يتّسع الكون بسرعة أكبر من قياس أي شخصٍ لمعدل الاتساع، أو التمدد، على المُستوى النظري. هذا الاكتشاف، يمكن أن يتسبب في وضع جزء من نظرية ألبرت أينشتاين في النسبية -أحد أعمدة علم الكونيات التي صمدت أمام التحديات لمدة قرن- في موضع اختبار مرة أخرى.

كيف حدث هذا؟

وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، ووكالة الفضاء الأوروبية، أعلنتا أن الكون يتوسع بشكل أسرع بنسبة 5% إلى 9٪ مما كان متوقعًا من قبل، هذا الاكتشاف وصل إليه العلماء باستخدام تليسكوب هابل الفضائي عبر قياس المسافة بين النجوم في 19 مجرة من المجرات الموجودة خارج حدود مجرة درب التبانة. المذهل أن معدل التوسع هذا لا يتطابق مع التوقعات التي استند فيها العلماء إلى قياسات الإشعاع التي خلفها الانفجار الكبير، وهو الانفجار الذي أدى إلى نشأة الكون المعروف منذ حوالي 13.8 مليار سنة.

وقد قال الفيزيائي والباحث الرئيسي وراء هذه الدراسة غير المتوقعة، آدم ريس: «أنت تبدأ مع نهايتين معينيتن، وتتوقع أن الالتقاء سيحدث في منتصف الطريق، وذلك إذا ما كان جميع الرسومات الخاصة بك صحيحة، والقياسات الخاصة بك على حق. ولكن الآن فهذه النهايات لا تجتمع تمامًا في الوسط، ونريد أن نعرف لماذا»، وذلك في محاولة منه لتقريب الفكرة للأذهان.

وقد توصل الباحثون إلى أن معدل توسع الكون الجديد أصبح الآن 73.2 كيلومتر لكل ثانية لكل ميغابارسيك. والميغابارسيك هي وحدة قياس تساوي 3.26 مليون سنة ضوئية. ونتيجة لهذا التعديل، الذي يصل إلى سرعة لا يمكن تخيلها خلال مسافات غير قابلة للاستيعاب، هي أن المسافة الحالية بين الأجسام الكونية ستتضاعف بعد 9.8 مليار سنة أخرى.

وتكمن المشكلة في أن مثل هذه السرعات لا تطابق التوقعات السابقة لمعدل التوسع، خلال النتائج السابقة التي أعلنتها وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) عبر النتائج التي لاحظهتها مركبة الفضاء (ويلكنسون)، أو تلك التي لاحظها القمر الصناعي (بلانك) التابع لوكالة الفضاء الأوروبية. كلا هاتين المركبتين الفضائيتين تم إطلاقهما إلى مداراتهما لدراسة منطقة الشفق الناجمة عن الانفجار الكبير، وهي تلك المنطقة التي نشأ فيها كل من الزمان والمكان والمادة. وكانت كلا المركبتين قد أعطت أرقامًا مختلفة عن الرقم الجديد الخاص بالتمدد الكوني، فالمركبة الأولى أعطت رقمًا أقل بنسبة 5%، والثانية بنسبة 9% أقل.

وقد أثار هذا الاكتشاف ضجةً كبيرةً فيما يتعلق بنظريات تتحدث عما يملأ 95% من الكون، والذي يتميز بأنه لا يشع ضوءًا أو أي إشعاع، طبقًا لما ذكره الباحثون. نحن نتحدث هنا عن المادة المظلمة التي تشكل غالبية الكون، وعما تحتويه من طاقة تسمى الطاقة المظلمة.

ملخص تاريخ الكون

لماذا هذا التضارب؟

إحدى الاحتمالات التي قد تفسر السبب وراء هذا التضارب فيما يتعلق بمعدل التمدد الكوني، هو أن الكون يحتوي على جسيمات أصغر من الذرة، أقرب إلى النيوترونات، هذه الجسيمات تسافر بسرعات تقارب سرعة الضوء، أي بمقدار حوالي 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة.

كما أن هناك فكرة أخرى يمكن أن تشرح الأمر، وهي ما يعرف باسم الطاقة المظلمة، وهي طاقة غامضة مضادة للجاذبية، تم اكتشافها عام 1998، وهي المسؤولة عن عملية ابتعاد المجرات عن بعضها البعض أكثر مما هو متوقع. وبالعودة لآدم ريس، الباحث في معهد علوم تليسكوب الفضاء في بالتيمور، بالولايات المتحدة، فقد ذكر أن هذا قد يكون مفتاحًا مهمًّا لفهم تلك الأجزاء من الكون، التي تشكل 95٪ من كل شيء، والتي لا ينبعث منها ضوء، مثل الطاقة المظلمة، والمادة المظلمة والإشعاع الظلامي. وكان ريس قد تشارك في الفوز بجائزة نوبل للفيزياء بعد اكتشافه تسارع تمدد الكون عام 2011.

فكرة هذا الكون المتسارع في التمدد، يثير أيضًا احتمالية أن النظرية النسبية العامة لأينشتاين، والتي هي بمثابة الأسس الرياضية لحساب الكيفية التي تتفاعل بها اللبنات الأساسية للمادة، قد تكون على قدر قليل من الخطأ، أو على الأقل فهي غير مكتملة.

مثل هذه الدراسة الأخيرة، لديها تاريخ طويل من المراجعة والتحديثات. فحسابات أينشتاين الأصلية للنظرية النسبية العامة كان يبدو أنها تتوقع أن الكون آخذ في الاتساع، وهو الأمر الذي وصفه لاحقًا بأنه أعظم خطأ ارتكبه، ليقوم أينشتاين بعلاج هذا «الخطأ» عبر فبركة ثابت الكوني لتصحيح ما اعتقد أنه كان خطأ.

وفي عام 1923، كان عالم الفلك الأمريكي العظيم، إدوين هابل، يحدق من خلال ما كان في ذلك الحين هو أكبر تليسكوب في العالم، باتجاه ما كان يعتقد أنه سديم (سحابة من الغبار الكوني) في السماء ليلًا، ليدرك أنه كان في الحقيقة يراقب نظامًا نجميًّا آخر بعيدًا، والذي أطلق عليه كون الجزيرة الخاص بمجرة المرأة المسلسلة (أندروميدا). وخلال عامين كان قد لاحظ بصمة الضوء الخاصة بانحسار هذه المجرة، واقترح أنه في كل مكان في الكون، توجد مجرات تهرع بعيدًا عن بعضها البعض، وتبتعد بمعدلات أكبر بمرور الوقت.

نهاية الكون المنظور

تمدد الكون

في وقت مبكر من تسعينيات القرن الماضي، كان هناك شيء واحد مؤكد بخصوص عملية تمدد الكون، وهو أن الكون من الممكن أنه يحمل كثافة قليلة للطاقة التي قد تؤدي لوقف عملية التمدد هذه، وإعادة انكماش الكون من جديد. هذه الطاقة من الممكن أن تكون ضئيلة جدًّا، لدرجة أنها ستسمح بالتمدد إلى الأبد، لولا أن قوة الجاذبية تعمل على تقليل هذا التمدد.

وحتى هذه اللحظة لم يجد العلماء دليلًا عمليًّا على حدوث عملية تباطؤ في تمدد الكون، لكن من الناحية النظرية فإن الكون على موعد فعلي مع تباطؤ التمدد. فالكون مليء بالمادة، وقوة التجاذب الخاصة بالجاذبية تحاول تجميع جميع المواد مع بعضها البعض مرة أخرى.

ظل هذا الأمر في رأس العلماء حتى جاء عام 1998، وجاءت ملاحظات تليسكوب الفضاء هابل الشهير الخاصة بالنجوم المتفجرة متناهية البعد، وتحديدًا نوع يسمى «type 1a supernova». فقد أظهرت الملاحظات والبيانات، التي جاء بها التليسكوب، أن تمدد الكون كان يحدث في الماضي بمعدل أبطأ مما هو في وقتنا الحالي، وبمعنى آخر فإن الكون يتسع بالفعل منذ زمن بعيد مضى لكن بمعدل أبطأ مما هو عليه في وقتنا الحاضر، أو أن تمدد الكون يحدث بمعدل أكبر كلما مر الوقت للأمام، كما لو أن هناك قوة خفية تعمل على زيادة التوسع في كل لحظة.

هذا الأمر يعني أن توسع الكون وتمدده لم يتباطأ بسبب الجاذبية كما كان يعتقد الجميع، لكن الكون كان وما يزال في حالة تسارع. في ذلك الوقت أصاب العلماء الذهول لأنه لم يكن أحد يتوقع هذا الأمر، والأهم أن أحدًا لم يكن يملك أي تفسير عن سبب حدوث هذا الأمر، لكن بالتأكيد هناك شيء ما يسبب هذا التسارع، وهو ما بدأ العلماء في البحث عنه.

في النهاية، جاء العلماء النظريون بثلاثة أنواع من التفسيرات. التفسير الأول كان أن هذا التوسع الزائد ربما كان نتيجة لنسخة طويلة ومهملة من نظرية أينشتاين حول الجاذبية، نسخة من نظرية أينشتاين تضم ما يعرف بثابت الكون. والتفسير الثاني كان احتمال وجود نوع معين غريب من الطاقة شبيه بالسوائل التي تملأ الكون كله.

والتفسير الثالث كان باحتمال وجود شيء خاطئ فيما يتعلق بنظرية أينشتاين عن الجاذبية، وبالتالي وجوب وجود نظرية جديدة عن الجاذبية تشمل نوعًا من المجالات التي تسبب هذا التسارع الكوني. وما يزال العلماء لا يعرفون السبب الحقيقي على وجه الدقة، لكنهم يعرفون بوجود حل معين فقدموا اسمًا للحل، ألا وهو الطاقة المظلمة.

اقرأ أيضًا: الطاقة المظلمة للكون.. تفوق قدرة الفيزياء

الطاقة المظلمة وتمدد الكون

في علم فيزياء الكونيات وعلم الفلك، فإن الطاقة المظلمة هي شكل غير معروف من الطاقة التي يفترض نظريًّا أنها تتخلل كل جزء من الفضاء، وتميل إلى تسريع عملية تمدد الكون. وفكرة الطاقة المظلمة كانت الفرضية الأكثر قبولًا لشرح الملاحظات التي اكتشفها العلماء، والتي تشير لتمدد الكون. وبافتراض صحة النموذج القياسي لعلم الكونيات، وهو النموذج الذي توصل إليه العلماء لشرح كيفية بناء الكون وتفسيرها، فإن القياسات الفيزيائية تقول إن الطاقة المظلمة تساهم بنسبة 68.3% من إجمالي الطاقة الموجودة في الكون المرصود في وقتنا الحاضر.

إحدى التفسيرات التي تتعلق بماهية الطاقة المظلمة، هو أنها خاصية من خصائص الفضاء. العالم الألماني الأمريكي ألبرت أينشتاين كان هو أول من أدرك أن فراغ الفضاء لا يعني عدم وجود شيء. فالفضاء يحمل خصائص مذهلة، الكثير من هذه الخصائص ما تزال في بداية اكتشافها حاليًا. الخاصية الأولى التي اكتشفها أينشتاين كان أنه من الممكن أن يتواجد المزيد من الفضاء.

ثم جاءت النسخة المعدلة لنظرية أينشتاين عن الجاذبية، والتي تضم الثابت الكوني لتضع تنبؤًا ثانيًا، وهو أن الفضاء الخالي يمكن أن يمتلك الطاقة الخاصة به. لأن هذه الطاقة هي ملك للفضاء نفسه، وبالتالي فإنها لن تقل أو تضعف مع تمدد الفضاء وتوسعه. هذا يعني أنه عبر نشأة حيز جديد للفضاء نتيجة التمدد فإن المزيد من الطاقة تنشأ لتتسبب هذه الطاقة في زيادة تمدد الكون وتوسعه مع مرور الزمن.

من هنا فإن الطاقة المظلمة هي عبارة عن قوة تنافر مسؤولة ليس عن تمدد الكون، ولكن عن تسريع عملية تمدد الكون. هذه الطاقة تمكن العلماء من قياسها أول مرة عام 1998. وطبقًا لما ذكرناه عن الطاقة المظلمة أنها هي طاقة الفراغ نفسه، فمعنى هذا أنه حتى يمكن حساب مقدار الطاقة المظلمة فنحن بحاجة إلى جمع كل الطاقة الخاصة بالفراغ في جميع أنحاء الفضاء. وقام علماء الفيزياء النظرية بحساب هذا المقدار، ووجدوا أنه 10120 مرة أقوى من القيمة التي يمكن أن يلاحظها علم الفلك لجميع أجسام الكون.

هذا الأمر أعطى احتمالًا جديدًا، وهو أنه بعد مرور عدد لا يمكن تخيله من السنوات منذ الآن، فإن جميع المجرات الأخرى ستبتعد عن مجرتنا درب التبانة حتى تتراجع إلى ما وراء منطقة الأفق الكوني، لتترك مجرة درب التبانة وحدها في الكون المرئي. هذا الأمر سيعني أنه في ذلك الوقت لن تتواجد أي أشياء حولنا يمكننا أن نلاحظ من خلالها هل الكون يتمدد أم لا، وبأي معدل.

عرض التعليقات
تحميل المزيد