف الذكور.

«واشنطن بوست»: حراكٌ شبابي لم يشهده الأردن من قبل.. وهذه مطالبهم

وفي ظلّ عجز الحكومة عن توفير مناصب شغل للخريجين الجامعيين، وبحُكم عدم امتلاكها لموارد طبيعيّة مهمّة، عكس محيطها الخليجي الذي يسبح في برك هائلة من البترول والغاز، يتّجه الآلاف من الخريّجين وطالبي الشغل للسفر إلى البلدان المجاورة من أجل الحصول على وظائف في القطاعات الاقتصادية المختلفة. وقد أظهرت استبيانات للرأي أنّ غالبيّة العمالة الأردنيّة في الخليج من فئة الشباب الأقل من 40 سنة، أكثر من 80% منهم ذوو شهادات جامعيّة عُليا ما بين البكالوريوس، والماجستير، والدكتوراه. وبالتالي فإن اليد العاملة المتعلّمة تعليمًا جامعيًّا تتّجه بأعداد هائلة إلى الخليج من أجل الحصول على وظيفة شغل، في ظلّ وضع الاقتصاد الأردني الذي يعجز عن توفير وظائف لخرّيجي الجامعات، أو بسبب طبيعة الوظائف التي وصفها من شاركوا في الاستبيان بأنّها «غير مُجدية».

السفر إلى الخليج.. حبل نجاة الشباب الأردني الذي يكاد ينقطع

تشير بعض الإحصائيّات إلى أنّ عدد العمّال الأردنيين في الخليج العربي بمختلف دُوله يبلغ 700 ألف عامل، يعمل أغلبيّتهم في السعودية، ويساهمون في الاقتصاد الأردني مساهمة كبيرة؛ إذ تبلغ سنويًّا تحويلاتهم الماليّة 3 مليارات دولار.

«ميدل إيست آي»: في أغلى مدينة عربية.. من يحرك الاحتجاجات الشعبية في الأردن؟

لكن حلم السفر إلى الخليج العربي والعمل هناك الذي كان في السابق أحد الحلول للكثير من الشباب للهروب من شبح البطالة، لم يعُد يحظى بالإغراء نفسه، خصوصًا بعد الإجراءات الجديدة التي اتخذتها الحكومة السعودية تجاه العمالة الأجنبيّة، من خلال إقرارها ضرائب جديدة عليها، وسياسة «سعودة» الوظائف التي انتهجتها مؤخّرًا، بالإضافة إلى توتّر العلاقة بين الخليج والأردن في ملفّات إقليميّة، من بينها دور الأردن في حرب اليمن، والأزمة الخليجيّة بين السعودية وقطر.

وتحظى السعودية بنفوذ كبير داخل الاقتصاد الأردني، سواء من خلال العمالة الأردنية الهائلة المتواجدة بها، أو من خلال مِنحها الماليّة ودعمها للخزانة الأردنية، ففي سنة 2012 مثلًا، دعمت السعودية الحكومة الأردنية بأكثر من مليار دولار من المساعدات والاستثمارات في مختلف المجالات، وهو ما انعكس إيجابًا على الاقتصاد، وكانت ذات السنة قد شهدت أقل نِسب البطالة منذ سنة 2000، إذ بلغت 12.2% من مجموع السكّان، وجاءت هذه المنح من أجل محاولة تجنيب الأردن موجة الاحتجاجات الملتهبة التي أطاحت عدّة أنظمة سياسيّة في تلك الفترة، وتهدئة الشارع الأردني.

Embed from Getty Images

احتجاجات في الأردن مايو (أيّار) 2018

ولا يمكن للمطّلع على الاقتصاد الأردني أن يتجاهل مستوى اعتماده أساسًا على ارتباطاته مع دول الجوار، وتأثيراتها في المؤشرات الاقتصاديّة المختلفة، والتي من بينها نسب البطالة، ويمكن في هذا السياق الرجوع إلى أزمة سنة 1989 التي ضربت الاقتصاد الأردني، بعد تحالف الأردن مع العراق ومصر واليمن في «مجلس التعاون العربي»، وهو ما أدّى بالدول الخليجية إلى وقف المساعدات والمنح الاقتصادية الخليجية للأردن، بالإضافة إلى تراجع تحويلات المغتربين في الخليج، ما أدخل الاقتصاد في أزمة حقيقية نجم عنها تفاقم الاستدانة حدّ العجز عن سدادها، وهو ما أدى بالأردن إلى الاتجاه نحو صندوق النقد والبنك الدوليين للاقتراض.

ويمكن القول بأن لجوء الأردن إلى المؤسسات النقدية الدولية، ودخول الاقتصاد في حلقة الإصلاحات الهيكلية لتنفيذ شروط الصندوق وتوصياته، والمتمثلة في إعادة ضبط الإنفاق الحكومي، ورفع الحكومة يدها عن ملفّ التوظيف وتركه للسوق الحرّة؛ هو ما أدّى حسب دراسات إلى ارتفاع نسب البطالة إلى أرقام غير مسبوقة؛ إذ إن نسبة البطالة سنة 1982 كانت تقدّر بـ6.5%، وهو المعدّل القريب من المعدّل العالمي للبطالة، إلا أنّه قفز سنة 1987 إلى أكثر من الضعف بنسبة 14%.

«كأنك يا أبو زيد ما غزيت».. كيف انهارت طموحات الأردنيين في حكومة عمر الرزاز؟

هل تهدد نسبة البطالة المرتفعة استقرار النظام السياسي في الأردن؟

لا شكّ أن نِسب البطالة المرتفعة التي يشهدها الأردن تعدّ مشكلة كبيرة من الناحيّة الاقتصاديّة، لكن انعكاساتها على المستوى الاجتماعي والسياسيّ قد تكون أخطر. ففي دراسة أكاديميـّة لخالد محمود الزعبي بعنوان «أثر البطالة على الاستقرار السياسي في الأردن (2000-2014)»، يشير إلى أنّ البطالة تولّد لدى شرائح واسعة من العاطلين شعورًا عدائيًّا تجاه الدولة، وزيادة اليأس والإحباط، ممّا يزيد من احتماليّة قيام الاحتجاجات والانتفاضات الشعبيّة.

Embed from Getty Images

احتجاجات شعبيّة في الأردن يونيو (حزيران) 2018

وتشير الدراسة إلى أنّ الخطر الكامن في مشكلة البطالة بالنسبة للحالة الأردنية هي تركزها عند فئة الشباب، وهو ما يؤدي إلى تهديد الاستقرار الاجتماعي والسياسي، كما يؤثّر في شرعية النظام السياسي القائم، ويدفع الشباب إلى ممارسات غير قانونية، خصوصًا أن البطالة عند هذه الفئة تبلغ معدّلات خياليّة تصل إلى 62% كما حدث في سنة 2013، ويرجع ذلك في الأساس -حسب الدراسة- إلى الهوّة الفادحة بين احتياجات سوق العمل، ومخرجات النظام التعليمي.

وبالفعل، لم يسلم الأردن من التوتّرات السياسية وغضب الشارع في السنوات الأخيرة، إذ شهد عدّة موجات احتجاجيّة حاشدة كان آخرها مظاهرات «الدوار الرابع» في 2018، وأدّت في النهاية إلى تشكيل حكومة جديدة. وقد شهد الأردن منذ 2010 -حسب الدراسة- أكثر من 56 مظاهرة و13 عملًا من أعمال الشغب، وجرى استدعاء الجيش أكثر من مرّة لفض هذه التحرّكات الشعبيّة، كما شهدت عدّة حملات اعتقالات.

المصادر

تحميل المزيد