يحتضن الوطن العربي عددًا ضخمًا من المواقع الأثرية المهمة، التي يعود تاريخها لقرون تتخطى آلاف السنين، وتشهد على حضارات تكشف عن أسرار لم يعرف العالم بعضها حتى الآن، لتنقل تراث الأجداد للأحفاد وكُتَّاب التاريخ، لكن بعض هذه الآثار معرض للزوال والاندثار، بالرغم من وجوده على قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونيسكو.

ويرصد موقع التراث العالمي التابع لليونسكو كل عام جانبًا من تلك الآثار العربية وأهم الآثار العالمية الواقعة في دائرة الخطر والمعرضة للزوال أو التدمير في القريب العاجل، بسبب ما تشهده من تدهور، والتي يبلغ عددها في العالم أجمع حتى الآن 52 أثرًا، وفي هذا التقرير نقف على سبعة من تلك المواقع الأثرية في ست دول عربية.

1- منطقة أبو مينا المصرية: أحد أهم أماكن الحج المسيحية

على بعد 12 كيلوًا من مدينة برج العرب بالإسكندرية عند الحافة الشمالية للصحراء الغربية، يمكنك أن تشاهد صرحًا مميزًا يكاد يتماسك ما تبقى منه، متشبسًا بماض عريق ومستقبل غامض؛ إنها منطقة أبو مينا الأثرية المسيحية التي يعود تاريخها إلى ما قبل ميلاد عيسى بن مريم، ما بين القرن الرابع والخامس قبل الميلاد.

مدينة أبو مينا. المصدر: موقع وزارة السياحة والآثار

تلك الأطلال التي صنفت موقعًا أثريًّا طبقًا للقرار رقم 698 في عام 1956، وجرى تسجيلها في عام 1979 على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ما زالت تعكس الحياة القديمة بها، حيث يمكنك أن تشاهد كنيسة، وبيت عماد، وبازيليك، ومؤسسات عامة، وشوارع، وأديرة، ومنازل، ومشاغل.

وبالرغم من إدراج المدينة على قائمة التراث العالمي لليونسكو فإنها ما زالت في خطر، ويضعها موقع التراث العالمي ضمن دائرة الخطر مع 52 موقعًا عالميًّا آخر مهددًا بالزوال، وذلك بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية والأملاح في المنطقة.

لكن كيف اكتسبت المدينة شهرتها وكيف أصبحت أحد أهم أماكن الحجيج المسيحية في العالم؟ تأتي قصة التسمية إلى القديس مينا، وهو مصري عاش في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع الميلادي، والتحق بالجيش الروماني، ثم فر من الخدمة عندما بدأ اضطهاد المسيحيين في عهد الإمبراطور «دقلديانوس» وأعلن مسيحيته؛ ما ترتب عليه صدور أمر رسمي بقطع رأسه، ليصبح بعد ذلك «شهيد المسيحية»، وباتت القرية التي احتضنت مدفن القديس مينا تحمل اسمه، ما جعلها تكتسب شهرة واسعة، وفي نهاية القرن الخامس ومطلع القرن السادس الميلادي أصبحت قرية أبو مينا ضمن أهم مراكز الحج المسيحية في مصر.

وطبقًا لوزارة الآثار المصرية فإن مدينة أبو مينا الأثرية تضم العديد من الأطلال ذات القيمة الدينية حيث المبنى الرئيسي: والذي يقع في الجزء الجنوبي من المنطقة السكنية القديمة، ويتكون من منطقة يتوسطها فناء متسع على شكل ميدان محاط بصفوف من الأعمدة، كان يتجمع فيه الحجاج الوافدون على المكان المقدس، أما الجزء الشمالي من الفناء، فيضم فندقين يتكونان من فناء داخلي حوله حجرات النزلاء.

أطلال مدينة أبو مينا – المصدر: موقع وزارة السياحة والآثار

وفي أقصى الشمال تجد حمامين مزودين بالمياه الساخنة اللازمة للحجاج بعد سفرهم الطويل، ويفتح الفناء القبلي على كنيسة المدفن والبازيليكا الكبيرة، وهي النموذج الأقدم كمكان عبادة للمسيحيين، واستوحي منها شكل الكنائس في عصرنا الحالي، وتسعى مصر من جانبها لمحاولة ترميم مدينة أبو مينا لخروجها من دائرة الخطر، في حين تضم مصر ستة مواقع أخرى أثرية ضمن قائمة التراث العالمي لكنها ليست تحت الخطر.

2- مدينة الخليل القديمة: رابع أقدس مدينة إسلامية

تعد مدينة الخليل رابع أقدس مدينة إسلاميَّة بعد مكة والمدينة المنورة والقدس، حيث يحتضن ترابها جثامين بعض الأنبياء وعلى رأسهم إبراهيم، ويعقوب، وإسحاق، ويوسف، بجانب كونها موقعًا مقدسًا في الديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلامية، ويعود تاريخ مدينة الخليل إلى أكثر من 6 آلاف سنة ويزيد، ورغم قدمها ما زالت تحتضن السكان حتى يومنا هذا، إلا أنها باتت ضمن قائمة التراث العالمي في دائرة الخطر، بسبب وضع القصف الإسرائيلي على فلسطين.

وكانت اليونسكو قد أعلنت في عام 2017 انضمام مدينة الخليل القديمة لقائمة التراث العالمي لما تمثله المدينة من مكانة تاريخية وإنسانية، بالإضافة إلى ما لعبته القيم الإنسانية وتبادلها في تطوير الشكل الخارجي والداخلي لعمارتها وتكنولوجية بنائها، وتخطيطها الحضري، ومشاهدها الثقافية.

مدينة الخليل القديمة (المصدر)

وما زالت مدينة الخليل محتفظة بنمطها المميز في العمارة، رغم مرور آلاف الأعوام، بلمسات هندسية ومعمارية تجذب الانتباه بألوان وتصاميم بجانب تخطيطها الحضري الذي يعكس جانبًا من الفترة المملوكية ولمسات الدولة العثمانية بشكل خاص في منازل الطبقات العلوية وعدد من البيوت المستقلة.

3- بلدة بتير الفلسطينية: أرض العنب والزيتون

سبق مدينة الخليل بدائرة تحت الخطر في فلسطين «أرض العنب والزيتون: المشهد الثقافي لجنوب القدس – بتير»، وأُدرجت بلدة بتير في قائمة الخطر بموقع التراث العالمي عام 2014؛ بسبب التحولات الجيوسياسية والاجتماعية والثقافية، مع إمكانية التسبب بأضرار تمس أصالة الموقع وسلامته، بصورة لا يمكن إصلاحها؛ بسبب بناء جدار إسرائيلي قد يعزل المزارعين المحليين عن الحقول التي زرعوها منذ مئات السنين، لتكون ثاني موقع فلسطيني تحت الخطر من أصل ثلاثة مواقع مسجلة في موقع التراث العالمي.

وتعود الأهمية الدولية الاستثنائية لبلدة بتير جنوب غرب القدس، إلى عمارة السناسل الحجرية الجافة للمدرجات الزراعية، والتي تجسد نموذجًا بارزًا لتطور المشهد الثقافي للمستعمرات البشرية القريبة من مصادر المياه، وتحويل الأراضي الوعرة إلى أراضي زراعية منتجة، كما تعبر عن ثقافة غنية عكست تفاعل الإنسان مع الطبيعة منذ آلاف السنين، وذلك من خلال ممارسة أنشطة وأساليب زراعية تقليدية.

أرض الزيتون والعنب المشهد الثقافي لمدرجات جنوبي القدس، بتير – المصدر: موقع وزارة السياحة والآثار الفلسطينية

4- تادرارت أكاكوس الصخرية الليبية: مواقع تعود إلى 21 ألف عام قبل الميلاد

لا تعد مواقع تادرارت أكاكوس الصخرية الواقعة على حدود طاسيلي ناجر الجزائرية، مهمة فقط في ليبيا، بل للتاريخ البشري بأكمله، إذ إنها عبارة عن لوحات جدارية تعكس تاريخ البشرية وتطور الحياة البدائية منذ قديم الأزل، فيعود أقدمها إلى 21 ألف عام قبل الميلاد تقريبًا، وأحدثها للقرن الأول الميلادي.

وعلى الرغم من أن هذا المرتفع الصخري يعج بآلاف الرسوم الصخرية التي تعكس تطورات حياة الإنسان البدائي وعلاقته بالبيئة، وتعامله مع الثروة الحيوانية والنباتية، فإنه على رأس المواقع التراثية الواقعة تحت الخطر المدرجة في 1985 والتي تحذر اليونسكو من زوالها في القريب العاجل بسبب الصراعات القائمة في ليبيا خلال العقد الأخير، وتضم كذلك ليبيا أربعة مواقع أخرى ضمن التراث العالمي وجميعها تحت الخطر.


جدارية من جداريات تادرارت أكاكوس الصخرية – المصدر – اليونيسكو

5- مدينة دمشق القديمة: أقدم عاصمة في التاريخ

تزخر دمشق القديمة، التي يعود تاريخها للألفية الثانية قبل الميلاد، بالعديد من الآثار المهمة التي يزيد عددها على 28 أثرًا يعكس تراث أجيال متعاقبة، وعلى رأسها الجامع الأموي وقبر صلاح الدين، وأبواب دمشق التاريخية، فهي  إحدى أقدم المدن في الشرق الأوسط وأقدم عاصمة في التاريخ. فقد عرفت هيئة المدن وتصاميمها وكذلك المعاملات من قرون مضت، فتجد بها القصور التاريخية، وكذلك الكنائس والمساجد القديمة، كما استمرت لعقود متتالية مركزًا لصناعة السيوف وأرقى الأقمشة والدانتيل؛ ما جعلها تنضم لقائمة التراث العالمي في عام 1979.

وحاليًا تقع دمشق على قمة المواقع التراثية الواقعة تحت الخطر بسبب الأوضاع السورية والصراعات السياسية في السنوات الأخيرة، وعمليات القصف التي تسببت في تدمير العديد من المعالم الأثرية المهمة في المنطقة.

دمشق القديمة – المصدر: موقع متاحفنا

وتضم سوريا خمسة مواقع أخرى مدرجة على قائمة التراث العالمي وجميعها تحت الخطر بسبب الصراعات والحروب وهي: مدينة بصرى القديمة، وموقع تدمر، ومدينة حلب القديمة، وقلعة الفرسان، وقلعة صلاح الدين، والقرى القديمة في شمال سوريا.

6- مدينة شبام اليمنية: أقدم مدينة ناطحات سحاب عرفها العالم

مبان ذات ارتفاع شاهق تجسد أول ناطحات سحاب عرفها التاريخ؛ إنها مدينة شبام القديمة وسورها التي يعود تاريخها إلى القرن 16، لتقدم نموذجًا شديد الدقة من التنظيم الداخلي والخارجي للمباني، وكيف قدمت للتاريخ مباني طينية متينة محفورة وسط الصخور بذلك الارتفاع، وصل أطولها إلى ثمانية طوابق، في حين بُني معظمها من خمسة طوابق بشكل هندسي بديع، وصمدت مئات السنين حتى وقتنا هذا، كل ذلك جعلها تنال لقب «مانهاتن الصحراء».

أدرجت مدينة شبام ضمن قائمة التراث العالمي في عام 1982 وفي 2 يوليو (تموز) 2015، باتت ضمن قائمة التراث العالمي تحت الخطر، بعد أن أعلن اليونسكو أنها تتعرض لأخطار محدقة؛ بسبب النزاع الدائر في اليمن، والذي يزيد من صعوبة المشكلات التي تواجهها الصيانة في هذه المدينة.

ورأى اليونيسكو أن إدراجها على قائمة التراث المهدد بالخطر يساهم في تعزيز الحشد الدولي لصالح هذا الموقع، ليس ذلك فحسب بل تسببت التقلبات المناخية هي الأخرى في أضرار بالغة في عدد من المنازل بسبب الأمطار التي تواجه العديد من العقبات في عملية ترميمها.

جانب من ناطحات السحاب في مدينة شبام اليمنية – المصدر: اليونيسكو

7- مدينة سامراء: أقوى العواصم الإسلامية مهددة بالزوال

تجدها متألقة رغم مرور الزمن على ضفاف نهر دجلة، على مسافة 130 كيلومترًا شمال العاصمة الحالية للعراق بغداد، حيث موقع المسجد الجامع ومئذنته الملوية، إنها مدينة سامراء مقر واحدة من أقوى العواصم الإسلامية التي مدت نفوذها خلال قرن من الزمن من تونس إلى وسط آسيا، والتي شيدت في القرن التاسع الميلادي.

أدرجت سامراء على قائمة التراث العالمي في 2007، وباتت الآن ضمن قائمة المواقع التراثية الواقعة تحت الخطر بسبب الصراعات السياسية وسيطرة المليشيات المسلحة عليها منذ 2014، وغيرها من الأزمات التي يشهدها العراق، وتمتد حدود المدينة بطول41.5 كيلومترات من الشمال إلى الجنوب، أما العرض فيتراوح ما بين أربعة وثمانية كيلومترات.

فيما تعكس المدينة واجهة ابتكارات هندسية وفنية فريدة من نوعها، مع مئذنتها الحلزونية التي يبلغ ارتفاعها 52 مترًا، وهي مقامة على قاعدة مربعة مكونة من مربعين اثنين؛ الأول بارتفاع ثلاثة أمتار، والمربع الثاني بارتفاع 120 سم، وانعكست بعد ذلك على باقي العوالم الإسلامية، كما أكد موقع التراث العالمي أن ما نشاهده هو فقط 20% من المدينة القديمة، وأن قرابة 80% من المدينة الأثرية لا يزال تحت التراب ويحتاج إلى تنقيب.

علوم

منذ 5 شهور
نقوش «طاسيلي» العجيبة: قصة كهوف جعلت «سيفار الجزائرية» أعجوبة الدنيا الثامنة

المصادر

تحميل المزيد