توصف القارّة الأفريقيّة بأنها القارّة «الشابّة» بسبب نسبة الشباب العالية فيها، والتي تصل إلى 63% تحت سنّ 25 سنة، مُقارنة بأوروبا «العجوز» التي لا تتجاوز نسبة الشباب فيها 30%، لكن هذه الفئات الواسعة من الشباب تعني أيضًا احتياجات وظيفيّة لهم، وهو ما تعجز عن تلبيته الكثير من الدول الأفريقيّة، من بينها تونس.

تفاقمت ظاهرة البطالة في المجتمع التونسي منذ الثورة التونسية سنة 2011، إذ عجزت الحكومات المتعاقبة منذ 2011 عن إيجاد حلول ناجعة لهذا الملفّ الذي يهدّد استقرار المجتمع، خصوصًا أن الحالة التونسيّة تشهد مفارقة استثنائيّة، متمثّلة في أنّ 40% من البطّالين هم من المتعلّمين وأصحاب الشهادات العُليا.
جحافل البطّالين ذوي الشهادات العليا كانت الوصفة المُثلى لمشاكل اجتماعيّة عميقة في تونس، إذ إن الآلاف من الشباب المتعلّم الذي لا يجد وظائف قرّر ركوب القوارب الخشبيّة المهترئة وقطع البحر الأبيض المتوسّط إلى الضفّة الأوروبيّة، لعلّه يحظى بظروف أحسن.

لكن أخطر الظواهر التي شهدتها تونس، والتي يربطها أكاديميّون بتفشيّ البطالة؛ هي انضمام أعداد كبيرة من الشباب التونسي إلى الجماعات المسلّحة للقتال في الحرب السوريّة.

Embed from Getty Images

ولعل أبرز المشاكل التي تعاني منها تونس؛ هي نسبة البطالة عند حاملي الشهادات العليا، والتي تقدّر بحوالي 30%، أي أكثر من رُبع مليون عاطل. لكن المُفارقة الكُبرى هي أنّ البلد الذي وصلت فيه معدّلات البطالة إلى نسب مُخيفة كانت آخرها 15% حسب المعهد التونسي للإحصاء، يُعاني من شُح اليد العاملة في المجال الفلاحي الذي يمثّل نسبة 14% من الناتج الوطني الإجمالي، ويشغّل 20% من القوى العاملة. مما يدفع الفلاّحين للاستعانة بالعمالة الأجنبية المتمثّلة في المهاجرين الأفارقة ذوي الأجور الزهيدة.

إذ تعتمد البلاد على آلاف المهاجرين من دول جنوب الصحراء، البالغ عددهم 60 ألف مهاجر، لجني المحاصيل الزراعية، ليشغلوا مناصب شغل مؤقّتة في طريقهم إلى أوروبا. وبالتالي يعاني قطاع التوظيف في تونس من انفصال بين سوق العمل واحتياجاته، وبين نِسب بطالة مرتفعة لدى الخرّيجين الشباب بمؤهّلات عالية.

راشد الغنّوشي.. «عرّاب النهضة» الذي قد يقلب ترشّحه لرئاسيات تونس الساحة السياسية

تُونسان: شمال يحتكر الفرص الاقتصاديّة وجنوب يعاني البطالة

في بداية سنة 2018، شهدت تونس موجة جديدة من الاحتجاجات التي خرجت للشارع مندّدة بالأوضاع الاقتصاديّة والضرائب الجديدة، ويُلاحظ أنّ أبرز المحافظات التي اندلعت فيها الاحتجاجات هي المحافظات الشمالية الغربيّة والتي تعاني من ارتفاع في نِسب البطالة، ممّا يؤشّر على أنّ مشكل البطالة يبقى من بين أبرز المشاكل التي تهدّد استقرار الشارع التونسي، وتجعله عُرضة للاضطرابات الاجتماعيّة في كلّ حين.

توزيع نسب البطالة في تونس – المصدر

وعقب الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس بن علي سنة 2011، شهدت البلاد توتّرات أمنيّة شديدة تمثّلت في تفجيرات ضربت عدّة مناطق في تونس بالإضافة إلى مقتل جنود من الجيش التونسي في مواجهات مع مسلّحين متطرّفين في جبال الشعانبي غرب البلاد. هذه التوتّرات الأمنيّة التي تزامنت مع حالة سياسيّة هشّة، أدّت إلى تراجع قطاع السياحة بشكل حادّ، وهو القطاع الذي تعتمد عليه البلاد مصدرًا رئيسيًّا للعُملة الصعبة من خلال السيّاح الأوروبيين الذين يزورون المناطق الساحلية التونسية، كما أنّه يخلق العديد من الوظائف الموسميّة التي تخفّف من وطأة مشكلة البطالة في تونس، خصوصًا للشباب المتعلّم الذي يعاني من صعوبة دخول سوق العمل وانعدام الوظائف المستقرّة أو ندرتها في مجال دراسته.

وقد تلقّى القطاع السياحي ضربة شديدة بعد حادثة إطلاق النار الجماعي التي ارتكبها مسلّحون فتحوا النار على المصطافين في شواطئ سوسة، ممّا أوقع ضحايا بلغ عددهم 39 شخصًا بحسب إحصائيّات وزارة الصحة التونسيّة، أغلبهم من جنسيات أوروبيّة، ما جعل الآلاف من الأوروبيين يغادرون البلاد فورًا في الموسم السياحيّ، وأدّى لتكبّد القطاع خسائر فادحة يحاول التعافي منها تدريجيًّا.

