عبد القادر بن مسعود 4
عبد القادر بن مسعود 4

4,499

وسط الغليان الذي تشهده الجامعة الجزائرية في السنوات الأخيرة، ومنذ عام 2006؛ نتيجة تصاعد الاحتجاجات التي مست كلّ الجامعات في البلاد، جاء الإضراب المستمر لطلبة المدارس العليا للأساتذة الذي دخل شهره الرابع ليمثل النقطة الملغمة للحراك الطلابي، بعد أن شارفت نتائجه على اعتماد سنةٍ بيضاء، ويتساءل الجزائريون عن دور التنظيمات الطلابية في حلحلة مشاكل قطاع التعليم العالي والبحث العلمي.

 ومع نشر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عن قائمة التنظيمات الطلابية المعتمدة للموسم 2017/2018، واستبعادها لبعض المنظمات الطلابية، ودخول أكبر تنظيم طلابي في الجزائر متمثلًا في الطلابي الحر في دائرة الشقاق، ما جعل الوزارة الوصية تستبعده هو الآخر، يرى البعض تحوّل مسار الحراك الطلابي في الجزائر من المساهمة في الحس الوطني إلى مسايرة النظام الحالي والدفاع عنه، في هذا التقرير تطل «ساسة بوست» بنافذة على الحراك الطلابي في الجزائر على ضوء التجميدات التي تمارس ضد النقابات الطلابية في الجامعات الجزائرية.

اقرأ أيضًا: احتجاجات مسّت قطاعات سيادية.. ما السرّ وراء اشتعال الشارع في الجزائر؟

تاريخٌ مختصرٌ للحركة الطلابية الجزائرية

كان لطلبة الجزائر إبان فترة الإحتلال الفرنسي للبلاد أيما دور في مقاومة الاستعمار الفرنسي؛ فما بين المقاومة السياسية والعسكرية والثقافية تعددت أذرع الطلاب لمقارعة فرنسا الاستعمارية؛ فقد كان للطلبة الجزائريين دورٌ فعالٌ في دعم مسيرة الحركة الوطنية قبل اندلاع الثورة التحريرية، فكانت النخبة وقادة الثورة في ما بعد قادةً للحراك الطلابي، وعلى سبيل المثال كان لـ«فرحات عباس» والمفكر «مالك بن نبي»، إضافةً إلى الكاتب «أحمد توفيق مدني»، والشاعر «مفدي زكرياء» دورٌ قيادي في الحركة الوطنية.

وإبان ثورة التحرير الجزائرية، كان لطلبة الجامعات في الجزائر تأثيرٌ كبيرٌ في تغيير مسار الثورة الجزائرية، بعد أن تم تأسيس أول تنظيمٍ طلابيٍ في الجزائر تحت مسمى الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين في 13 يوليو (تموز) سنة 1955، والتي تعتبر امتدادًا لودادية الطلبة المسلمين لشمال أفريقيا المؤسسة في 1912 بفضل جهود الطلبة الجزائريين في فرنسا، ساهم الحراك الطلابي هذا بالأخذ بالثورة الجزائرية إلى نفسٍ جديدٍ بعد أن قرر الطلاب الدخول في إضراب يوم 19 من مايو (أيّار) سنة 1956 والالتحاق بجيش التحرير الوطني، وهذا ما دعا الاستعمار الفرنسي إلى قمع المنتمين إلى الحركة الطلابية.

وبعد الاستقلال استمر نهج الحراك الطلابي في السطوع  في ظلّ تنظيمٍ طلابي واحدٍ، هو الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين الذي كان تابعًا للاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية المنظمة الجماهيرية التابعة لحزب جبهة التحرير الوطني، قبل أن تطفو تنظيماتٌ جديدةٌ على الساحة الجامعية، خصوصًا بعد إعلان الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد فتح التعددية الحزبية، بعد أن كانت البلاد ترزح تحت حكم الحزب الواحد، ما جعل الأحزاب السياسية تتسارع في اقتحام التنظيمات الطلابية، ليبلغ عدد التنظيمات الطلابية الناشطة في الساحة الجامعية سنة 2017 13 تنظيمًا، مُنع أربعة منها من النشاط خارج أسوار الجامعة.

اقرأ أيضًا: الحركة الطلابية الجزائرية.. في ذكرى استشهاد رائدها المعاصر

اختراقٌ حزبيٌّ للتنظيمات الطلابية الجزائرية

لم تعد معظم التنظيمات الطلابية اليوم تخفي انتماءاتها الحزبية خصوصًا بعد إعلان الرئيس الجزائري «عبد العزيز بوتفليقة» عن ترشحه وفوزه في ما بعد بالعهدة الرابعة، فعلى سبيل المثال أعلن الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين، وهو أول التنظيمات ظهورًا أعلن مساندته للعهدة الرابعة أسوةً بحزب جبهة التحرير الوطني، الذي ينخرط فيه جلُ مناضليه، بحكم أنّ الأمين العام للتنظيم هو عضو مكتب سياسي في حزب جبهة التحرير الوطني.

وكادت مسألة دعم العهدة الرابعة أن تفجر التنظيم بعد أن حصل فيه انشقاق بسبب معارضة بعض الطلبة السير تحت ظلّ حزب جبهة التحرير الوطني في دعم العهدة الرابعة، وتفضيل شريحة أخرى من المنخرطين في التنظيم الطلابي مساندة المرشح الرئاسي والأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني علي بن فليس، نتج عن ذلك منع وزارة الداخلية للتنظيم من النشاط خارج أسوار الجامعة، وعلّق حينها الأمين العام للاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين، عبد اللطيف بوضياف، إنهم مستعدون لتنشيط حملة الرئيس ولو في الشارع، مؤكدًا أن تعليمات الداخلية لن تمنعهم من تنشيط حملة الرئيس الانتخابية، وهذا ما دفع بالتنظيم للمشاركة في مبادرة الجدار الوطني التي أطلقها الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني.

ولم تخل منظمة التحالف من أجل التجديد الطلابي عن القاعدة، وهي المنظمة التي يفاخر أعضاؤها بانتمائهم السياسي للحزب الحاكم، وهذا ما عكسه تصريح الأمين العام للتنظيم شفور حاج حسين أثناء دعم تنظيمه للعهدة الرابعة قائلًا إن منظمته تدعم ترشح بوتفليقة استجابة لنداء الوطن، بدوره يفاخر أعضاء أكبر تنظيم طلابي في الجزائر والمتمثل في الاتحاد الطلابي الحر بانتماءاتهم السياسية للأحزاب الإسلامية، فكون التنظيم الطلابي هذا مؤسسًا من طرف الرعيل الأوّل من الطلبة المنطوية تحت جناح الشيخ محفوظ نحناح، فإن هذا التنظيم لا يزال تابعًا لحركة حمس رغم الانشقاقات التي عرفتها هذه الحركة في الفترة الماضية.

ولا يخفي حزب التجمع الوطني الديمقراطي تحت قيادة الوزير الأوّل الجزائري أحمد أويحيى علاقته بالتنظيمات الطلابية، فتنظيم التضامن الطلابي الذي يعتبر الأقل شعبيةً وتنظيمًا يعتبر الذراع الطلابي للحزب، كما تدين نسبةٌ كبيرةٌ من مناضلي منظمة الاتحاد العام للطلبة الجزائريين بالولاء للحزب، وبدوره عمل حزب تجمع أمل الجزائر بعد انشقاقه عن حركة حمس على تأسيس ذراع طلابي متمثلٍ في تجمع الطلبة الجزائريين، الذي يعدّ أصغر تنظيمٍ في الساحة الجزائرية.

ولعلّ ما يبرز التبعية الحزبية للتنظيمات الطلابية في الجزائر هي الجامعات الصيفية التي تنظمها التنظيمات والتي  يحضرها وزراء وشخصيات سياسية جزائرية على مستوى عالٍ، وهذا ما يميّز التنظيمات التي تتبع الأحزاب الحاكمة كجبهة التحرير الوطني إذ يكون الأمين العام للحزب هو من يفتتح هذه التظاهرات الطلابية.

اقرأ أيضًا: 6 أسباب اقتصادية تخيف الجزائريين من عام 2018

الجامعة الجزائرية تتذيل الترتيب.. والتنظيمات الطلابية تجري وراء السياسة

تعد جامعة سيدي بلعباس هي الأفضل محليًا في الجزائر، بحلولها في المركز رقم 2338 عالميًا، وفقًا للمؤشر العالمي لترتيب الجامعات 2017، الصادر عن موقع «ويبومتريكس» المتخصص في ترتيب الجامعات عالميًا، ويعتمد المؤشر على أربعة معايير أساسيةٍ لقياس قوة الجامعة، وهي: التأثير، والتواجد، والانفتاح، والتميز البحثي على شبكة الإنترنت، وقد تصدرت جامعة هارفارد الأمريكية المؤشر، فيما تصدرت جامعة الملك سعود السعودية ترتيب جامعات الوطن العربي، بحلولها في المركز رقم 425 عالميًا.

وفي أحدث تصنيف صادر عن الموقع المتخصص في ترتيب الجامعات لسنة 2018، حافظت الجامعات الجزائرية على ذيل الترتيب، في وقتٍ احتلت فيه أحسن جامعةٍ جزائرية – وفق هذا التنصنيف – متمثلةً في جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا في المرتبة 2250 عالميًا، ثم جامعة جيلالي اليابس بسيدي بلعباس في المرتبة 2370، وبعدها جامعة الإخوة منتوري ـ قسنطينة 1- في المرتبة 2469.

وغابت معظم الجامعات الجزائرية عن الترتيب واقتصر التصنيف على جامعة أبو بكر بلقايد في تلمسان، وجامعة بجاية، وجامعة محمد خيضر بسكرة، وجامعة قاصدي مرباح بورقلة، وجامعة فرحات عباس بسطيف، وباجي مختار بعنابة، كما شكّل تواجد المدرسة الوطنية متعددة التقنيات التي توصف أنها من أكفأ المؤسسات التعليمية في الوطن في ذيل الترتيب مفاجأة كبيرة وسط الجماهير الطلابية، إذ احتلت المرتبة 37 في شمال أفريقيا والمرتبة 3121 عالميًا، وهي نفس الحالة مع المدرسة العليا للإعلام الآلي التي تشترط معدلًا لا يقل عن 16/20 في شهادة البكالوريا للدراسة بها، مكتفية بالمرتبة 4702 عالميًا و79 في شمال أفريقيا، بحسب التصنيف.

وطعنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في التصنيفات العالمية للجامعات، في وقتٍ نفى فيه وزير التعليم الجزائري «الطاهر حجار» بشدّةٍ أن تكون الجامعات الجزائرية في ذيل الترتيب العالمي، متهمًا الهيئات التي تقوم بالتصنيف بأن لها أغراضًا تجارية وربحية وأخرى سياسية، مستغربًا أن تحتل الجامعات الخاصة مقدمة التصنيف، في حين يتذيل الترتيب بالجامعات الحكومية.

ومن بين الاتهامات التي علّقت عليها مسؤولية هذا التدهور في التصنيف هو دور التنظيمات الطلابية داخل الجامعة؛ ففي وقتٍ كانت هذه التنظيمات في السنوات الماضية تركز عملها على الضغط من أجل تحسين المستوى الأكاديمي للجامعة الجزائرية، بات اليوم شغلها الشاغل هو المطالب المادية والتحسين من الظروف المعيشية للطالب الجزائري، وهو ما دفع بالتنظيمات الطلابية لشنّ إضرابات عديدة كان للمطالب الاجتماعية الحيّز الأكبر منها، وفي حديثنا مع النقابي الطلابي بمنظمة الطلابي الحر «عبد المجيد زياني»، أكدّ لنا أن معظم المطالب الطلابية اليوم باتت تتمحور حول ظروفه المعيشية داخل الجامعة من منحة وإيواء وقلما نجد تنظيمًا طلابيًا يناهض البرامج أو السياسات المنتهجة من طرف وزارة التعليم.

اقرأ أيضًا: «ساسة بوست» في جامعات الجزائر.. أيهما أفضل: الدكتوراة التقليدية أم «LMD»؟

أكبرُ تنظيمٍ طلابيٍّ تحت مقصلة النظام

كانت التنظيمات الطلابية، خصوصًا الطلابي الحر، من أكثر التنظيمات المعارضة لتطبيق نظام (LMD) في الجزائر ، كما كانت له عدة مسيراتٍ طلابية مناهضة لسياسة التعليم العالي في الجزائر، قبل أن يقع في نزاع تنظيمي مع وزارة التعليم العالي، بسبب وجود رأسين على قيادة التنظيم، كما يرى الكثيرون.

وهذا ما نفاه الأمين العام للتنظيم الدكتور «سمير عنصل» لـ«ساسة بوست» حيث قال إن الطلابي الحر «عقد مؤتمره الاستثنائي وتمّ بموجبه تجديد المكتب الوطني واعتماده أمينًا عامًا مؤكدًا أنّ الاتحاد الطلابي الحر منظمةٌ طلابيةٌ معتمدة منذ سنة 1992 تحت رقم 75، وأنه تم تجديد المكتب بتاريخ 29 أغسطس (آب) 2016 بناءً على التصريح الممنوح له من طرف مصالح وزارة الداخلية والجماعات المحلية تحت رقم 907، وبموجبه تم إيداع الملف الذي أصبح في حكم الموافق عليه بعد انقضاء المدة القانونية 60 يومًا وفق القوانين المنظمة لاعتماد الجمعيات، وأنّ الوزارة الوصية تماطل في الجلوس على طاولة الحوار لحلحلة المشاكل المتراكمة في القطاع مستغلةً الوضع الحالي للتنظيم من أجل التدخل في الشؤون الداخلية للطلابي الحر».

وكان وزير التعليم العالي قد اتهم أكبر تنظيم طلابي في الجزائر بعدم شرعية التمثيل، ما أوجب على الأمين العام للطلابي الحر «سمير عنصل» فتح النار على وزير التعليم العالي متهمًا إياه بمحاولة إذكاء الفتنة بين أبناء التنظيم، وأثناء أشغال ندوة رؤساء الهياكل للتنظيم بمحافظة واد سوف والتي حضرها «ساسة بوست» بدعوى من التنظيم، أكّد السيد «عبد الله دروش» نائب الأمين العام للطلابي يالحر «أن وزير التعليم العالي في تعامله مع ملف الاتحاد يعتمد سياسة الهروب إلى الأمام والتهرب من إيجاد الحلول، وانتهاج سياسة الكيل بمكيالين، رغم اعتراف وزارته من خلال الحكم القضائي الأخير (والذي جاء لإبطال إضرابٍ قام به التنظيم في الفترة الماضية) بشرعية الأمين العام وأنه هو الأمين العام؛ هذا التصريح من وزير التعليم العالي، ومهما كانت خلفياته إلا أنه شهادة حية على شرعيتنا وهنا يطرح التساؤل ما الدافع وراء عدم تعامل الوزير معنا لا يوجد أي مبرر سوى أن الغاية هي تكسير التنظيم وإبعاده من الساحة الجامعية لأنه أكبر تنظيم انتشارًا وله باع كبير في ممارسة العمل النقابي».

وأضاف دروش «إنّ فروع التنظيم  في الجامعات  الجزائرية تتعرض من طرف بعض رؤساء الجامعات لمضايقات متحججين بأن الوزارة هي من راسلتهم بهذا الخصوص، منددًا بهذه التصرفات التي اعتبرها إقصاءً للعمل النقابي الطلابي بصفة عامة وإقصاء للاتحاد الطلابي الحر من المعادلة الجامعية بصفة خاصة، لكن رغم كل هذا التضييق المتعمد وسياسة الإقصاء ما زال الاتحاد الطلابي الحر بمناضليه عبر مختلف جامعات الوطن يدافع عن حقوق الطلبة ومواكبًا لمختلف الأحداث الوطنية والدولية وعلى رأسها قضية فلسطين قضيتنا المركزية».

وكانت وزارة التعليم العالي قد جمدت تنظيم التضامن الوطني الطلابي التابع لحزب التجمع الوطني الديمقراطي وأمرت المؤسسات الجامعية بعدم التعامل معه بمسوغ أن مسؤوله الأول ليس له علاقة بالجامعة وغير مسجل بها؛ وهو الأمر ذاته بالنسبة للاتحاد الطلابي الحر بعد أن تأكد عدم حوزة المدعي بشرعية التنظيم «صلاح الدين دواجي» لشهادة مدرسية، بجسب الوزارة، ما جعل الوزارة الوصية تعترف في الأخير بـعنصل أمينًا للتنظيم.

اقرأ أيضًا:160 ألف هارب منها.. لماذا يتهرّب الشباب الجزائري من أداء الخدمة العسكرية؟