في 20 فبراير (شباط) الجاري، نشر «ساسة بوست» تقريرًا بعنوان «دروس لبقية العرب.. كيف نجحت حكومة المغرب في تقليص أزمة البطالة؟» تناول التقرير ظروف البطالة في المغرب، لكن بنظرة مركزة بعض الشيء على الرواية الحكومية، كما ناقش تحسن الأرقام الظاهري الذي حدث مؤخرًا وصورته الحكومة على أنه نجاح كبير حققته في مواجهة أهم أزمة اقتصادية تواجه اقتصادات المنطقة، وربما قد نصل إلى هذه النتيجة إذا ما ناقشنا الأرقام الحكومية بشكل مجرد، لكن هناك بعض التفاصيل في ثنايا هذه الأرقام تجعلها خادعة بالنسبة للبعض ولا تعكس الواقع بشكل دقيق.

في هذا التقرير سنحاول تناول هذه التفاصيل لتوضيح الرؤية أكثر، لنتمكن من مناقشة تفاصيل أزمة البطالة في المغرب بشيء من الواقعية، لكن قبل الخوض في هذه التفاصيل يجب معرفة أن تضارب الأرقام سمة أساسية لمعالم اقتصاد المغرب، بمعنى تغير الواقع والتوقعات بشكل دوري، وخلال فترات قصيرة، وهذا ما تحدثنا عنه سابقًا بشكل تفصيلي حول أرقام النمو الاقتصادي في البلاد خلال تقرير: «المعادلة المعقدة.. توقعات النمو الاقتصادي بالمغرب في تضارب مستمر».

هل تراجعت البطالة في المغرب حقًا؟

لا يختلف الأمر في البطالة عن النمو، فمن الصعب إصدار أرقام توظيف يُعتمد عليها في البلاد حتى الأرقام الرسمية، عمومًا نأتي إلى السؤال الأهم هنا، وهو: هل شهدت البطالة في المغرب فعلًا تحسن حقيقي؟

لكي نجيب على هذا السؤال فلننظر إلى آخر الأرقام الصادرة عن المندوبية المغربية السامية للتخطيط، وهي التي صدرت مؤخرًا حول معدل البطالة، بما أنها الأرقام المتوفرة، ويظهر فيها تراجع المعدل إلى 9.8% في 2018 من 10.2% في 2017، إذ أوضحت أن الاقتصاد المغربي خلق 112 ألف وظيفة العام الماضي، منها 21 ألفًا في المناطق الريفية، ارتفاعًا من 86 ألف وظيفة في 2017.

لكن بحسب الأرقام فقد بلغ عدد العاطلين عن العمل 1.168 مليون في 2018 بانخفاض 48 ألفًا فقط عن 2017، في الوقت الذي خلق الاقتصاد المغربي 112 ألف وظيفة على مدار العام، أي أن عدد العاطلين انخفض بنسبة أقل كثيرًا من الزيادة في الوظائف الجديدة، وهو ما يوضح الفجوة الكبيرة فيما تنجزه الحكومة لتوفير فرص عمل، والواقع المزدحم بالعاطلين.

كما أنه وبالنظر إلى الأرقام الصادرة عن البنك الدولي لا يبدو هناك تحسن ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية، فلم نصل بعد إلى النسب المحققة في 2011 و2012 و2013، إذ سجلت البطالة في هذه السنوات أدنى نسب في تاريخ المغرب تقريبًا، فإلى الآن تفشل الحكومة في التغلب على التحديات التي تواجه سوق العمل في البلاد، وفق تقرير صدر عن البنك الدولي في أبريل (نيسان) 2018، وتلخصت هذه التحديات في ثلاثة تحديات رئيسة، وهي نقص الاندماج بالسوق، فالشباب والنساء أقل اندماجًا في سوق الشغل، إذ إن مشاركة المرأة في اليد العاملة متدنية جدًا ولا تتجاوز 23%.

بالإضافة إلى بطء نمو الوظائف؛ إذ لا تكفي فرص العمل الجديدة لاستيعاب تدفُّق السكان في سن العمل، وسط غياب كبير للشركات الصغيرة والمتوسطة، بينما يتمثل التحدي الثالث في تدني جودة الوظائف، فسوق الشغل المغربي يغلب عليه الطابع غير الرسمي، في ظل بطء نمو الوظائف غير الفلاحية، وافتقار العمال إلى آليات كافية للحماية والحوار الاجتماعي.

معالم الأزمة واضحة والحلول معروفة.. ولكن!

ربما من يقرأ عن مشكلة البطالة في المغرب يظن أنها مشكلة يستحيل حلها، لكن كيف يراها الاقتصاديون؟ أحمد كشيكش، الباحث الاقتصادي المغربي، يرى أن هناك ملاحظتين رئيسيتن لإدراك أزمة البطالة في البلاد، الأولى هي أن فرص العمل التي يخلقها السوق كل عام أقل كثيرًا من عدد الوافدين الجدد إلى السوق، أم الثانية، فهي أن معدل البطالة عند الشباب يتجاوز بشكل مستمر ضعف المعدل الوطني المعلن، وهذا الاختلال في ميزان العرض والطلب يرجع، من جهة، إلى ضعف قدرة النسيج الإنتاجي المغربي على خلق معدلات نمو مرتفعة ومستديمة نتيجة إلى ضعف الاستثمار، ومن جهة أخرى، فالنظام التعليمي والتكويني المغربي غير قادر أن ينتج يدًا عاملة تمتلك المهارات والمؤهلات التي يحتاجها سوق الشغل.

ازدهار على الورق فقط.. كيف التهم صندوق النقد الدولي الاقتصاد المغربيّ؟

ويقول كشيكش خلال حديثة لـ«ساسة بوست» إن المشكلة كبيرة وعميقة، ولا حل سحري لها، بل بالعكس، الخطوط العريضة لحل هذا المشكلة واضحة وجلية وتنقسم إلى قسمين، الأول هو تحفيز الاستثمار في القطاعات الأكثر حاجة إلى اليد العاملة، وهو أمر لا يمكن تحقيقه بدون استخدام الحكومة لترسانتها الكاملة في محاربة الفساد والبيروقراطية، بالإضافة إلى تقديم دعم كبير لتمويل المشاريع الصغرى والمتوسطة.

أما القسم الثاني فهو إعادة النظر بشكل كبير في النظام التعليمي المغربي العام، فالطالب المغربي يصل إلى البكالوريا، وهو غير مؤهل لا لإدماجه في سوق الشغل، ولا لإكمال دراسته في الجامعات المغربية، وهي الجامعات التي لا تمتلك هي الأخرى القدرة على تكوين خريجين مؤهلين لولوج سوق الشغل، على حد ذكر كشيكش.

البطالة بين خريجي الجامعات.. المؤشر الأكثر واقعية

ربما ترى أرقام البطالة في المغرب بشكلها الإجمالي مخيف ومقلق، لكن كما ذكرنا فإن التفاصيل هي التي توضح الواقع أكثر، وكما يقال الشيطان يكمن في التفاصيل، وبالنظر إلى تفاصيل أرقام البطالة في البلاد نجد أن الواقع يصل إلى حد الكارثية، فوفق أرقام هيئة الإحصاءات المغربية عن 2017، فإن نسبة البطالة بين الشبان الذين تراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا 26,5% مع معدل، بينما تصل النسبة إلى أكثر من 42% بين شبان المدن.

كما تشير التقديرات إلى أن عدد الطلبة في الجامعات سيرتفع بنسبة 50% خلال السنوات القليلة القادمة، ثلث هذه الزيادة سيكون معرضًا للبطالة، وهو ما يعني أننا أمام موجة منتظرة من ارتفاع معدل البطالة في البلاد، كما توضح الأرقام أنه على مدى الخمس سنوات الأخيرة فشل نحو 20 ألفًا من مجموع 60 ألف خريج جديد سنويًا من خريجي الجامعات المغربية في الحصول على وظيفة.

Embed from Getty Images

ويقول كشيكش: إن خريجي الجامعات في بلاده أكثر عرضة للبطالة من غيرهم؛ لأنهم في الغالب لا يقبلون بالوظائف التي لا تتطلب المهارات التي أكملوا من أجلها تعليمهم الجامعي، كما أن هذه الوظائف بطبيعتها تدر دخلًا متواضعًا لا يرقى لتطلعات هذه الفئة.

وبحسب كشيكش فإن القطاع الصناعي وقطاع الخدمات لا يخلقان وظائف متناسبة مع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، بينما القطاع الفلاحي الذي يمثل 14% من الناتج المحلي الإجمالي يستحوذ على حوالي 50% من مناصب الشغل الجديدة في البلاد، وذلك وفق إحصاءات 2017، وهو ما يجعل معدلات البطالة في المدن أعلى من الريف؛ كون أغلب الأنشطة الفلاحية تكون خارج المدن.

3 تحديات اقتصادية أمام المغرب بعد بداية ناجحة لـ«تعويم الدرهم»

فردوس الخاضر «28 عامًا»، الشابة المغربية من مدينة شفشاون، والتي لا يختلف حالها عن كثير من شباب المغرب الذين يقطنون خارج العاصمة، وبالرغم من أنها تعمل بدون عقد عمل ومعرضة لفقد وظيفتها في أي وقت، ترى أن حالها أفضل كثيرًا من صديقاتها اللاتي يبحثن عن عمل حاليًا منذ سنوات، ولم يجدن حتى الآن.

ووفق حديث الخاضر لـ«ساسة بوست» فإنها تتفق مع كشيكش، إذ تقول: إن الأزمة تبدأ من الدراسة الجامعية، وتوضح أن الاختيارات الموجودة في الجامعات لا تتناسب مع سوق العمل في المغرب، وهو ما تراه السبب الرئيس في تمدد البطالة في شريحة المتعلمين أكثر من غيرهم.

Embed from Getty Images

وتضيف الشابة المغربية التي تعمل كمدرسة بالمساجد لمحو الأمية، إنه من الصعب أن يتمكن شاب من إنشاء عمل خاص؛ وذلك بسبب صعوبة توفير رأس مال، لذلك يبحث الجميع عن العمل الحكومي، فإن البطالة على حد ذكرها، طالت أصحاب شهادات الماجستير والدكتوراه.

وتابعت: «الإصلاحات مستمرة دائما لكنها تظل حبر على ورق فقط، ومجرد كلام يخرج من أفواه المسؤولون، وفي النهاية يضطر خريجي الجامعة للعمل في البناء أو التجارة وهذه الأعمال يكون عائدها صغير يتراوح ما بين 1500 إلى 2000 درهم، بينما يضطر كثير من الخرجين العمل بغير شهادات البكالوريوس؛ وذلك لأن كثيرًا من الشركات تطلب المؤهلات الأقل».

الأرقام تؤيد وجهة نظر الخاضر وكشيكش، فالمغرب تحتل المركز الـ12 عربيًّا، والـ101 عالميًا في المؤشر العالمي لجودة التعليم العالي الصادر عن تقرير التنافسية العالمية لعام 2017-2018، وهو المؤشر الذي يقيس المؤشر جودة التعليم العالي والتدريب، في 137 دولة حول العالم، بينهم 14 دولة عربية، جاء ترتيب المغرب بالمركز الـ12 عربيًّا، وهو ترتيب متدنٍ جدًا، ويوضح حقيقة الوضع في البلاد.

لماذا لا يساعد معدل النمو الاقتصادي على تقليص البطالة؟

على الجانب الآخر حقق الاقتصاد المغربي تطور ملحوظ في معدلات النمو مؤخرًا، إذ نما بنسبة 3% خلال العام الماضي وتتوقع الحكومة نمو الاقتصاد 3.2% هذا العام، لكن هذا النمو لا نجد له أثر على معدلات البطالة، فما هو السبب؟

يمكن القول: إن الاقتصاد المغربي يعاني من خلل هيكلي كبير، إن النمو الاقتصادي للبلاد ما زال يرتهن بحجم التساقطات المطرية (الأمطار)، فحتى الآن لا يوجد فلاحة عصرية ولا بنية تحتية قوية، فهناك معاناة من إشكال بنيوي، وبالرغم من ذلك النمو يعتمد على القطاع الفلاحي وفقط، وهذا القطاع لا يلبي احتياجات خريجي الجامعات من الوظائف، وهم النسبة الأكبر من العاطلين كما ذكرنا، فهذا الخلل الهيكلي يفاقم البطالة بشكل واضح في المغرب.

Embed from Getty Images

معضلة أخرى أشار إليها تحقيق نشرته وكالة «رويترز» منذ أيام قليلة يتحدث عن أن الارتباك الحاصل في اللغة في المغرب، فالبعض لا يتم دراسته الجامعية لعدم العدة على تحدث الفرنسية، وبالرغم من أن اللغتين الرسميتين في المغرب هما العربية والأمازيغية، إلا أن معظم الناس يتحدثون العربية المغربية، وهي خليط من العربية والأمازيغية تتخللها كلمات من اللغتين الفرنسية والإسبانية.

أين يقع المغرب في أبرز المؤشرات العالمية لعام 2018؟

وفي الوقت ذاته يكون التدريس للأطفال في المدارس باللغة العربية الفصحى، بينما عندما يذهبون إلى الجامعة يتحول التدريس إلى الفرنسية، وبحسب التحقيق فإن اثنين من كل ثلاثة أشخاص لا يكملون تعليمهم في الجامعات العامة بالمغرب؛ لأنهم لا يتحدثون الفرنسية، هذا الأمر يعتبره صندوق النقد الدولي عائقًا كبيرًا أمام النمو الاقتصادي؛ إذ يشير الصندوق إلى أن نسبة البطالة بين الشبان تبلغ 25%، ويقارب متوسط الدخل السنوي 3440 دولار للفرد، وهو أقل من ثلث المتوسط العالمي.

الأزمة لا تتعلق بالدراسة فقط التحدي الأكبر هو القدرة على إجراء مقابلات الوظائف بالفرنسية، والعمل بنفس اللغة في حال كان الخريج يسعى للعمل في مجال تخصصه، وإذ لم يتمكن من التغلب على هذا التحدي، فسيكون لديه طريقان، إما البحث عن عمل في قطاعي الفلاحة أو الصيد، أو الانتظار في طابور العاطلين المزدحم، إذ دخل نحو 280 ألف خريج سوق العمل العام الماضي، في حين لم توفر الحكومة سوى 12 ألف وظيفة فقط، كما ذكرنا.

المصادر

تحميل المزيد