هل ستقلب النقابة الأقوى في تونس موازين اللعبة السياسية؟

ففي سنة 2017، شهد القطاع السياحيّ تحسّنًا ملحوظًا، إذ نقلت وسائل إعلام عن وزيرة السياحة السابقة أنّ تونس استطاعت استقطاب أكثر من 6 مليون سائح، أدرّوا على اقتصاد البلاد أكثر من مليار دولار، وقد استمرّ هذا الانتعاش في سنة 2018.

الثورة التي كان الشباب البطّال وقودها سنة 2011 لم تأتِ بتغيّرات إيجابيّة في أوضاعهم، إذ شهدت نسب البطالة في أواخر سنة 2011 أي بعد شهور من الثورة التونسيّة، ارتفاعًا استثنائيًّا وصل إلى 18.9%، وذلك بسبب الأوضاع السياسيّة المتوتّرة وحالة اللااستقرار التي أثّرت على الاستثمارات الخارجيّة وقطاع السياحة، ورغم تراجعها في الثلاثي الرابع من سنة 2018 إلى نسبة 15.5% بعد أكثر من سبع سنوات من الثورة، إلاّ أنّها تبقى مرتفعة للغاية عن المعدّل العالمي البالغ حوالي نسبة  6%.

لكن البطالة وحدها ليست المشكل الوحيدة في الحالة التونسيّة، فتوزيعها المتمركز بشدّة في المناطق الجنوبيّة مقارنة بالمناطق الشمالية الساحليّة يُحدث تفاوتًا في الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة، ويولّد لدى سكّان الجنوب والمناطق الداخليّة والشمال الغربي شعورًا بالتهميش من طرف السلطة المركزيّة، وهو ما يؤدّي إلى عدّة موجات من احتجاجات شعبيّة كانت أبرزها تلك التي شهدتها البلاد في يناير (كانون الثاني) من 2018، إذ وقعت احتجاجات حاشدة واشتباكات مع قوّات الشرطة في مناطق مثل سليانة والقصرين والباجة، بالإضافة إلى سيدي بوزيد التي كانت مهد الثورة التونسية التي أطاحت بنظام الرئيس بن علي سنة 2011، إذ ينحدر منها محمد البوعزيزي الذي شكّل إحراقه لنفس شرارة اندلاع الاحتجاجات حينها.

وتكشف نسب البطالة الرسميّة عن هوّة فادحة في المستوى الاقتصادي بين الجنسيْن، إذ تبقى المرأة هي الضحيّة الأولى لهذا المشكل، فنسبة البطالة تصل إلى مستويات قياسيّة لدى الإناث مُقارنة بالذكور، إذ تبلغ حسب إحصائيّات المعهد الوطني للإحصاء في تونس نسبة تفوق 22.9%.

وقد سعت حكومة الشاهد إلى اتخاذ إجراءات لمعالجة ظاهرة البطالة، من بينها إقرار مدخول ماديّ ثابت لكل عاطل على العمل. كما أنّها حصلت على قروض من «صندوق النقد الدولي» هدفها تقليص البطالة في صفوف الشباب المتعلّمين، لكن مثل هذه المبادرات تبقى بعيدة عن إحداث تغيير حقيقي في مستويات البطالة التي تشهدها هذه الفئة.

الوتد الأخير ضد الاستبداد.. ماذا تعرف عن كفاح العمال من السودان إلى تونس؟

البطالة والتطرف

لكن الاحتجاجات والمظاهرات الشعبيّة والاضطرابات الاجتماعيّة و«الحرقة» ليست المشاكل الوحيدة المرتبطة بالمستويات القياسيّة للبطالة في تونس، إذ إنّها قد تؤدّي بالفئات المهمّشة إلى ترك حمل اللافتات والتظاهر ووسائل الضغط السلميّة، إلى مُعانقة السلاح.

ففي دراسة أكاديميّة لمعهد فرانكفورت لأبحاث السلام، وجد الباحثون أن الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة وأبرزها البطالة في كلّ من تونس ومصر ساهمت في دفع الشباب نحو التطرّف، وذلك من خلال تشجيعهم على استخدام العنف أو الانضمام إلى جماعات عنيفة التي وجدت في الشباب البطّال بيئة خصبة لتجنيدهم، كما أنّ هذه الأوضاع تُضعف شرعية الدولة ممّا يشرعن استخدام العنف ضدها.

وفي السياق ذاته؛ يُذكر أن الشباب التونسي كان من بين أكثر الجنسيّات المنخرطة في تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إذ بلغ عدد التونسيين في جيش التنظيم أكثر من 12 ألف، فيما قدّرت دراسة أخرى أعدادهم بـ 6 آلاف عضو.

Embed from Getty Images

وتعاني المناطق الشماليّة الغربيّة التي شهدت اشتباكات بين مسلّحين وبين قوّات الجيش والشرطة التونسيّة من التهميش والفقر ونِسب مرتفعة من البطالة، خصوصًا وهي كلّها العوامل التي ساهمت -كما يرى المراقبون- في تشجيع شباب هذه المناطق من الانضمام إلى الجماعات المسلّحة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد