بعد 47 عامًا كاملة من استقلال دولة الإمارات العربية المتحدة عن بريطانيا، يبدو أن اليد العليا لا تزال لبريطانيا التي اعتبرت منطقة الخليج العربي بما فيها الإمارات، والتي كان يُطلق عليها سابقًا اسم إمارات الساحل المتصالح، جزءًا لا يتجزأ من الإمبراطورية البريطانية؛ وذلك لما يقرب من 120 عامًا كاملة، أي أكثر من ضعف عمر دولة الإمارات العربية المتحدة الحالية.

Embed from Getty Images

وتتجلَّى صورة الهيمنة السياسية على دولة الإمارات العربية المتحدة في الوقت الحالي في الخبر الذي أعلنته الأخيرة بالإفراج عن المواطن البريطاني ماثيو هيدجز، المتهم بالتجسس في الإمارات بعفوٍ رئاسي، وذلك بعد أن حُكم عليه بالسجن المؤبد مدى الحياة قبل أيام.

1- كيف بدأت الأزمة وكيف وجدت طريقها للحل فجأة؟

ماثيو هيدجز، باحث دكتوراه بريطاني، يبلغ من العمر 31 عامًا، ويدرس دراسات الشرق الأوسط في جامعة دورهام البريطانية، كان في طريقة لمناقشة رسالة الدكتوراه الخاصة به، قبل أن يتم توقيفه واعتقاله في الخامس من مايو (أيار) الماضي في دبي، حيث احتُجز في المطار أثناء مغادرة الإمارات بعد انتهائه من رحلة بحثية، وقيل وقتها إنه أجرى مقابلات تناولت السياسة الخارجية واستراتيجية الأمن الإماراتية.

(المتهم بالتجسس البريطاني ماثيو هيدجز – المصدر: سي إن إن)

الجدير بالذكر أنه في 15 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أحالت النيابة العامة الإماراتية المتهم البريطاني إلى محكمة أبوظبي الاستئنافية لمحاكمته عن التهم المنسوبة إليه بالسعي والتخابر لمصلحة دولة أجنبية.

القضية المرفوعة ضد هيدجز استندت – بحسب الإمارات – إلى أدلة قانونية من خلال فحص الأجهزة الإلكترونية الخاصة به؛ والمعلومات الاستخبارية التي توصلت إليها أجهزة الأمن والاستخبارات الإماراتية والأدلة التي قدمها هيدجز بنفسه، واعترافاته الشخصية والتي من بينها ما يوثق تسخير وتدريب عناصر لاستخدامها في التجسس والوصول إلى المعلومات السرية المستهدفة. وقد تحققت المحكمة من عمل المتهم في أجهزة استخبارات أجنبية عن طريق أجهزة الاستخبارات الإماراتية.

Embed from Getty Images

وبرغم كل هذه الاتهامات، فإن زوجة المتهم أكدت مرارًا أن جميع هذه التهم غير صحيحة،  في حين كشف النائب العام الإماراتي حمد سيف الشامسي أن المتهم قدم إلى الإمارات تحت غطاء باحث أكاديمي، وثبت من التحقيقات تطابق اعترافاته مع المعلومات التي أسفر عنها فحص أجهزته الإلكترونية، مشيرًا إلى أن المتهم مثُل أمام هيئة المحكمة في حضور ممثلين عن السفارة البريطانية، وتم الإفراج عنه بشروط، وبشكل مؤقت في 29 أكتوبر دون السماح له بالسفر حتى موعد جلسة محاكمته الأربعاء الماضي التي تم فيها النطق بالحكم المؤبد.

وزير الخارجية البريطاني جيرمي هانت حذَّر الإمارات من عواقب دبلوماسية كبيرة في حال لم يتم الإفراج عن هيدجز، كما أنه أكد سابقًا لزوجة المتهم البريطاني، دانييلا تيجادا، أنه يبذل قصارى جهده في القضية، وكشف عن أنه أجرى «مباحثات بناءة» مع نظيره الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، وتوقع أن تُتخذ خطوات لحل الأزمة، وهو ما تم بالفعل بعد العفو الرئاسي.

2- كيف تعاملت الإمارات مع الأزمة بشكل أوقعها في التناقض؟

التناقض في القضية ظهر في أكثر من مناسبة من قِبل الجانب الإماراتي، أمَّا الجانب البريطاني فظل ثابتًا على موقفه طوال هذه الفترة؛ التناقض الأول الذي أظهرته الإمارات في بدايةً الأمر، كان عندما احتجزت المتهم، وأكدت أن لديها دلائل وقرائن تفيد بتجسسه؛ إذ أكدت الإمارات العربية المتحدة بعد أن تم الحكم على المتهم بالسجن المؤبد مدى الحياة أن لديها تسجيلًا مصوَّرًا باعتراف المتهم بانتمائه وعضويته في المخابرات البريطانية، وتحديدًا مجموعة (M16)، ولكن بالرغم من ذلك تم الإفراج عنه بعفو رئاسي.

Embed from Getty Images

التناقض الثاني تمثَّل في تصريحات الدبلوماسيين الإماراتيين؛ إذ أكد سفير الإمارات في المملكة المتحدة، سليمان حميد سالم المزروعي، يوم الجمعة الماضي 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، أن دولة الإمارات لديها سلطة قضائية مستقلة مثل المملكة المتحدة، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن الحكومة لا تُملي الأحكام على المحكمة، لكن وبرغم هذا التصريح، إلا أن الدولة تحدت القضاء والمحكمة وأفرجت عن المتهم بعد الحكم عليه بساعاتٍ فقط.

مترجم: الخليج العربي أم الخليج الفارسي؟

التناقض الثالث تمثَّل في تصريحات المسؤولين الإماراتيين بعد الإفراج عن المتهم بقرار عفوٍ رئاسي بعد التأكيدات السابقة بإدانته، إذ علَّق أنور بن محمد قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتية، على الحكم الصادر والعفو الرئاسي الذي أعقبه، قائلًا: «إن الرأفة والمكارم التي عهدناها من صاحب السمو رئيس الدولة، من خلال العفو الرئاسي المعتاد لليوم الوطني، تتيح لنا التركيز على متانة العلاقات الثنائية بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة والمنافع التي يمكن أن يجنيها كلا البلدين والمجتمع الدولي عموما». مضيفًا أن مكرمة العفو الرئاسي المعتاد تسمح للبلدين بإغلاق هذا الجزء والتركيز على الجوانب الإيجابية العديدة لهذه العلاقة.

3- ماذا تعرف عن العلاقات البريطانية الخليجية؟

تعود العلاقات البريطانية الخليجية إلى زمن بعيد؛ قد يصل إلى تاريخ ما قبل تأسيس أو وجود دول خليجية بشكلها الحالي، حيث ظلت بريطانيا على مدار 150 عامًا في منطقة الخليج العربي، وتحديدًا عام 1820 بتوقيع «المعاهدة العامة للسلام» بين حكام الخليج حينها وبين الإمبراطورية البريطانية، وذلك تحت إشراف السير وليام كير، والتي كانت تنص على عدم القرصنة في الخليج العربي، فضلًا عن منع تجارة الاسترقاق والعبودية، بالإضافة إلى استخدام كل السفن النافعة لصالح التاج البريطاني.

لكن إذا طلب منك أحدهم استخدام سفنك لصالحه بدون مقابل، فلابد وأن تستاء وترفض، وهو بالفعل ما حدث، عندما لم يقبل حكام الخليج المعاهدة بسهولة؛ مما أدى إلى استحداث البريطانيين منصب «الوكيل السياسي» في الخليج العربي الأدنى، وذلك من أجل تفعيل المعاهدة، وإدارة علاقاتهم مع الحكام المحليين وحماية التجارة البريطانية في الخليج. ذلك المنصب الذي كان أرفع منصب لمسؤول بريطاني في الخليج؛ إذ يعد صاحب أعلى السلطات في المنطقة، وذلك طبقًا لكتاب «ما بعد الشيوخ: الانهيار المقبل للممالك الخليجية»، لكاتبه كريستوفر ديفيدسون.

«فورين أفيرز»: الانهيار المرتقب لممالك الخليج

بعد ذلك توالى عدد من الاتفاقيات بين بريطانيا ودول الخليج عقب إبرام المعاهدة البحرية العامة؛ حيث صدَّق الحكام العرب على عدد من المعاهدات الأخرى التي منحت الهيمنة البريطانية في المنطقة طابعًا رسميًا وقلَّصت من قدرة العرب على التصرُّف بشكل مستقل دون الموافقة البريطانية، مما أدى إلى زيادة الاستقرار وزيادة حجم التجارة في المنطقة بفضل إرادة بريطانيا، كما سعت الأُسر الحاكمة للحصول على الحماية البريطانية باعتبرها وسيلة لتأمين حُكمهم وحماية أقطارهم.

وبالتوقيع على معاهدة الهدنة البحرية عام 1835، ومعاهدة السلم الدائم عام 1853، تنازل الحكام العرب رسميًا عن حقهم في شن الحروب البحرية مقابل الحصول على حماية البريطانيين ضد التهديدات الخارجية الموجهة لحُكمهم، وظلت هذه المعاهدات سارية بوجود بريطانيا رسميًا في دول الخليج، حتى جاء عام 1968، والذي أعلنت فيه بريطانيا عزمها الانسحاب من دول الخليج خلال ثلاثة أعوام على الأكثر، تنتهي بعام 1971، وذلك نتيجة أزمة اقتصادية وقعت في بريطانيا عام 1967 أجبرتها على تقليص نفقاتها الخارجية.

أزمة المياه تَلوح في أفق «الخليج العربي»

وعلى مدار قرن ونصف، ومنذ 1820 وحتى 1971، كانت بريطانيا هي القوة المهيمنة في منطقة الخليج، وذلك جنبًا إلى جنب مع غيرها من القوى الأوروبية الأخرى، مثل البرتغال وفرنسا وهولندا، وكان اهتمام بريطانيا في البداية بمنطقة الخليج، والذي انطلق في القرن السابع عشر، يهدف لتطوير المصالح التجارية، ولكن بدأت طبيعة التَدخُّل البريطاني تتغير بعد أن تمكنت من توطيد وتوسيع ممتلكاتها الاستعمارية في الهند، إلى أن تحول هذا الاهتمام من النفوذ الاقتصادي إلى الهيمنة السياسية، وخاصةً على الجانب العربي من الخليج.

كما تعتبر منطقة الخليج من أولى الدول التي زارتها رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، بعد توليها منصبها، وبعد تصويت البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي؛ إذ تمت هذه الزيارة في ديسمبر (كانون الأول) عام 2016.

4- لماذا لم تؤثر أزمة هيدجز على العلاقات البريطانية الإماراتية؟

تبلغ من العمر 37 عامًا فقط، ومساحتها أقرب إلى مساحة اسكتلندا، وتشتري ما يبلغ قيمته 250 مليار جنية استرليني من الأسلحة البريطانية كل عام، هذا تحديدًا ما قد تعنيه الإمارات العربية المتحدة للمملكة المتحدة؛ فعلى الرغم من الروابط القوية والعميقة بين البلدين، إلا أن أزمة هيدجز جاءت لتصبح موضع تركيز  على الوحدة بينهما.

الغارديان: مستبدو الخليج يملون على بريطانيا سياستها الخارجية

وبرغم التصريحات الإعلامية من هنا وهناك، فإنه خلال حوالي ستة أشهر قضاها هيدجز في السجون الإماراتية، ظلت العلاقات السياسية والاقتصادية بين الإمارات وبريطانيا قائمة على ما هو عليه، إذ ظلت الإمارات تشتري سلاحها من بريطانيا، كما ظلت الإمارات وجهة أكثر من 120 ألف مهاجر بريطاني من المملكة المتحدة، بالإضافة إلى بقاء الطرفين شريكين في قضايا الأمن والاستخبارات.

كما أنه أيضًا وبرغم المناوشات السياسية أمام العامة، وخاصةً فيما يتعلَّق بقضية هيدجز، إلا أن صحيفة الجارديان البريطانية أكدت أن العلاقات السياسية بين البلدين أعمق من ذلك بكثير؛ فقدرة الإمارات على اتهام  مواطن بريطاني بالجاسوسية يشير إلى وجود حاجة كبيرة من كلا الطرفين لبعضهما البعض.

Embed from Getty Images

وبحسب الصحيفة البريطانية، فإن الإمارات تحتاج إلى الدور السياسي البريطاني؛ خاصةً في ظل وجود رحلات سرية ملكية بريطانية وإماراتية إلى أبو ظبي ولندن؛ إذ يظهر هذا الدور السياسي لبريطانيا في دعم الإمارات في القضايا الإقليمية المحورية؛ إذ تسعى الإمارات للحصول على الدعم والغطاء السياسي البريطاني فيما يتعلَّق بالقضايا الإقليمية؛ وعلى رأسها الأزمة اليمنية والحرب في اليمن، والأزمة الخليجية وحصار قطر، بالإضافة إلى الدعم البريطاني للشراكة بين كلًا من المملكة العربية السعودية، وولي عهدها محمد بن سلمان، طرف أول، والإمارات العربية المتحدة، طرف ثانٍ.

زلزال سياسي يضرب الخليج العربي.. ملف «ساسة بوست» عن أزمة الخليج

وتتعدد الاحتياجات السياسية الإماراتية من بريطانيا، في الدعم السياسي بوجود رؤى مشتركة حول عدة قضايا مثل مكافحة التطرف والإرهاب، وتعزيز الأمن والسلام الدوليين، بالإضافة إلى تجاهل بريطانيا في كثير من الأحيان لانتهاكات حقوق الإنسان التي تنتهكها الإمارات، وهو أيضًا أحد أشكال الدعم السياسي المعنوي.

كيف تساعد بريطانيا «السعودية» على انتهاكات حقوق الإنسان؟ 4 نقاط تشرح لك

ومن الجهة الأخرى؛ وفي المقابل، ما زالت بريطانيا تحتاج إلى الإمارات من الناحية الاقتصادية؛ إذ ارتفعت قيمة التجارة المتبادلة بين البلدين خلال عام 2017 لتصل إلى 22.4 مليار دولار أمريكي، أي بزيادة 12% عن عام 2016، وذلك بسبب تعدد الزيارات الرسمية بين البلدين؛ إذا جاءت هذه الزيادة في حجم التبادل التجاري بين البلدين بعد زيارة قام بها الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي لدولة الإمارات العربية المتحدة.

Embed from Getty Images

ويعتبر البريطانيون دولة الإمارات العربية المتحدة وجهةً أساسية لقضاء عطلاتهم، خاصةً مدينتي دبي وأبوظبي اللتين أصبحتا جهتي جذب للسياح من كل أنحاء العالم، وخاصةً البريطانيين. فضلًا عن العلاقات الثنائية، وتجارة الأسلحة بين الطرفين، والتي تحتاجها بريطانيا أيضًا، خاصةً في ظل خروجها من الاتحاد الأوروبي، ولذلك فقد أرادت تدعيم علاقات مع دول أخرى، وتكوين تحالفات أخرى، مثل تحالفها مع الخليج.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد