الزواج العرفي والسوريات

في أماكن اللجوء وفي النزوح وداخل الوطن، اضطرت النساء السوريات إلى الزواج البراني -أو العرفي- الذي لا يعتمد قانونيًا، وهو ما أضاع حقوقهن، التي أخطرها عدم إمكانية تسجيل أبنائهن من هذا الزواج بصورة رسمية، ومن ثمة صعوبة دخول الأبناء إلى المدرسة أو الحصول على بطاقة شخصية أثناء وبعد انتهاء الحرب السورية.

هذا الوضع ضاعف معاناة السوريات اللواتي يعشن حياة ملؤها الخوف، خوفًا من يتركها زوجها دون توثيق زواجها، وخوفًا من تبعيات ذلك على أبنائها الذين سيعشون في الغالب «ساقطي القيد»، فكيف تعيش المرأة السورية التي عقد زواجها بعقد عرفي، في بلادها وفي مناطق اللجوء؟

النساء في سجون «بشار الأسد».. راقصة ومُناضلة وربة منزل

الزواج العرفي يحطم قلوب السوريات في مصر

حين وطأت قدم الفتاة السورية كندة ذات الثانية والثلاثون عامًا الأراضي المصرية في مارس (آذار) 2014، ظنت أنها نجت من كل الخوف الذي ألم بها نتيجة الحرب في أراضيها، وسرعان ما حصرت همومها في إيجاد منزل وعمل آمن يقيها شر الحاجة في بلد اللجوء.

أقامت عند أقاربها مؤقتًا على أمل أن تحقق شيئًا من أحلامها البسيطة، لكن مرت ثلاثة أعوام من عمر اللجوء دون أن تحقق كندة أي تغيير في حياتها، حتى عرضت عليها فرصة الزواج من رجل مصري يدعى أيمن ويعمل مدرسًا في معهد أزهري، فقبلت العرض «المؤمن والمبارك» برضا الزوجة الأولى للرجل من أجل الإنجاب، إذ وجدت في هذا العرض وسيلة للتخلص من الضغوطات المادية وعبء الإقامة عند أقاربها.

تزوجت كندة في يوليو (تموز) 2017، وقبل مضي عام على زواجها كانت قد أصبحت أمًا لطفل جميل، سرعان ما بدأ أبوه باستخراج أوراق رسمية لأمه من أجل إثبات نسب طفله، لكن ذلك أشعر الزوجة الأولى بالخطر فتدخلت لإنهاء كل شيء، أوقفت إجراءات استخراج الأوراق الثبوتية للطفل ومنعت قوننة وضع كندة على الأراضي المصرية، وأفضى الأمر إلى طلاق الشابة السورية في يونيو (حزيران) 2018 بعد أن هُدد محامي الفتاة من قبل الزوجة الأولى ذات النفوذ العائلي الكبير.

انتهت حكاية كندة، وانضمت بذلك إلى 70٪ من حالات الزواج البراني -غير الموثق- للسوريات، الذي تضيع فيه حقوق الزوجة بسبب تنصّل الزوج، ولن تنتهي حكاية استغلال اللاجئات السوريات في مصر، إذ يعكف بعض الرجال في مصر على انتهاز ظروفهن لعدم امتلاكهنَّ وثائق رسمية ليتزوجوهنَّ بعقد عرفي (غير رسمي)، ويسميه السوريون الزواج البراني، وهو ما يسهل عملية التنصل؛ بداية من النفقة والمسكن انتهاءً بعملية إثبات الزواج ونسب الأولاد.

وحيال ذلك لا تملك المؤسسات المعنية بشؤون السوريات إلا حبل التواصل الودي مع الزوج، من أجل استعادة السيدة لحقوقها، والنتيجة وجود عشرات الحالات من الأطفال دون جنسية، وعدم وجود أوراق ثبوتية تمنحهم حقهم في التعليم وغيره.
وتتعدد أسباب عدم حصول اللاجئين السوريين عامة على أوراق رسمية في مصر، منها الدخول بطرق غير شرعية عبر السودان لعدم القدرة على الحصول على تأشيرة دخول رسمية، والكلفة العالية التي تفرضها السفارة السورية لاستخراج أي قصاصة منها، ناهيك عن أن غالبية اللاجئين من المعارضين للنظام السوري ويهابون من التوجّه إلى السفارة لاستخراج الأوراق، كما يحول عدم تمكن السيدة من إحضار إخراجات قيد خاصة بالزواج من سوريا، وانتهاء جواز سفرها دون توثيق زواجها.

ومع هذا تجهل غالبية السوريات في مصر حقها في حال تزوّجت مصريًّا بعقد عرفي في رفع دعوى قضائية من أجل إثبات زواجها بمساعدة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي تتحمل التكلفة، كما أن المحاكم المصرية تستثني شرط وجود إقامة سارية، وهو الأمر الذي حين أذيع بأحد ندوات التوعية قررت بعدها 400 امرأة رفع دعاوى تثبيت زواج.

ويقتضى القانون المصري أن يُبرَم عقد الزواج بمكتب زواج الأجانب التابع لوزارة العدل المصرية في حال كان أحد الزوجين أجنبيًا، أو أن يتم إبرام عقد زواج لدى محامٍ، ثم توكيل محامٍ لرفع دعوى إثبان الزواج.

«المشايخ السوريين» يسهلون الزواج العرفي في تركيا

بعد إقامتنا في تركيا لمدة عام تقريبًا تقدم رجل تركي يكبرني في السن بأكثر من 20 عامًا للزواج بي، زوجة ثانية وبعقد شيخ لا يمكن تثبيته أو الاعتراف به، رفضت الأمر عدة مرات في ظل محاولات متكررة من جميع أفراد أسرتي لإقناعي بالقبول به، متأملين بتحسين أحوالهم المادية بعد هذا الزواج، كون العريس ثريًّا جدًا. *فتاة سورية من حلب تدعى أمل تروي حكايتها مع الزواج العرفي.

فعليًا، انصاعت أمل لرغبة ذويها وتزوجت الرجل التركي زواجًا عرفيًا غير مثبت في الدوائر الحكومية التركية، فحتى إذا ما حلت نهاية العام 2016 كانت أمل أمًّا لطفل عاش فقط ستة شهور في كنف أمه وأبيه، إذ قرر زوجها الانفصال عنها بداية دون اهتمام بمصير الطفل الذي لم تفلح أمه بتسجيله في سجلات النفوس، لكن سرعان ما تراجع الرجل عن موقفه ورفع دعوى يطالب فيها بمنح زوجته التركية حضانة هذا الطفل ونسبه إليها، لتعود أمل بعد تنفيذ ذلك بحكم القانون التركي لحياتها ما قبل الزواج، وحيدة لكنها موصومة بمطلقة ومتحسرة على «كبدها» الرضيع.

وتعود أسباب قبول السوريات بالزواج العرفي في تركيا لعدة أسباب، منها اختلاف الثقافات الذي يولد خوفًا من الأهل على الإناث، ناهيك عن الضغوط المادية التي تدفع نحو تزويج الفتيات بغية تخفيف الأعباء المادية للعائلة كما حدث في حكاية أمل آنفة الذكر، كما أن سفارات النظام السوري وبخاصة في الدول التي يكثر فيها السوريون مثل تركيا، لا تملك الصلاحية بإتمام عقود الزواج.

فيما يلجأ الرجال الأتراك عند الرغبة في الزواج الثاني إلى الزواج العرفي لمنع التعدد قانونيًا في تركيا، ويسهل رغباتهم تلك «المشايخ السوريون» في مخيمات اللجوء الذين يتقاضون مبالغ مالية جيدة مقابل إبرام عقد الزواج العرفي، حتى أن بعض هؤلاء يقوم بدور في تأمين عروس مناسبة لرجل تركي (متزوج) يرغب بالزواج من أخرى مما يضاعف أجره المادي، كما يساهم انخفاض تكاليف زواج السوريات -مقارنةً بالتركيات- في دفع الأتراك نحو استغلال الوضع المادي الصعب للعائلات السورية وطلب الزواج ببناتهن اللواتي يرين أيضًا أن الزواج من تركي سيوفر لهن الحماية والاستقرار.

فقد أدي منع قانون العقوبات التركي تعدد الزوجات؛ إلى رواج الزواج العرفي الخارج قانونيًا عن الجهة التي تنظّم الزواج في تركيا، وهي «مكتب الزواج في البلدية»،وتكتشف الحكومة التركية في معظم الأوقات، المخالفين للقانون والمتزوجين عرفيًا عندما تحدث ولادة في أحد المشافي من خلال الأوراق الثبوتية للزوجة.

وفي حال اكتشف أمر عقد الزواج العرفي غير مسجل في البلدية يحبس كاتب العقد والزوجين لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، ولا تقبل المحاكم التركية أي دعوى لتثبيت الزواج حتى في ظل وجود أبناء نتيجة هذا الزواج، فلا يمكن تثبيت نسبهم من والدهم التركي إلا بإقرار منه في دائرة النفوس، وهو ما يعني استحاله حصول الزوجة السورية على أي حق من حقوقها، بل يبيح القانون التركي في حالة وجود أطفال من الزواج العرفي للزوجة التركية الأولى؛ أن تنسب الأولاد لها وتحصل على حضانتهم إن أرادت، مع حرمان أمهم من الوصاية عليهم إلا بموافقة الأب.

ازدياد «الزواج البراني» في مناطق النظام والمعارضة السورية

«تزوجت قبل عدة سنوات.. لكن بعقد براني»، هكذا حاولت سيدة سورية تزوجت من رجل سوري تربطها به صلة قرابة خلال الحصار الذي عرفته منطقة حلب (2012 -2016) تلخيص معاناتها مع الزواج العرفي الذي تم على يد أحد الشيوخ.

Embed from Getty Images

زوجان سوريان لجؤوا لأوروبا

ورغم أن مشكلة تلك السيدة لم تكن مثل سابقاتها، إذ ما تزال على وفاق مع زوجها بعد أن تنقلا بين عدة مناطق حتى استقرا في دمشق، إلا أن فشلها في تثبيت العقد في السجلات الرسمية كي تتمكن من تسجيل أولادهما، حول حياتها لجحيم، وهي مثل العديد من النساء اللواتي يتواجدن الآن في المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري.

فرغم أن سوريا عرفت الزواج البراني الذي كان يكتمل لاحقًا بالتسجيل في المحاكم الشرعية قبل الثورة السورية، إلا الكثير من الأمور أصبحت تحول دون ذلك، منها إحجام الشباب المطلوبين للخدمة العسكرية عن مراجعة الدوائر حكومية، ومن بينها المحاكم الشرعية، حتى لا يساقوا للقتال مع جيش النظام، وبالتالي يبقى الزواج البراني الذي أظهرت إحصاءات عام 2016 بلوغه في مناطق النظام نحو 150 ألف حالة قائم.

تقول السورية سهير علي (24 عامًا): «ابني بلغ خمس سنوات، ويفترض أن يبدأ العام المقبل المدرسة، لكنه ما زال مكتوم القيد، فلا أوراق رسمية له إذ لم نثبّت زواجنا بعد»، وتضيف لـ«العربي الجديد»: «زوجي كان في ذلك الحين عسكريًا، والعسكري لا يسمح له بالزواج قبل أن ينهي خدمته، فتزوّجنا بكتاب شيخ، وبعدما أنهى خدمته الإلزامية وجرى الاحتفاظ به في الجيش، ومع سوء الخدمة وظروفها، قرر أن يمتنع عن الالتحاق بالخدمة، فبات من المطلوبين أيضًا، وبالتالي بات تثبيت الزواج أصعب، وأكثر كلفة مادية».

كذلك، انتشر الزواج البراني في مناطق المعارضة السورية بسبب عدم وجود محاكم شرعية معترف بها في سوريا أو الدول المجاورة، حيث تبقي عقود الزواج أشبه بالزواج العرفي، كما تمنع الكلفة المادية الباهظة النازحين عن تسجيل هذه الزيجات، ومن هؤلاء كانت السيدة اللاجئة السورية من أصل فلسطيني فاطمة، التي لم تتمكن من تسجيل حفيدها في دوائر النفوس بعد أن نزحت من مخيم اليرموك، وفقدت ابنها (والد الطفل) قبل تثبيت عقد زواجه بالمحكمة، ليبقي الطفل من دون تسجيل يثبت نسبه.

ويتضح من الأرقام أنه من بعد الحرب السورية زادت نسبة الزواج البراني بشكل كبير، وكشفت إحصائيات رسمية أن: «عدد العقود العرفية التي تم تثبيتها في عام 2011 بلغت 1692 عقدًا، و2269 عام 2012، بينما وصلت إلى 5315 عقدًا عرفيًا في 2013، وبلغت 7566 في عام 2014، لتصل إلى 12333 عقدًا عرفيًا في 2015»، ومن الأكيد أن هذه الأرقام سترتفع كلما انتهت قضية منطقة ما بسوريا لصالح النظام.

اللاجئات السوريات في الأردن: «زواج المتعة» الخيار الوحيد «للسُترة»

المصادر

تحميل المزيد