يبدو أن قرار الردع الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي مؤخرًا، ضد من يثبت تورطه من جنود قوات الأمم المتحدة في الانتهاكات الجنسية، داخل الدول المتواجدين بها لحفظ السلام؛ نابع من كثرة تردد التقارير والشكاوى والانتقادات.

وتعد هذه الخطوة الأولى من نوعها، في ظل تعاظم حالات الاستغلال الجنسي للأطفال والنساء على وجه التحديد، وتكرارها في الآونة الأخيرة في كلٍ من جمهورية إفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية.

القرار الذي اقترحته أمريكا، نص على إعادة وحدات بأكملها إلى أوطانها، في حالة الاشتباه بارتكاب انتهاكات أو استغلال جنسي، واستبعاد الجنود المذنبين عند عدم اتخاذ الدولة أي إجراء ضدهم.

والجدير ذكره أن نص الأمم المتحدة، سبقه كشف أممي الشهر الماضي، عن «فضائح» جديدة لقوات بعثة وحفظ السلام في إفريقيا، وتنامي ضحايا الاعتداءات الجنسية، وفقا لدراسات تم إعدادها في السنوات القليلة الماضية.

الأعوام القليلة الماضية أيضًا سجلت انتهاكات واضحة، تمحورت حول «هتك الأعراض، والتجارة فيها، والاستغلال الجنسي، والاغتصاب»، ما دفع المنظمات غير الحكومية، وحقوق الإنسان في الدول التي يتعرض أفرادها لذلك، فتح تحقيقات موسعة.

وثقت حينها أوراق المنظمات، أن الاعتداءات المتكررة على الأطفال والنساء لم تكن تقع من قِبَل الجنود فقط، وإنما قادتهم، وضباطهم، والمسؤولون الكبار على مُختلف المستويات الهرمية، ما دفع الأمم المتحدة إلى إقالة عدد من العاملين فيها بسبب ارتكابهم جرائم أخلاقية.

 

البداية عام 1990

الحديث عن قصص الانتهاكات الجنسية لم تكن وليدة اليوم، وإنما تم تسجيل أول جريمة مسجلة لانتهاكات قوات حفظ السلام إلى سنة 1990، حين كشفت عميلة الإنتربول، كاثرين بولكوفاك، عام 1990، تواطؤ موظفي الأمم المتحدة في الاتجار بالجنس، وتهريب الشابات من أوروبا الشرقية.

 

بينما في عام 2002 تم توثيق الانتهاكات من خلال تقرير أعدته مفوضية شؤون اللاجئين، ومنظمة «أنقذوا الأطفال» للتحقيق في مزاعم الاعتداء الجنسي، واستغلال اللاجئين في غينيا وليبيريا.

عام 2006 ليبيريا وهايتي تكشفان عن انتهاكات طالت مواطنيهما، من قبل قوات حفظ السلام، من خلال الاستغلال الجنسي للأطفال وسوء المعاملة، في حين سجل عام 2008 اتهامات بالجملة ضدهم بالاعتداء جنسيًا على الأطفال في جنوب السودان تحديدًا.

وفي عام 2012، قضت محكمة عسكرية باكستانية، بالحبس لأحد أفرادها العاملين في قوات حفظ السلام، بعد أن ثبت تورطه بالاعتداء الجنسي. وعلى هذا النحو كان الأمر، إلى أن تصاعد في السنوات القليلة الماضية.

بعض من انتهاكات قوات حفظ السلام الدولية

أحدث ما كشفته المنظمة، كان مطلع الشهر الماضي، حول فضائح جديدة لقوات بعثة حفظ السلام في إفريقيا الوسطى «مينوسكا»، وتورط عدد من أفرادها في جرائم استغلال جنسي واغتصاب، في الشهور الست الأخيرة من العام الماضي.

 

لذلك، فإن خمسة من الضحايا كانوا من القاصرين، وتعرضوا للإساءة الجنسية، والمتورطون من جمهورية الكونغو، وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وقد تم إخطار الحكومتين بهذه الادعاءات، وطلب منهما البدء في التحقيقات.

لم تكتف المنظمة بالتحقيق في الأمر فحسب، بل اتخذت تدابير عدة للتعامل مع هذه القضية، حيث أعادت 120 جنديًا من جمهورية الكونغو، بين 17 سبتمبر (أيلول) و14 ديسمبر (كانون الأول) 2015، وسينفذ إجراء الإعادة بعد التحقيق، في غضون ذلك، ستقتصر تحركات الجنود على ثكناتهم.

على غرار جنود الكونغو، برز تقرير آخر لنظرائهم الفرنسيين، واستغلالهم الجنسي لأطفال في إفريقيا الوسطى، وذلك قبل نشر قوة تابعة للأمم المتحدة، التي وجّهت لها منظمات غير حكومية تهمة التكتم على هذه الجرائم.

وفي الفترة الممتدة بين ديسمبر (كانون الأول) 2013 ويونيو(حزيران) 2014، وثقت المنظمة شهادات الأطفال المعتدى عليهم، إذ إن شدة الاتهامات بالاستغلال أو الاعتداء الجنسي تراجعا منذ 2009، لكن عاودا الارتفاع عامي 2012 و2013، ووقع ثلث هذه الحالات بين 2008 و2013 بقاصرين.

وفي أغسطس (آب) الماضي (2015)، سُرّح كبير مسؤولي الأمم المتحدة، من مهامه في جمهورية إفريقيا الوسطى، لفشله في اتخاذ إجراءات كافية لمعالجة حالات الاعتداء، إلى جانب فصل ألف جندي ممن ارتبطت وحداتهم بهذه الانتهاكات.

الكثير من هذه الاعتداءات كانت لفتيات قاصرات أيضًا، لا تتجاوز أعمارهن الـ14 عامًا، إذ إن العديد من الدراسات التي أجريت في البُلدان التي ينتشر فيها الصِّراع المسلح، أي التي تشهد نزاعات مستمرة، لفتت إلى أن مُعدلات استخدام الأطفال في تجارة الجنس زادت بسُرعة مع وصول القوات الدولية إليها.

وهو ما جعل سمعة الأمم المتحدة تتلطخ داخل أروقتها بعد سلسلة الفضائح لجنودها، وسط مطالبات بوضع حد لمرتكبي الجرائم الجنسية، لاسيما وأن الجنود لم يمثلوا أمامَ القضاء قطُّ، ولم يُعاقب أحدهم قطُّ، بل يتحرَّكون من بلد إلى آخر.

تعاطي الأمم المتحدة مع الجنود المتورطين

وفي تحقيق أجري العام الماضي لكشف ملابسات هذه الممارسات الجنسية، أكدت 231 امرأة من هايتي، أنهن مارسن الجنس مع جنود من قوات حفظ السلام، مقابل خدمات أو سلع، فيما أكدت سيدات في الأرياف أن نقص المؤونة والمواد الاولية والأدوية وانعدام الملجأ من الأسباب الرئيسية وراء هذه الممارسات.

UN HEADQUARTERS, NEW YORK, NY, UNITED STATES - 2016/03/10: USG for Field Support Atul Khare (center) attends the Security Council debate. In effort to address recent sexual abuse and exploitation allegations against UN peacekeeping forces -- a preponderance of which have been claimed against peacekeepers in the Central African Republic -- the United Nations Security Council heard a report from UN Secretary-General Ban Ki-moon and held a debate toward a draft resolution on the crisis. (Photo by Albin Lohr-Jones/Pacific Press/LightRocket via Getty Images)

مثل هذه التحقيقات والروايات، تكشف الهزة التي تتعرض لها الأمم المتحدة جراء الانتقادات الشديدة لجنودها في مناطق حفظ السلام، وعدم اتخاذها التدابير اللازمة إلا بعد تنامي المشكلة، وارتفاع معدل الانتهاكات الجنسية.

وتتعامل المنظمة مع الجنود الذين يثبت تورطهم في الأفعال المرتكبة، بترحيلهم، حيث تم ترحيل فرق كاملة من قوات حفظ السلام في إفريقيا الوسطى، بالإضافة إلى ممارسة الضغوط على الدول المساهمة في العديد من قوات حفظ السلام من أجل القيام بتحقيقات تنتهي بمعاقبة المتورطين.

إلى جانب إجراء الدول التي يثبت تورط الجنود الأمميون بالانتهاكات الجنسية إجراء تحقيقات في فترة زمنية لا تتجاوز الستة أشهر، وإنشاء محاكم عسكرية بدل من انتظار عودة الجندي إلى وطنه من أجل محاسبته.

فضلا عن تقديم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) الرعاية الطبية والنفسية والاجتماعية للأطفال، الذين يتعوضون للانتهاك على يد جنود حفظ السلام، بالتزامن مع ارتفاع حالات التعرض في دول أفريقيا الوسطى وغيرها.

وأصدرت منظمة الأمم المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي تعميمًا لموظفيها يوثق الحالات التأديبية خلال الفترة من يوليو (تموز) 2014 إلى يونيو (حزيران) 2015، ويعطي لمحة عامة عن سوء السلوك داخلها، والإجراءات التي اتخذتها القيادة ضد العاملين.

حيث أقيل أربعة موظفين لقيامهم بتخزين وتوزيع صور إباحية، بعضها للأطفال، وذلك باستخدام أجهزة الحاسوب والبريد الإلكتروني في المنظمة، إلى جانب و تخفيض رتبة موظف آخر بسبب تخزين مواد إباحية على حاسوب العمل.

والمتتبع لعمليات الكشف هذه، يدرك جيدًا أنها جاءت بعد تكتم صناع القرار داخل الأمم المتحدة على فضائح جنودها، والدعوة عبر منصاتها في كثير من الأحيان إلى ضرورة تعزيز قوات حفظ السلام الدولية، بسبب تفاقم النزاعات داخل مناطق الصراع؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد